RSS

Category Archives: مقدمة في الغياب

محمد أبو زيد.. اللاأحد في صرخة المغادرة

safar2

عