RSS

“غياب” محمد أبوزيد دعوة لنهاية العالم

مقدمة في الغياب cover

أحمد علي عكة

يقول تشارلز ديكنز “تتكون الحياة من لحظات رحيل كثيرة واحدة تلو آخرى” ، ومحمد أبوزيد يقدم في ديوانه الجديد ” مقدمة في الغياب ” تجربة رائعة عن فقدان الأحبة والوطن برحيله الدائم والذي لايتوقف، الغربة في هذا الديوان ليست غربة مكانية حيث اغتراب الشاعر وبعده عن وطنه بل هي غربة نفسية لفقد الشاعر الأحبة والخلان وفقدان معنى الوطن، فمن هم في الوطن يعانون من نفس الغربة والفقدان.

محمد أبو زيد الذي نشر له من قبل خمسة دواوين وديوان للأطفال ورواية، دائما مايقدم نصوصا مختلفة عما يقدم في قصيدة النثر فهو صوت شعري مميز ومختلف، القارئ والمتابع لكل ماكتبه أبوزيد سيعرف انه يعمل على مشروع أدبي متكامل وليس دواوين كل منها يعبر عن حالته فقط ، فستجد أن خطوطا عريضة تربط بين أعمال الشاعر وتشعر أن كل ديوان من دواوينه هو خطوة على الطريق تضيف لما قبلها وتمهد لما بعدها.

الرابط الأول بين أعمال الشاعر هو الفقد ففقدان الشاعر لوالدته في الرابعة من عمره له تأثير كبير على كل مايكتبه ابتداء من ديوانه الأول ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” وانتهاء بديوانه الأخير ” مقدمة في الغياب ” ويضاف إلى فقد الأم فقد الجد والجدة، كما ستجد فقدان أيام الطفولة وقريته الصغيرة في سوهاج، ويتضح هذا في قصيدة ” إلقاء تحية الصباح على الموتى ” والتي يقول فيها :

قبل قرون

أخذت دراجتي

قاصداً الحدود

ودّعت قبر أمي وسرت

بكيت على قبر جدتي، ومشيت

لوّحت لقبر جدي وطرت

قلت لهم: صباح الخير

فلم يرد أحد.

وفي قصيدة ” قصيدة تنتظر نهاية العالم ” حالة آخرى من حالات فقد الأم فيقول فيها أبوزيد :

وأنا صغير، حلمت أن يشق الملائكة صدري. فجاءت الكائنات الفضائية ووضعت زجاجة مولوتوف مكان قلبي وأخذت أمي. طرت في الجنازة فوق رءوس المشيعين، أخطف أغطية رءوسهم لأصنع بها كفناً لي.

الرابط الثاني بين أعمال أبوزيد هو الموت والذي يتطور منظور الشاعر له من ديوان إلى آخر فكل ديوان من دواوين محمد أبوزيد يقدم الموت بشكل جديد وعلاقة مختلفة بينه وبين الموت فأحيانا يصادقه وأحيانا يواجهه وأحيانا يهرب منه، لكن ماقدمه أبو زيد من رؤية للموت كانت أكثر فلسفية عما سبق، ويظهر هذا في قصيدة ” طريق ممتد بين عطارد ونبتون ” يقول فيها :

في جيبي صور للموتي

الذين أحبهم

جدي وجدتي

وشخص لا أعرفه

مشيت في جنازته بالصدفة

ربما يكون أنا.

ويقول في قصيدة ” عصفور يقف على الشوك ويغني: عش أنت “:

قابلت الموت ثلاث مرات من قبل

كل مرة كنت أضحك

أضربه على كتفه، وأقول:

ـ لا تنس أن تأخذ الباب في يدك وأنت خارج.

أو:

ـ عندي عمل صباح غد، سأضطر أن أستأذن

وأتركه وحيداً على الكوبري

يرتجف من البرد

أنا أكذب عليكم

في المرة الأولى كنت طفلاً

في الثانية كنت نائماً

في الثالثة كنت غريباً

لم يواجهني أبدا رجلاً لرجل

يغافلني ثم يأخذ جزءاً من جسدي

فلا أعرف ما الذي تبقى

حياً مني

أما الرابط الثالث فهو الغربة، والغربة بدأت لدى الشاعر منذ أن فقد والدته فصار غريبا في قريته التي شعر فيها بالقسوة والمرارة فكان طريقه الذي قرر أن يسير فيه إلى الآن، وهو الهروب من الغربة بالغربة فحضر للدراسة في القاهرة، وتحقيق ذاته كشاعر وتلمس خطوات البدايات،كل يوم تزداد الغربة وتتسع لتصير غربة الفقد وغربة الاحباط من العالم وغربة الوطن الذي لم يعد كما كان بل أصبح مشوشا وحزينا أكثر مماينبغي ويعبر أبوزيد عن هذا في قصيدته “مالا أستطيع تذكره ” :

الآن

بعد 20 عاماً من السفر

لم أعد أشعر بالغربة

لا تحتفظ عيناي

إلا بملامح مشوشة

للوطن

بيوت وطرق

ومارة في جلابيب واسعة

لا أتذكر أسماءهم

وفي قصيدة ” أوغاد مثلكم ” يقول أيضا :

وقلت في السفر 3 فوائد

1ـ الوحدة

2ـ الوحدة

3 ـ الوحدة

فلا تزعجوني بضجيجكم بعد اليوم

دعوني أواصل السير على المياه

ربما أضل الطريق.

الرابط الرابع بين دواوين محمد أبوزيد هو ” ميرفت عبد العزيز ” في هذا الديوان ربط محمد أبوزيد بين ميرفت عبد العزيز وهو الاسم الكامل لحبيبة افتراضية دائما مايخاطبها الشاعر ويخاف عليها من الأشرار وبين الغربة فكان عنوان القصيدة الرائع ” الغريب قابل ميرفت عبد العزيز ” ويقول فيها أبوزيد:

بالأمس

قابلت فتاة تشبهك

تريد السفر إلى كوكب آخر

فأعطيتها تذكرتي

سرنا معاً بطول درب التبانة

نتحدث عن قارئي الكف

وجثث سائقي الحافلات المسرعة.

بالأمس

قابلت قطاراً يشبهك

له نفس الابتسامة

وأذني الطاقية في رأسه

كأنهما شارة النصر.

الرابط الخامس الذي يربط بين دواوين محمد أبو زيد هو البحث في ماهية الكتابة والصراع بين ألوان الكتابة المختلفة، وظهر هذا في الدواوين السابقة كما فعل الشاعر في ديوانه الماضي ” مدهامتان ” حين قدم نصوصا شعرية بين القصيدة العمودية والتفعيلة والنثر وكأنه يريد أن يقول أن النص الجيد هو الذي ينتصر دائما مهما كان نوعه ومهما كانت طريقة كتابته وعرضه، واستكمالا لهذا انتصر محمد أبوزيد في هذا الديوان لشاعريته برغم انه كتب الرواية إلا انه يدافع عن الشعر وينتصر له في قصيدة ” بيان الثورة رقم صفر ” والتي يقول فيها :

” في البدء كان الشعراء. الشعراء وحدهم، فقرروا أن يصنعوا العالم، مرة على شكل قلب تسيل منه المشاعر كشلال، ومرة كقصيدة عمودية تغلق بابيها على الأطفال من البرد وغبار الحرب. بعضهم تسلل بعيداً واختار السرد، فنفتهم الآلهة، حولتهم إلى قصاصين صغار، يراهم الناس في الشارع فلا يبتسمون في وجوههم، وتحذر الأمهات أطفالهن من مصيرهم الأسود إذا لم يشربوا اللبن.

كبر القصاصون وصاروا روائيين، لم ينسوا جرحهم القديم، فحوَل كل روائي قرطاسه إلى خنجر، ينظر إلى عيني الشاعر ويقول: “البقاء لله”، فيرد الشاعر “البقاء للأصلح”، ثم تذوي عينه، كلما ذوت عين ، اختفت سحابة في السماء، كلما مات شاعر نقص لون في قوس قزح.”

الفكرة الرئيسية التي طرحها الشاعر في ديوانه بجانب فكرة الغياب هي فكرة نهاية العالم وظهرت هذه الفكرة بقوة في الديوان لغاية الخلاص من شرور هذا العالم، الذي يسحق البسطاء ويقهر الضعفاء ولا يرحم العجائز والأطفال، وقد أظهر أبو زيد هذا في العديد من قصائد الديوان منها قصيدة ” إلقاء تحية الصباح على الموتى ” ويقول فيها :

حتى وصلت إلى نهاية العالم

بدا مثل سور قصير أملس

يدفعنني كأنني كرة مضرب

خلفه هوّة بلا نهاية

لم أرغب في العودة

حيث لا صديق ولا وطن

فوقفت هناك متأملاً

ساقيّ اللذين فقدتهما

وقلبي الذي تهدم

أفكر في رد على “نهاية العالم”:

ـ لماذا تأخرت؟

وقصيدة ” قصيدة تنتظر نهاية العالم ” ويقول فيها :

” الموت الذي انتظرته في موقف الباص تأخر ساعتين، حتى برد النسكافيه وجاء الشتاء. الموت الذي ربيته خذلني من أجل من يدفع أكثر. كنت أريد أن أموت مبكراً هذا الأسبوع. حدقتاي تتحركان مثل سمكة مجنونة في حوض، أزحزح الأهرامات من فوق صدري وأنهض، أفتح القفص الصدري مثل جناحين وأطير. من قال إن المستقبل خلفنا؟ ليس ثمة مستقبل من الأساس. وليس هناك ديناصور أيضاً.”

وفي قصيدة ” عودي يا هاميس.. عودي عند الفجر ” يقول أبوزيد :

الآن

أتمدد على السرير في كامل ملابسي

وأنتظر أن يطفئ العالم أنواره

 

وفي قصيدة ” حكاية لتسلية الموتى ” والتي يقول فيها :

من يعطيني ألواناً أخرى

فأضيف قليلاً من الأسود

من يمنحني يداً

فأنقل المد والجزر من رأسي إلى الماء

من يعيرني قلماُ

فأكتب The end

 

وفي قصيدة ” السماء تمطر في الخارج ” والتي تقول :

في موقف الباص

انتظرت نهاية العالم

في ساحة المسجد

ـ وأنا منهمك في الدعاء ـ

ترقبت اللحظة الأخيرة

في غرفتي الصغيرة

على يساري دب تعيس

وأمامي فيلم سخيف

أنتظر تَفحُّم الكتاب في يدي.

 

وفي قصيدة ” أعتذر فقط للأطفال، أما أنتم… ” يقول الشاعر:

عندما يهوي النيزك

الذي سيدمر الأرض،

الذي ينتظره العلماء منذ سنوات

الذي يقول للمنجمين:

ـ كم كنتم صادقين

النيزك الذي سينهي الخلاف

بين امرأة وحماتها

على رائحة البصل في المطبخ

الذي سيريح عاشقاً

خذلته حبيبته

الذي سيحل أزمة أب

لا يستطيع دفع ثمن حذاء طفلته

الذي سيضع حداً لأسرى الحرب

وموتى المجاعات وأطفال الشوارع

والقصائد السخيفة

ماقدمه محمد أبوزيد في ديوانه ” مقدمة في الغياب ” يدل على انه شاعر مطبوع بعيدا كل البعد عن التكلف والتصنع يمتلك أدواته الشعرية جيدا من لغة وصور وأساليب تجعله مختلفا ومتفردا، كما أن قصيدة النثر عند محمد أبوزيد قصيدة شديدة الذاتية تعالج قضايا عامة تخص الانسانية بأكملها وليس الشاعر فقط ، استمتعت كثيرا بقراءة هذا الديوان كما استمتعت بكل ما كتبه محمد أبوزيد وانتظر الجديد منه دائما سواء كان الجديد ديوان شعر ينتصر فيه لشاعريته أو رواية يصالح بها الروائي بداخله.

 
أضف تعليق

Posted by في 22 أبريل 2014 in مقدمة في الغياب

 

الأوسمة:

مستويات القصيدة والغربة في ديوان “مقدمة في الغياب”

مقدمة في الغياب cover

محمد أبو زيد شاعر ماهر ينحت قصيدته ببراعة واقتدار، ودربة بمكنونها وجوهرها وأبعادها النفسية والبصرية والحسية ، فيمنحك قصيدة تكاد تشعر بمفرداتها تتأوه بين يديك وتستعذب أنينها ووجعها وألمها، ويقدم لك أبيات رائقة صافية عذبة نقية مورقة بلا تصنع أو تكلف أو تعالٍ، وعلى الرغم من غوصه بك في منافى الغربة والوحدة والفراق والشجن فهو يهبك الحياة والخضرة والماء الرقراق والنبع الفياض.

قصيدته مراوغة مناورة لا تمنحك نفسها بسهولة ويسر فهي تحتاج منك إلى إعادة القراءة المرة تلو الأخرى حتى تتكشف لك مكنوناتها وتمنحك مفاتيح عوالمها ودروبها وما خفي من دهاليز أبياتها وسراديب مفرداتها وأعتاب غموض حروفها.

قصيدة أبوزيد مؤلمة حزينة داهشة مدهشة تتسلل إلى جوانح النفس البشرية وخفايا الروح فتعريها وتفضحها وتحرضها على واقعها المرير .

والمتتبع لرحلة أبو زيد الإبداعية، بداية من ديوان “ثقب في الهواء بطول قامتي”، مروراً بأعماله “قوم جلوس حولهم ماء”، ” نعناعة مريم” ،” مديح الغابة”، “طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء”، ورواية “أثر النبي”، و”مدهاماتان”، يلحظ أننا أمام مبدع واع يملك أدواته الفنية ولديه لغة رائعة معبرة ومفردات تخصه وتميزه تجعله يقبض على اللحظة الشعرية بمقدرة، فهو لا يكتب قصيدته لمجرد الكتابة أو إفراغ شحنة حماسية فقط، بل إننا أمام شاعر لدية مشروع ومنجز إبداعي يعكف على إتمامه لا يحيد عنه قيد أنملة.

وفى ديوانه الصادر حديثاً عن دار شرقيات بعنوان “مقدمة في الغياب” يقدم لنا تجربة الغربة بكل أبعادها ومشاعرها وأحاسيسها كأنها أمر حتمي ملازم للإنسان أينما استقر، غربة داخل حدود الوطن يحياها بين الأهل والأحباب والأصدقاء وغربة أشد قسوة بعيداً عن الوطن وعن كل مسببات الفقد والوجع، فتشعر أن الذات الشاعرة تتحسر حتى على ما كان يزيد من عذابها في القرب بين جنبات وأحضان أرض المهد وهوائها ومائها وكل ما عاشه من ذكريات البدايات.

أغلب قصائد أبوزيد لها خصوصية فهو يكتب نفسه، لا يقلد أحداً وهناك سمات بارزة في شعره منها الصدق والإخلاص والبساطة والبراءة والعمق والسذاجة والطيبة والأحاسيس والمشاعر الفياضة والمفارقة الداهشة المدهشة في نهايات القصائد والحكمة والسخرية المريرة الموجعة التي تجعلك تضحك من فرط البكاء، وما يميز الديوان استخدام تقنية التكثيف بصورة لافتة للنظر فلا حشو ولا عبارات مجانية مستهلكة لا تفيد الهدف.

الديوان يحوى أربعة أقسام هي: كهلٌ يسير إلى الحافة، لاي ؤنس الغريب غير ذاكرت ، من يتذكر الغائب؟ ، من يعرف ماذا يفعل الآن؟، اسمي محمد أبو زيد.

أولى قصائد الديوان بعنوان “ما لا أستطيع تذكره” يقول: بعد 20 عاماً من السفر/ لم أعد أشعر بالغربة/ لا تحتفظ عيناي/ إلا بملامح مشوشة للوطن، هكذا يضعنافي داخل الحالة مباشرة فهو لا يتوانى أن يلقى بنا في خضم الأحداث منذ البداية، ويقول: أسير في شوارع لا أعرفها/ مثل ماكينة تتحرك في المصنع/ وتُسقِط الصدأ/ لا مشاعر في صدري/ لا أغنية تهز لسان المزمار، تأمل الوصف الغريب بماكينة صامتة بلا مشاعر، ويقول: حتى في اللحظة التي/ أمطرت السماء جليداً/ لم أكتب قصيدة جديدة كما تمنيت صغيراً / وضعت الثلج في فمي/ كي لا يسمع أحد أنفاسي / خلعت قميصي/ وسرت صامتاً، يا لروعة الكلمات المنسابة في رقة ووجع ودهشة.

وفى قصيدة “7 حي السفارات” يقول: المباني القصيرة الواسعة/ في الزمالك وجاردن سيتي/ التي ترفرف أمامها أعلام بألوان غريبة/ التي كنت أعتقد/ أن بداخلها/ أناساً يصنعون الشاي/ ويعدون أرجل النمل،/ الآن فقط../ أعرف معنى لون جدرانها/ وملمس حيطانها الباردة/ والروائح المنبعثة من داخلها/ رغم أن أحداً/ لم يدعني لشرب الشاي/ أو للاستفادة من خبرتي/ في علم الجبر. قصيدة مراوغة توحى بالكثير مكثفة ومختزلة تكاد تفضح عالمنا وواقعنا بما أوحت إليه ولم تصرح به، وفى قصيدة “ما يتركه الأرق على جلدي” يقول: خلف هذا الحائط/ توجد عائلة سعيدة/ تصلني قهقهاتهم بالليل/ وهم يشاهدون مسرحية/ أتمدد أمامها على الكنبة/ والكآبة تُجعّد وجهي/ يلاعبون أطفالهم/ فيما أحرق أصابعي/في طاسة المكرونة الساخنة/ لا أفهم ما يقولون/ لكن سعادتهم تُحرّك / ستارة النافذة، يصل الشاعر إلى هدفه من أقصر الطرق فلا زيادة ولا حشو في النص ويستطيع أن ينقلك إلى إحساس الوحدة التي تحياها الذات الشاعرة المغتربة وحولها الناس سعداء، وتأمل المفارقة الداهشة في نهاية النص حين تحرك السعادة الستارة، وفى قصيدة “الصمت” يقول: على المقهى/ تجلس لهجات كثيرة/ تتشبث بمقاعدها جيداً/ حتى لا تسقط/ ثلاث لهجات جلست على الكنبة/ المطلية بالأصفر في المدخل/ تدفع كل منها الأخرى/ لتأخذ حيزاً أكبر/ أقدم القهوة للجميع/ دون أن أنطق، هنا ملمح من السخرية على واقعنا الأليم من فرقة واختلاف أصاب كبد الحقيقة .

ومن أمتع قصائد الديوان قصيدة “كتاب الأجنبي” يقول: الأجنبي / يطفئ الأنوار/ يضع القلوب المنهكة أماكنها/ ويوصد عليها بإحكام/ يختار الملابس، يقرأ الأوراق / يحبس الذكرى في الدولاب / يرسل عينيه تودعان كل التفاصيل الصغيرة/ في المطار/ يشد الباب خلفه جيداً، والأجنبي هنا ليس الشخص القادم من الغرب كما هو متعارف عليه، بل هو كل شخص مغترب ترك بلده من أجل لقمة العيش، ويقول أيضاً: الأجنبي / يتعرف إلى غربته/ في صالة المطار/ بين الألسنة المختلفة والوجوه الملونة/ حين يصبح كل ما فعل طوال عمره/ مجرد حقيبة، ورقم رحلة/ صالة انتظار وميعاد وصول، فتأمل وصف الشاعر أحواله وحركاته وسكناته ببراعة ودقة متناهية وكيف يكون يقظاً في كل تصرفاته حتى لا يقع تحت طائلة قانون البشر، كما يقول: الأجنبي / لا يعرف الحب/ يعرف النظرات العابرة/ وحكمة الميت/ الذي يتفرج على العلاقات / مثل طفل في متجر ألعاب كبير، ما أروع التشبيه ودقته ودلالته، ويقول: الأجنبي/ لا يأكل إلا ما يعرف/ لأنه لا يأمن جهله/ لا يصدق إلا معدته / التي تخذله / طوال الوقت، الأجنبي / صديق نادل المقهى/ صاحب الدراي كلين/ عاملة مطعم الوجبات السريعة، أجاد الشاعر وصف حال كل مغترب ببراعة ثم تتوالى الابيات فيقول: الأجنبي أصلاً / بلا أصدقاء/ الأجنبي / لا يتكلم كثيراً/ الأجنبي / لا يتحدث / إلا مع سائقي التاكسي/ يربط الحزام/ ويسند رأسه إلى الوراء/ ينصت إلى كلام لا يفهمه ، ويقول : الأجنبي/ يعرف قيمة “سكايب” متأخراً، حقا لقد أصبح العالم الافتراضي وما به من تكنولوجيا الاتصالات هو ما يربطنا بمن نعرف ومن نحب، وبل وأصبح التصاقنا بتلك الآلات أقوى وأهم من البشر.

وفى قصيدة “مثل ليمونة في بلد مصابة بالقرف” يقول : يضع القصيدة في جيب الحقيبة، ويقول :/ ـ نويت أسافر إن شاء الله/ في المطار يكتشف أنه نسي الحقيبة/ في غرفة الفندق لا يجد وجهه/ في الشارع يفقد صوته/ في الأيام التالية يصبح أرقاً يتحرك في الليل/ لا يرغب فيه أحد، الشاعر ينجح فى تكثيف ظاهرة الاغتراب والشعور بالمرارة والوجع ، وفى قصيدة ” قبل أن تحط الطائرة” يقول : صوت الطائرات المارقة/ جوار شرفتي/ يذكرني بغربتي/ وبإصلاح الكالون التالف/ لكنني لا أجيد الكلام/ أسأل نفسي:/ ـ ماذا أقول للبائع؟/ كيف أشير له إلى ما أريد؟، رغم بساطة الكلمات إلا أنها تتميز بالعمق والوجع والإحساس بالوحدة القاتلة، ويقول أيضاً: بعد أيام يصبح الصوت أكثر ألفة/ مثل صوت قطار/ كان يمر جوار قريتي/ فيهزها/ كأنه يهدهد طفلاً في سريره/ مثل صوت وابور الطحين/ الذي يضحك من العامل/ الغارق في غبار الدقيق، سخرية مريرة من واقع مؤلم، ويضيف قائلاً: مع الوقت/ أتسلى بالنظر إلى الطائرات القريبة/ ومقارنة ألوانها المختلفة/ أحدق في نوافذها البعيدة جيداً/ علّي ألمح/ أحداً أعرفه، وهنا تكمن المفارقة مع اعتياد الغربة وانتظار سراب يعرف جيداً أنه لن يأتي، وفى قصيدة “طريق العودة” يقول: أجمل الطرق../ طريق المطار/ وأنت تحاول أن تحتفظ في عينيك/ بلقطة أخيرة للمدينة/ لو كانت عيناك كاميرا/ لصورت اللحظة الأخيرة للحياة،/ قبل أن تدخل صالة المغادرة/ لو كان بإمكانك اصطحاب الطريق/ لوضعته في الصالون/ ليتفرج عليه جيرانك/ وتحكي لأحفادك بعد سنوات/ أنك مررت من هنا/ وتصف للعائدين الطريق/ ثم تُطرق:/ ـ امممم.. الغربة تغيرت كثيراً، ما أروع الوصف، كأنك أمام صورة مشهدية لعين خبيرة مدربة على التقاط أدق تفاصيل اللحظة .

وفى قصيدة “قصيدة تنتظر نهاية العالم” وهى مقسمة إلى عشر مقاطع منها: لم أعد أذكر متى استيقظت/ وحيداً مثل كلب ضال/ ببنطلون واحد ممزق/ وحقيبة كتف متسخة تخزن ذكرياتي/ وسحابة بوجه مومياء تظللني/ وديناصور أمتطيه إلى العمل، هكذا تسير القصيدة ضائعة شريدة غريبة، ويقول أيضاً: في عيد الأم أرسم قصيدة/ وفي يوم اليتيم أكتب لوحة/ وهكذا تسير الحياة/ مرتبكة مثل حب المراهقين/ أعد خسائري وأنا أنظف المنزل/ أزيحها جانباً وأواصل طريقي، رغم قسوة الكلمات وسخونتها لا نملك إلا التفاعل معها، ويقو: يمتلك أصدقائي ذكريات كثيرة يحكونها لمقاعد المقهي/ لكنني مثل الحوائط أفضل الاستماع/ فقط أراقب الجير يتساقط مني/ أخبئ سري: أنني بلا ذكريات ، اللغة جذابة والشاعر يعزف على أوتار غربتنا بصدق يمتلك القلوب ويتغلغل فى خفايا الروح والنفس البشرية.

جميع قصائد الديوان تستحق التوقف أمامها كثيرا ومنها قصيدة “قبل 4 مايو 1980 بالتحديد” التى يتحدث فيها عن نفسه قائلاً: قبل 1980/ لم يكن هناك شيء اسمه محمد أبو زيد/ لكن كان مارلون براندو يبتسم/ ويسلم على الناس في الشارع/ ويختتمها قائلاً: قبل 1980/ كانت الحياة أجمل، قصيدة تتميز بالمكاشفة والصدق الفنى والنفسى، وهناك الكثير من القصائد منها قصيدة “أسطورة القطط والحمير” وقصيدة “بيان الثورة رقم صفر” التى ينحاز فيها إلى الشعراء وربما أغضبت منه كتاب الرواية، وقصيدة “غريق ينظر للسحابة “وقصيدة “القصيدة العارية” وقصيدة “قبل الموت”وقصيدة “الحقيقة” التى يقول فيها: أنا لست محمد أبو زيد/ أقصد لست ذلك الشاعر الذي قرأتم له من قبل/ وابتسمتم أو شتمتم، وفى قصيدة “ضحكة ساخرة لا تخرج إلا من ميت” يقول:أضع القلم في الثلاجة، والأوراق على البوتاجاز/ وأقول: ما الذي يريد أن يقوله محمد أبو زيد هذه المرة.

وفى آخر قصائد الديوان والتى يبدو عنوانها طويلاً جداً لكنه معبر “تجرحني الضحكة فتتناثر دمائي على أفواهكم المفتوحة أمامي” يقول: أكتب قصيدتي الأخيرة/ وأنا مستغرق تماماً/ غير آبه بالعالم الذي يشتعل في الخارج بالحرب/ عند آخر حرف سأتنهد/ تنهيدة تحدث شرخاً في الجبال/ وتفزع الطيور/ وتسقط البحارة من أعلى السفينة/ للماء/ أتمشى بعدها قليلاً/ والوردة تنام خلف أذني/ كقلم نجار ماهر/ غير عابئ بأوراق القصيدة/ التي تطايرت في الريح .

وفى نهاية الرحلة مع ديوان “مقدمة فى الغياب” لمحمد أبو زيد نقول إنه ديوان الحالة والصدق والشفافية والإبحار مع الذات المغتربة فى عالم زائف أحداثه متلاحقة متواصلة تقسو كثيراً وتعطف قليلاً كما عبرت قصائد الديوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت في جريدة التحرير

 
أضف تعليق

Posted by في 16 أبريل 2014 in مقدمة في الغياب

 

الأوسمة:

مقدمة في الغياب

 

مقدمة في الغياب cover

عن دار شرقيات للنشر بالقاهرة، صدر ديوان “مقدمة في الغياب” للشاعر محمد أبو زيد، والذي يواصل فيه مشروعه الشعري الذي بدأه قبل أحد عشر عاماً، عبر خمسة دواوين أخرى.

وينقسم الديوان إلى أربعة أقسام، هي “هي “كهل يسير إلى الحافة”، و”لا يؤنس الغريب غير ذاكرته”، و”من يتذكر الغائب؟ من يعرف ماذا يفعل الآن؟”، و”اسمي محمد أبوزيد”.

يذكر أن الشاعر محمد أبو زيد صدر له من قبل  خمسة دواوين، وديوان للأطفال، ورواية، وحاز عدداً من الجوائز داخل مصر وخارجها، صدرت أول أعماله عام 2003 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بديوان “ثقب في الهواء بطول قامتي”، وديوان “نعناعة مريم” للأطفال عن كتاب قطر الندى في 2005، وديوان “قوم جلوس حولهم ماء” عن دار شرقيات في 2006، وديوان “مديح الغابة” عن الهيئة العامة للكتاب عام 2007، وديوان “طاعون يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء” عن دار شرقيات عام 2009، ورواية “أثر النبي” عن دار شرقيات عام 2010، وديوان “مدهامتان” عن دار شرقيات عام 2011.

ومن أجواء الديوان

خلف هذا الحائط

توجد عائلة سعيدة

تصلني قهقهاتهم بالليل

وهم يشاهدون مسرحية

أتمدد أمامها على الكنبة

والكآبة تُجعّد وجهي

يلاعبون أطفالهم

فيما أحرق أصابعي

في طاسة المكرونة الساخنة

لا أفهم ما يقولون

لكن سعادتهم تُحرّك

ستارة النافذة.

ألقي نظرة كل صباح

على شرفتهم المغلقة بإحكام

وأنا أسير إلى العمل

يحرك الستارة رجل وامرأة

يتخفيان من الشمس

ويُنَكّتان

عن ذلك الغريب

الذي لا يجيد الطهي

 
أضف تعليق

Posted by في 29 مارس 2014 in غير مصنف

 

مدهامتان..‏..‏الخضرة القاتمة من شدة الري

بقلم: بهاء جاهين

أرص الصور بجوار بعضها فتكتمل الحياة‏.‏ دقات قلب المرء قائلة له‏:‏ أنا وحدي في الفريزر‏.‏ السعادة الحقيقية تجدونها في هذه القصيدة‏..‏هذه عناوين ثلاث قصائد في الديوان الرابع لشاعر بديع ــ في رأيي ــ غير مسموع بما يكفي, شاب يرتدي عمامة أزهرية, وتحتها رأس عامر بما لذ وطاب من ثقافة واسعة متعددة المنابع, وأولها بالطبع الثقافة العربية الكلاسيكية.

الاسم: محمد أبوزيد. الديوان: مدهامتان. وهي لفظة قرآنية أورد شرح معانيها من تفسير القرطبي, وأحد هذه المعاني: عميقتا الخضرة إلي درجة السواد من شدة الري, وهذا الشعر كذلك: عميق وقاتم وريان, اجتمع الشرق والغرب والموهبة علي ريه فأترعنه.

من أول كلمة يبدو مدي تأثر الشاعر بالتراث العربي الإسلامي. لكنك إذا تأملت عناوين القصائد التي أوردناها في البداية, للمست ثورة الشاعر علي تراثه وعلي كل ما هو كلاسيكي, فهو شاعر يمكن وصفه أحيانا بأنه سيريالي. ولكن لأنه شاعر كبير فهو يستعصي علي التعليب, إلا أنه من المؤكد أنه حداثي, بأوسع معاني الكلمة, فهو ليس مدرسيا في شعره, أيا كانت المدرسة, بل يخرج عن التقاليد والأعراف والمطروق في الفن طوال الوقت, فإذا كتب قصيدة خوارجية بالمعني الفني, لا يلبث أن يخرج عليها في القصيدة التالية.

لن أزيد, حتي أفسح أكبر حيز لهذا الصوت الأصيل المتفرد, المدهش في لغته وصوره, والمبدع في كل تفصيلة, حتي التذييلات(footnotes) يكتبها بإبداع!

تذييل: في القصائد الطويلة اضطررت إلي بعض المونتاج واستعضت عن السطور التي استبعدتها اضطرارا بسطر واحد من النقاط(…………………)

مختارات من الديوان

من باب ذهب محمد إلي الحقل

> ما لا أريد قوله

لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب

أو صفيح

لم أولد وفي فمي ملعقة من الأصل

لأنني بلا فم يا إخوتي

وما تسمعونه الآن

ليس إلا همهمات الأشجار المختبئة

من البرد والمطر

ليس إلا صراخ الظلام في حنجرتي

ليس إلا هرير القطة النائمة تحت قدمي

منذ واحد وثلاثين عاما.

مقتطفات من قصيدة أنا خائف يا أليس

1

اليوم فقدت الأخضر

وبالأمس الأزرق

لم تعد هناك سماء, ولا حقل ذرة

لا يرقات, ولا غابات أمازون

الأحمر يستلونه مني

ولا أقوي علي الذود

2

أضع يدي فوق جبهتي

وأنظر من أعلي لعمر الذي ترك يدي

وهرول بعيدا

أبحث عن ولد كان يسير هنا أمامي..

4

كل يوم

أستيقظ مبكرا لأكتب قصيدة

أمزقها في المساء.

ذات يوم,

بعد أن أنهيت أعمالي الكاملة

قررت ألا أستيقظ.

في الحلم

كانت لفائف الورق

تمشط ذراعي

بقلادة من نار

5

الآن..

وأنا أقترب من نهاية العمر

تتكاثر النظارات بلا جدوي

تتجمع في حجري كبيض فاسد محطم

تغدو الحياة مثل الذكريات

بلا ألوان تقريبا

………………

من باب: القصيدة الأخيرة

من يدل الكفيف مرة أخري علي الطريق يارب؟

هذه قصيدتي الأخيرة

بعد آخر حرف فيها سأعتزل

لم أعد أرغب في كتابة الشعر

………………..

وأنتم تقرأون هذه القصيدة

سأكون ممتطيا حماري

وأنا أتناول الجبن والخبز

إلي البلاد التي بلا اسم

حين تكتب الصحف في صدر صفحتها الثالثة:

نحن ننفرد بنشر القصيدة الأخيرة لمحمد أبوزيد

وتعلن قناة الجزيرة:

عاجل: معلومات مؤكدة عن امتطاء محمد أبوزيد حماره,

وتوجهه إلي جهة غير معلومة

سأكون هناك

أتأمل الفضاء

أحني لحيتي

وأضحك

يكفيني كهف في جبل

تكفيني مزقة لبن

يكفيني بكاء أغنامي علي

تكفيني الوحدة

آآآآه

الوحدة التي تتحول إلي قصيدة مؤلمة لا تنتهي

….

الكتاب صادر عن دار شرقيات, وهو حقا من الشرقيات التي نهلت من الغرب حتي ارتوت, وكاتبه شاعر عليم بفن المعمار. تأمل قصيدته الأخيرة, واعلم أن عنوان الباب الذي يسبقها يحفر قبره ويغني, وأن القصيدة الثانية تبدأ بهذا السطر: لم أولد وفي فمي ملعقة من الذهب.

ــــــــــــــــــ

نشر في الأهرام

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

“مدهامتان” أبو زيد.. حينما يتحدى الشاعر شعره

محمد الشماع

قصيدة النثر. هذه البناية التي جاورت الأنواع الأدبية في منتصف التسعينيات، لي معها تاريخ من الاضطراب والانزعاج. حبي لأشعار عبد الصبور ودنقل وحجازي ودرويش، يمنعني من الانجذاب لهذا الفن، الذي طالما عدد رواده ومريدوه، مكامن الجمال فيه، وصوره البراقة اللامعة، سارقة الأنظار والأفهام، وحريته في كسر الوزن، الذي يعتبروه أحد التابوهات الكبرى.

أقرأ الرواية في ظروف خاصة. كذلك أفعل مع المجموعات القصصية، ودواوين شعر التفعيلة، والعامية. ربما لا أحتاج لهذه الظروف، وقت قراءتي لديوان نثري. فأغلب ما قرأت من قصيدة النثر، يشبه بعضه. الصور تكاد تكون مكررة، القاموس اللغوي، متشابه إلى حد كبير. لا متعة ولا شغف ولا قلق، فأخرج من الديوان بلا شئ جديد.

في حديثي مع أصدقائي من كتاب قصيدة النثر، دائما ما أقول “ربما العيب في”. لكنني في نفسي، متأكد أن العيب هو عيب النوع الأدبي. ولكن مع ديوان “مدهامتان” للشاعر محمد أبو زيد، عرفت أن العيب ليس عيب النوع الأدبي. فالديوان ينتمي إلى قصيدة النثر، لكن المتعة، والشغف والقلق، تسربا إلى داخلي، أثناء قراءتي، وكأنني أقرأ لدرويش ودنقل وعبد الصبور.

“مدهامتان” هو اسم الديوان، وهي الآية رقم 64، من سورة الرحمن. وهو أيضا وصف للجنتين، الذين وعد بهما الله تعالي لـ”من خاف مقام ربه”، في السورة، وفي اللغة، هو اللون الأسود من شدة الخضرة. هكذا في البداية، يجعلني أبو زيد أفكر، في مغزي اختياره لهذا الاسم.

في طرف الغلاف الداخلي، صورة لطفل معمم. يشبه أبو زيد. لم أجتهد كثيرًا في معرفة أن الصورة، هي صورته وقت أن كان في المرحلة الابتدائية، من دراسته الأزهرية. لم يتغير أبو زيد في ملامحه، إلى حد جعلني أشعر حينما كنت أقرأ بعض قصائد الديوان، أن روح الطفل أبو زيد، حاضرة.

صه أيها الموت / ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث / برائحة البارود والجماجم الطائرة / بالدم والسل والطاعون / لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر / تعبت

بهذه السطور افتتح الشاعر ديوانه. فكانت كالمقدمة، التي تسبق الدراسة. والذي يسرد فيها الباحث أهداف وخطوات دراسته، والنتيجة التي توصل إليها. يبدو أن أبو زيد، سيأخذنا لرحلة من القلق، والخيال القاتم. يتحدث مع الموت، بل يأمره الإنصات، والتروي، ومنحه الفرصة أن يتحدث عن أشياء أخرى، وأن يكف عن نيل القرابين.

في القسم الأول، والذي منحه الشاعر اسم “ذهب محمد إلى الحقل”، نحو 12 قصيدة، سيطرت على معظمها فكرة الحنين إلى الماضي. ففي قصيدة “الغابة الخضراء الواسعة” تجده يقول:

أريد أن أعود طفلا مرة أخرى / أحب / ويتحطم قلبي الغض / أحلم بالكتابة والثورة / أعرف الفارق بين العدو والصديق / أتخلى عن حكمة الشيوخ / وأعود حيوانا بريا / يجري سعيدا في الغابة.

الشاعر أيضا، يرسل بطله، إلى عالم الكهولة، ليحلم معه بزمن كان فيه قويا، يافعا، قادرا على صنع الكثير. في عالم الكهولة، يندم البطل، على عمره، وعلى قوته التي خارت، وعلى حكمته، التي لم تكن. كما في المقطع السادس، من قصيدة “أنا خائف يا أليس”:

عندما أعود صغيرا / سأعيد قراءة كتاب لم أكمله / وضاع مني / سأتوقف عن مطاردة دود القز وأفراس النبي / سألعب / ألعب حتى تنبري قدماي / أحتفظ بقصائدي الأولى التي مزقتها / أمسح جبهة حماري الذي ضربته / اشتري عينين جيدتين من البائع الذي يلف في الشارع / أبكي أكثر على قطتي حتى تعود من الموت / أهرول كي أنقذ كرتي من السيارة المسرعة / عندما أعود صغيرًا ، لن أصبح كبيرًا.

تناقض مدهش، يحمل في طياته سخرية بالغة، بين عنوان قصيدة “السعادة الحقيقية تجدونها في هذه القصيدة” وبين نصها الذي يبدأ:

لأنني أحبكم / أريدكم أن تموتوا الآن / أريد أن أمشي خلف جنازاتكم / واحدا وراء الآخر.

أبو زيد، يمتلك ناصية لغوية عظيمة، ويعشق التجريب. نراه يلعب بالتراكيب اللغوية، في قصيدة “برج الثور: حب جديد يغزو قلبك”. نراه يكرر اللفظ أو التركيب الذي ينهي به سطره الأول، من كل مقطع في القصيدة، في أول السطر الذي يليه:

حبيبتي خضراء كالغابة / الغابة التي احترقت أمامي منذ قليل ….. حبيبتي حزينة كالآر بي جي / الآر بي جي الذي قتلني في الحرب ….. حبيبتي خالدة كالظلام / الظلام الذي يمتصني ولا أراه

في مقطوعة “أعلق صورتي على الجدران وأكتب تحتها wanted” يكتب الشاعر قطعة أدبية، أقرب في الشاعرية، للشعر، وأقرب في الشكل، للقصة.

“فك رقبة” هي آية في سورة البلد، اتخذت من الحكمة مبلغا. بموجبها، حرر الله ملايين من بني البشر، من الرق والعبودية. الآية جاءت في سياق قوله تعالى، “فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة”، ومعناها أن اجتياز العقبة أو أهوال يوم القيامة، وقيل أيضا أن العقبة هي جبل فى جهنم، لا يكون إلا بالأعمال الصالحة فى الدنيا، وعلى رأسها “فك الرقبة” أى تخليص النفس من الرق.

ولكن لماذا أطلق الشاعر، هذا الاسم على القسم الثاني من الديوان؟. أعتقد أنه أراد أن يعتق، أو يفك رقبة الصورة الشعرية، ويحررها من قيودها، ويطير معها في آفاق خلط التاريخ بالواقع بالخيال. ففي مقطوعة “ليل / داخلي” يمزج أبو زيد مشهدا سينمائيا من فيلم غزل البنات، بالواقع كما يراه هو، فيقول:

في مشهد أخير من غزل البنات يبكي نجيب الريحاني وهو يرتشف: “وعشق الروح مالوش آخر.. لكن عشق الجسد فاني”، ثم يقرر ترك قلبه، وليلى مراد في الميكروباص، ويستقل المترو المتجه إلى المرج، حين يناديه قلبه بعد ذلك، سيعلق عينيه على شماعة الحمام حتى لا يراه.

يخرج الشاعر في هذا القسم أيضا، عن المعدل الطبيعي، لحجم قصائده، فيورد قصائدا متناهية في القصر، مثل “مبررات النسيان”، و”تبدو دائما على أهبة الابتسام.. ثم تبكي، و”لا أريد أن أكرر تحذيري لكم”، وقصائد أخرى طويلة، مثل “لو قلت حبيبتي كالقمر..هل أكون كلاسيكيا؟”.

أبو زيد له رواية، أصدرها منذ عامين، بعنوان “أثر النبي”، لذلك هو يقول في قصيدته الأولى “الشاعر والروائي”، من القسم الثالث والذي منحه اسم “الخوارج”:

العام الماضي كنت روائيا / كنت سعيدًا كبطريق / تناول إفطاره مبكرا / ثم لعب الكرة مع سمكتي “حنكليس في الشارع

قصائد هذا القسم بالذات أراها تجارب ذاتية عاشها الشاعر، في طفولته وصباه وشبابه، يعود ليرويها بعد فترة تأمل، ففي قصيدة “أحمد العسكري”، يروي أبو زيد، بشكل موجز، رؤيته الجديدة لمشاعره تجاه صبي فقد ساقيه في حادث، واستبدلهما بساقين حديديتن. أما في مقطوعة “قصة البلكونات الطائرة”، فيعيد صياغة صورة كان يراها دائما في القرية، وهي مشهد تراص سكان القرية في البلكونات، وكأنها معلقة في الهواء، ويشبه هذا المشهد بقصيدته التي هي الأخرى معلقة، بين الأيديولوجيات.

أكثر أبو زيد في هذا القسم من المقطوعات، وربما هو خروج آخر عن شكل القصائد المألوفة، فيورد مقطوعات بعناوين “شاطر ومشطور وبينهما جثة”، و”لغز الحلم”، فضلا عن “قصة البلكونات الطائرة”.

في قسم “القصائد المرة”، ربما يستعين الشاعر، بفكرة سلسلة الأفلام الأمريكية، التي حملت اسم “فيلم رعب”، و”فيلم تاريخي”، فأتت قصائد أبو زيد بأسماء “القصيدة الخراب”، و”القصيدة السامة”، و”قصيدة رعب”، و”قصيدة أكشن”، و”قصيدة اجتماعية”.

هذا القسم بالتحديد، أراه أفضل أجزاء الديوان، فقد تملكت أبو زيد خلاله، روح الشاعر المبصر، المتملك من أدواته اللغوية والخيالية. يجعلك تتحرك بروحك، وتعبر القارات، بحثا عن منزل باولو كويلو، مثلا في “القصيدة الخراب”، أو حانة إليوت، في “القصيدة السامة”، أو شوارع أفلام آل باتشينو، في “قصيدة أكشن”. تتحرك في الزمن، لنقرأ أشعار الميدوسا، والكوميديا الإلهية، وقصة تاجر البندقية، وتاريخ عصر المماليك.

“عاد لينتقم”. هو عنوان القسم الخامس، من الديوان، وفيه تحدى الشاعر، قصيدة التفعيلة، والقصيدة العمودية. فيكتب قصيدة “صورة القاف على التي شيرت الأزرق”، وهي قصيدة عمودية، من بحر البسيط، يقول فيها أبو زيد:

يا قاف يا قلق يا قاف يا قلقي / قد وافق القوم لكن ويحه ودقي

قلق تدفق في الانفاق مفتقدا / دق النقيق إذا ما ضقت يا طرقي

الشاعر يقيم علاقة حية، مع الأنواع الأدبية، يجعلها هدفا مرة وسخرية مرة أخرى، كل ذلك في نصوص تشعر معها بأن النوع الأدبي كائن حي له لحم ودم.

في قصيدة “من أخبر هذا المقهى أني صعلوك؟”، يعود الشاعر لشكل التفعيلة، ويكسره تماما، في القصيدة الثالثة من هذا الجزء، “نعناعة في فستان عائشة”، فيملأه بالهوامش والمشاهد، والتي تشكل تحديا لشكل القصيدة.

في القسم قبل الأخير، والذي يحمل عنوان “أحفر مقبرتي وأغني”، يقدم الشاعر مجموعة من القصائد، تؤهل قارئه للنهاية، وكأن أبو زيد يقرأ معنا الديوان. فهو يكسر الإيهام والحاجز، بين القارئ والنص، بصورة مذهلة.

وفي القسم الأخير، والمكون من قصيدة واحدة، حملت عنوان “من يدل الكفيف – مرة أخرى – على الطريق يا رب؟”، يجعلك أبو زيد تشعر، بأنها نهاية حياة الشاعر، فهو يمارس هوايته، التي بدأها في ديوانه، بكسر كل الحواجز، وتحدي كل الصعاب، في أنه يجعل من الديوان، وكأنه حياته التي تنتهي بنهاية الديوان.

ـــــــــــــــــــــــــ

نشر في موقع مصر المحروسة

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

صه أيها الموت

محمد العشري

“صهٍ أيها الموت./ ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث/ برائحة البارود والجماجم الطائرة/ بالدم والسل والطاعون/ لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر،/ تعبت”. هذا الكلام الفادح المعترف والمستسلم للتعب يبدأ به الشاعر المصري محمد أبو زيد ديوانه الجديد “مدهامتان” الصادر حديثاً لدى “دار شرقيات” للنشر بالقاهرة، في محاولة ثرية تضيف إلى رصيده الشعري ألقاً وتميزاً واضحين.

في كل من مجموعاته السابقة استطاع الشاعر أن ينحت عالمه الشعري الخاص، ويعبّر عنه بمفردات دالة، تتكئ على بساطة اللغة، وتحليقها المراوغ في فضاء التفاصيل اليومية المعيشة، والعودة بها إلى الذات في مراحل تكوينها الأولى وإكتشافها العالم الخارجي: “أريد أن أعود طفلا مرة أخرى/ أحب،/ ويتحطم قلبي الغض/ أحلم بالكتابة والثورة/ أعرف الفارق بين العدو والصديق/ أتخلى عن حكمة الشيوخ/ وأعود حيوانا بريا/ يجري سعيدا في الغابة”.

يسقي الشاعر ساق القصائد بماء المشاغل اليومية التي تمارسها الذات، وتُراكم في داخلها خبراتها الحياتية يوماً بعد يوم. فهي ترتاد المقاهي، لتقرأ عناوين الأحداث في وجوه الناس. تشتري حاجاتها من الجمعيات التعاونية، تركب الحافلة وتسافر بعيداً، ثم لا تلبث أن تعود إلى ذاتها منسلخة من أثر الواقع: “في اليوم الأول لتركي العمل/ لم يستطع هاتفي تحمّل كم الاتصالات/ فسقط على الأرض يلهث”. فواصل زمنية تشتت الذات المشردة في البحث عن أناها، وهي تسعى للإمساك بخطوط العمر، الذي يتركها ويرحل مسرعاً كقطار هارب، ويترك تلك الذات عنواناً للذكرى والأسى: “مع الأيام/ أتحول لصورة معلقة على الحائط/ لا أهش على غنمي/ ولا التراب من على حواجبي/ تتغذى ذاكرتي على النسيان/ تسقط اللقمة من فمي/ أنسى أين تركت/ عينيّ/ وانصرفت باكيا”.

للقارئ أن يشاهد صور القصائد، بهياكلها المكسوة باللحم الحي، وإنسانيتها العذبة تمر في شرايينها بما يضخه محمد أبو زيد من صور وأخيلة، تمثل فواصل جوهرية في التعرف إلى الروح الإنسانية، وما يشظّيها في مجتمعها الضيق. تدرك الذات أسباب سعادتها، فتمد أصابعها وتلمس جدار الحقيقية: “لأنني أحبكم/ أريدكم أن تموتوا الآن/ أريد أن أمشي خلف جنازاتكم/ واحدا وراء الآخر/ كإله إغريقي يدفن نصفه البشري في رضا”. سرعان ما تقع الذات في جب سحيق، حين تكتشف الوجه الآخر: “لا أعرف شيئا  اسمه الحب/ أعرف النصال الغائرة والخيانة/ أعرف القسوة والصدور المثقوبة/ بريح صرصر عاتية/ أعرف الرصاص الذي حوّل جثتي لمصفاة/ جثتي الملقاة أمام غابة مطفأة”.

يعرف محمد أبو زيد كيف يمسك بأطراف أوجاع قديمة، ويعريها في العراء، ليصطاد منها أشياءً مهملة في تاريخ الشعر، برغم أنها نخرت في أجساد المصريين فترة من الزمن، ولا يزال الريفيون يعانون منها أو يتذكرونها بما تركته من آثار وآلام جسيمة، قضت على الكثيرين الذين كانوا يجلبون رزقهم بالخوض في الوحل والماء العكر، فأصابهم مرض البلهارسيا الفتاك: “قتلتني البلهارسيا/ فبعت في السوق ذراعي الأخرى/ ونسيت الكتابة/ توقفت عن إشعال الشموع للعذراء/ وقيام الليل/ والاحتفال بعيد الفلاح/ وأنا أعدو عائدا من المقابر”.

اللافت أن هناك وجها نسائيا يَعبُر مع محمد أبو زيد دواوينه. تلك هي ميرفت عبد العزيز التي أصبحت حالة مستمرة ترتدي قصائد الشاعر، وتدلف معه من مجموعة إلى مجموعة، وها هو يترك ذاته تناجي الطيف الأنثوي العابر في حياته، والمستقر في مخيلته ولا يستطيع الفكاك منه: “سواء قرأت ميرفت عبد العزيز/ هذه القصيدة/ أم لم تقرأها/ ها أنا ذا أجدد الكتابة/ مثل عجوز يسلي وحدته/ باصطياد طائرات الأطفال الورقية”.

في لمحة ذكية يطير خبرً عن روايته الوحيدة “اثر النبي” لدى الناشر نفسه، في مراوحة ما بين الشاعر والروائي. ففيما يبدو الروائي سعيداً وهو يكتب روايته، يظهر الشاعر حزيناً في الإمساك بقصائده: “العام الماضي كنت روائيا/ كنت سعيدا كبطريق/ تناول إفطاره مبكرا/ ثم لعب الكرة مع سمكتي “حنكليس” في الشارع/ الآن أنا شاعر/ والشاعر حزين بطبعه/ حزين وهو يرى الأسطر تتساقط/ تحت سواد قلمه/ مثل حفار قبور”.

ــــــــــــــــــــ

نشر في جريدة النهار اللبنانية

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

الموت يحلق فوق قصائد محمد أبو زيد

مجدي عبد الرحيم

محمد أبو زيد من الاصوات الشعرية ذات الملمح الخاص والتجربة الثرية، يرهق نفسه كثيرا لكتابة نصوص مختلفة عما هو سائد ويقدم رؤية لا تستطيع الوصول لمكنونها بسهولة لما يملكه من لغة ومفردات وآليات جمالية سواء على مستوى الرمز والشكل والمضمون والتجديد والتجريب، يغوص بسخرية مريرة فى أعماق النفس البشرية بكل تقلباتها واحزانها عبرمشروعة الابداعى المتصل بداية من ديوان ثقب فى الهواء بطول قامتى، مروراً باعماله قوم جلوس حولهم ماء، نعناعة مريم، مديح الغابة، طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء، رواية أثر النبى .

وفى ديوانه الصادرحديثا عن دارشرقيات بعنوان ” مدهاماتان “، وهى الآيه رفم 64 من سورة الرحمن فى القرآن الكريم  ومعناها اى خضراوان من الرى ، وقاله ابن عباس وغيره، وقال مجاهد مسودتان فى اللغة السواد ، والعرب تقول لكل اخضر أسود وسميت قرى العراق سوداء لكثرة خضرتها، وهكذا يضعنا ابوزيد على عتابات النصوص بين السواد وحيرة التلقى والابحار فى التيه، لا يوجد اهداء فى البداية  ولكن يوجد مفتتح ومدخل للديوان، يقول :  صه أيها الموت /ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث/برائحة البارود والجماجم الطائرة/بالدم والسل والطاعون/لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر/تعبت.

قصيدة بلا عنوان  تحمل زفرة آلم ووجع ورسالة الى الموت المخاطب كثيرا فى الديوان، ويقول: أريدك فقط أن تمهلنى قليلا /لأنهى هذه النار المسكوبة في جوفي

صورة جيدة  يترجى الموت الإنتظارقليلاً لا من اجل الحياة لكن لينهى النارالتى لو تركت مشتعلة لمات كما اراد ، ويقول: إيه أيها الموت/ أنا جاهز تماما / /هل يمكنني أن أستريح ؟ ختام جيد للقصيدة واستكمالا للصورة هو الان جاهز لراحة الموت التى ربما وجد فيها الخلاص والذات الشاعر هنا فى حيرة شديدة وأختيار صعب فهى تفضل الموت على حياة جرداء لا خير فيها .

الديوان مقسم الى سبعة اقسام :ذهب محمد إلى الحقل، فك رقبة، الخوارخ، القصائد المُرَة، عاد لينتقم، أحفر مقبرتى وأغنى، القصيدة الأخيرة، ويحتوى على 58 قصيدة تتراوح مابين الطول والقصر، التقسيمات افادت النصوص، لكن ذلك لا يتضح من القراءة الاولى، فالشاعر يضعك دائما داخل الحالة يعيشها معك بتفاصيلها التى تجذبك وتحيرك وتشغل عقلك فهولا يخدعك ولا يزيف الواقع بل يقدم صورة صادمة وكاشفة وفاضحة للواقع المرير.

فى قصيدة “الغابة الخضراء الواسعة”ً اختزلت المعانى فى عبارات قصيرة تلغرافية افصحت فى بساطة رائعة وبغير تكلف، منها قوله: وأعود حيوانا بريا/ يجري سعيدا في الغابة،ويقول: لأطلقت سراحكم جميعا/ فى الحقول الخضراء،  يصورنا مساجين فى الحياة رغم اننا طلقاء، وفى قصيدة”مالا أريد قوله” لم أولد وفى فمى ملعقة من ذهب أو صفيح/لم أولد وفى فمى ملعقة من الاصل / لاننى بلا فم يا إخوتى، قصيدة توحى بالكثيرمكثفة ومختزلة تكاد تفضح عالمنا وواقعنا بما اوحت إليه ولم تصرح به، وف قصيدة” أرص الصور بجوار بعضها فتكتمل الحياة” أجلس فى ركن المقهى/ينير الناذل عيونى الزجاجية/ يغير القهوة التى بردت/ أعد البناطيل المارة..والايام المرة،تجد تحير المتلقى ماذا ينتظر هل الموت الذى اكد عليه فى نهاية القصيدة، ام عمره الضائع ام حبيب غائب ام مفقود اخر، وفى قصيدة” ولد يتثاءب وينظر من الحافلة” ما شدنى نهايتها كأنها الحكمة والسخرية ، ما أمتع أن تجلس في الحياة / بلا رفيق معك، وفى قصيدة” أف .. المصعد متعطل كالعادة” محملة بالخبرة بالكتابة لشاعر يمتلك الرؤية والتصويريقول: سكان الادوار الاخيرة فى ناطحات السحاب/ يدعون الشمس كل يوم لتناول الإفطار/ وفي الليل يضيئون شموسا صغيرة، المفترض فى الليل يضيئون قمروليست شموس ، لكنهم اغنياء يستطيعون فعل كل شئ، ويقول:البعض يفضلون أدوار المنتصف/ القريبة من كل شئ/يضيعون أعمارهم على السلم ،يخططون لشراء مقابر مناسبة/ يقيدون

الزمن فى مقبض الباب / يربتون على كتفه كببغاء أخرس، وليست هذه السخرية التى تغلف القصيدة مجرد سخرية الواقع بل هى تقليب لما بداخل الشاعرالإنسان فى آن واحد فهو لم  يفقد الآمل فى تحقيق حلمه البسيط الذى يكمن فى سنين قادمة تحتويه لأنه يتعامل بوعى يرى النور فى الظلام رغم هذه المتاعب التى يمر بها ليل نهار، وفى قصيدة” وحدي في المنزل” يقول: في اليوم الأول لتركي العمل /لم يستطع هاتفي تحمل كم الاتصالات /فسقط على الأرض يلهث/بعدها بأيام/ كان النوم يصاحب هاتفي قليلا/ وعندما توقظه مكالمة/ يحاول إطالتها بقدر الإمكان/ الآن/ يضع يده على خده/ ينظر إلىّ وأنا أكتب القصيدة، يمكن ان يطلق عليها قصيدة الديوان رغم قصرها الا انها قالت الكثير والكثير، قصيدة محملة بالمعانى والتجارب الحياتية الزائفة التى يغلب عليها المصالح،وتقدم رؤيا كاشفه فاحصه بعين خبيرة ، تمتلك ابعاد إنسانية لقضايا وتحولات البشر ، وتجيد ايضا تعرية الواقع وتجريدة من الزيف ، رؤية لاتهوى أنصاف الحلول واللعب بالألوان ، وفى قصيدة” أعلق صورتي على الجدران وأكتب تحتها  wanted”يقول: الشعرالنصيحة/ وأنا أنصحكم أن تنسونى/ أن تنسوا وجهي وابتسامتي ولون ظلى/  قصيدة دائرية ما تكاد تنتهى منها لتعود لبداية النص، حوت اشياء كثيرة رغم البساطة البادية على وجه القصيدة الا انها عميقة ومعبرة ، وهكذا ينجح ابو زيد فى تثكيف ظاهرة الأغتراب داخل الوطن فتبدو عناصره الفنية متآلقة،كما نجح فى المزاوجة بين المعنوى والحسى فى تجربة شعرية متماسكة ،فهو يملك من الأدوات ما يمهد له سبيل الإجادة والتميز والتحليق فى مملكة الشعر ويختزل المشاعر فى عبارات بلاغية وفى كلمات مكثفة ذات لغة لها الكثير من المعانى والدلالات ، وفى قصيدة”أنا خائف يا أليس يقول: “أضع يدي فوق جبهتي/وأنظر من أعلى للعمر الذي ترك يدي /وهرول بعيدا/ أبحث عن ولد كان يسير هنا أمامى واختفى/ كنت أرعاه بألوان عينى / أبحث عنه فى الكتاب المصفر/ أحاصر روحه/ بخطوط يدى الباهتة،يضعنا الشاعر امام مأزق انسانى نبيل فكلنا هذا الباحث،على الرغم من سيطرة الحزن والحسرة على كل ما هو جميل ، فالشاعريحدد هذا الجميل فى صور متتابعة تبدأ بلحظة جوهرية متميزة تلغى من النص أية زيادات أو تفاصيل لا تحتاجها القصيدة ثم يبدأ بتتابع المشهد الشعرى ويرصد فيه صورا شعرية تصور هذه اللحظات الجوهرية ويعنى هذا تركيز الشاعرعلى عدة مفاتيح أختارها بعناية مما يجعل لمدخل النص أهمية قصوى فى تفهم خطابة الشعرى المركز ، وفى قصيدة” السعادة الحقيقية  تجدونها في هذه القصيدة ” يقول:لأنني أحبكم /أريدكم  أن تموتوا الآن/ أريد ان أمشي خلف جنازاتكم /واحدا وراء الآخر، قصيدة حالة ،والعنوان معبر ودال وهى صورة صادمة تقف امامها فى حيرة شديدة ودهشه ، إن لم تستطيع أن تتفاعل وتتعاطف معها بقوة ، فهى تقف على مقربة منك تكاد أن تتماس مع ما تحياه ، ولاتستطيع الفكاك منها بسهوله. وفى قصيدة”برج الثور: حب جديد يغزو قلبك” حبيبتي خضراء كالغابة/الغابة التي احترقت أمامي منذ قليل/كنت مختبئا في العناية المركزة/والجلوكوز يتدفق إلى الأشجار/كنت نائما فوق سحابة/ ودموعي تملأ البحر بالملح والصدف/كنت يوما غابة /وكانت حبيبتي خضراء، وهو تكرار يفيد المعنى ويثريه، وتأتى المقاطع الخمسة: حبيبتى حزينة كالآربى جى، حبيبتى جميلة كديناصور، حبيبتى خالدة كالظلام ،ويختتم القصيدة : لم أقل الحقيقة/ ليس لى حبيبة زرقاء/ ولا نهر مستأنس/ ليس فى جيبى مصباح/ ولا قلتى ممتلئة على النافذة، هكذا يرسم ابوزيد خطة للقصيدة بطريقة لا تجعلها واضحة المعالم للقارئ منذ البداية، ثم يختار الأسم الذى كان موفقا ، ولأن النص الشعرى هنا مشهد  متعدد الوجوه رغم الأنفعالية الحادة بعض الشئ المسيطرة على لغة النص الشعرى ألا إنها لغة جذابة تدخل إلى القلب فى بساطة آسرة ، وفى قصيدة ” أتنهد هكذا” يقول :أنا القط الذي انقرض/أنا الموسيقى الهاربة من البيانو/أنا غابات الزيزفون التي يكرهها النقاد/أنا .. أنا/وأنت .. أنت، تقدم القصيدة للوجود والمصير وهى تنضج بالشجن الجميل والأسى النبيل والشاعر يجاهد نفسه طويلا وهو محاصر بوعود كاذبة وعيون لا ترى الحق وزمن يقتل الأشياء الجميلة من حوله، وفى مقطع اخر يقول:الموسيقى التي ظللت أسمعها لأعوام /كانت تنساب من الجدار/ تشبه عينيك، نختبئ في رسائل البوسطجي/ تنام دموعنا بين السطور، هكذا تمضى القصيدة عبر حاله من الحزن المغلف بالضياع فالكل قد تجمع ضده ، وقد اجاد الشاعر فى تكرار مقطع أو عبارة ” أنا.. أنا وأنت ..أنت” فقد أعطى بعدا موسيقيا تلتقطه الأذان والقلوب معا ، وفى قصيدة”حبيبتي نظيفة وجميلة ومتطورة” الدرس الذي تعلمته من القتلة / الجريمة لا تفيد/ الدرس الذي تعلمته من القتلة/ كن قاسيا بلا قلب/ لا تدعهم يكتشفون أنك شاعر/ وأن قلبك طفل يلهو فى المولد أمام أمه/ وفى الختام يقول: الدرس الذى تعلمته من القتلة/ لا تترك وراءك أثرا/ ولا قلوبا محبة، رغم قسونها لم استطع ان اكرهها وشدتنى سطور الختام وهى قصيدة مكثفة ذات أبعاد صيغت بحرفية فنية عالية  ، واستطاعت أن تصيب الهدف بأقل الكلمات وبدون صخب أو إفتعال ، وفى قصيدة”أحمد العسكري” يرفعه المعلم منزوع القلب /ليضربه على قدميه/ أحمد عبد الحفيظ العسكرى/ الذى يجيد رسم نظرة المسكنة/ يخلع ساقيه الحديديتين/ساقا وراء الأخرى/ وعيناه تتساءلان عن الرحمة/ في حصة المدرس الكفيف/ نضع أيدينا فوق أقدامه/حتى لا تجرجرنا نظراته/ من قلوبنا الصغيرة إلى النار، قصيدة حاله وتذكر لاحداث ربما تركت اثرا فى النفوس ورغم مرارتها تجعلك تشعر بالقوة فى عزالضعف،  وفى قصيدة “شاطر ومشطور وبينهما جثة ” قصيدة جيدة كنت افضل ان تسمى(أريد أن أبكي يا أمي؟) يقول فى عدة مقاطع : كنت طفلا، ألون السماء بالأزرق فيصحو الجو، بالرمادي فتمطر، بالأحمر فتحتلين قلبي، بالأسود فتموت أمي، قلت لأمي: المدينة غيرتني ولم أعد أنا، فلا أنا القروى الساذج، ولا هذه طريقتي في  البكاء، قلت لأمي وحبيبتي: قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل وشاعر بلا اسم ، المنزل احترق وكنت في الناحية الأخرى أنفخ حتى ينطفئ فيزداد اشتعالا ، قلت لأمي حين مررت من أمامي لم أكن هنا ، لم أكن أنا، قلت لأمي حين أموت لا أريد أن يمشي في جنازتي شعراء ولا نقاد ولا باعة صحف، قلت لأمي أريد أن أموت يا أمي، الكلمات والعبارات غير مجانية ولها مدلول، والشاعر مهموم بقضايا الانسان بوجه عام يشغله وجوده وتفاعله مع الكون وعلاقته بمن حوله ، يبحث عن جوهر الاشياء  يغوص فى الاعماق لنرى خفايا النفس البشرية، وفى قصيدة ” لم أخطط لهذا طوال عمري” لا قلب لي  /أتخلص منه مبكرا وأواصل حياتي /القلوب البديلة ملقاة على قارعة الطرق/ كباعة البطاطا/لكنني أفضل الانصراف مبكرا/في شارع نصف مظلم/إلى بيت وحيد /آخر الدنيا /أتناول عشائى مع قطتي في طبق واحد، وفى مقطع اخر: التي قالت لي: أنت أخي، ميتة الآن/التي قلت لها: أنت أختي، تركتني ميتا/التي لم نلتق كثيرا ،صارت جميلة كالظلام/التي تبادلت معها الصمت/ لونت معها كفني/التي أخذت البيعة من دمي/نائمة الآن على البحر/وأنا جثة ممددة على الشاطئ الآخر، هكذا للحياة وجهان الحزن والفرح والذات الشاعرة هنا تقابلك كثيرا مع الاحزان ، ورغم ان الموت يحوم دائما حول قصائد الديوان الا ان تعامل الشاعر مع الاحداث يجعلك تبتسم اوتضحك ربما من فرط السخرية والاحساس بالالم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في جريدة القاهرة

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة: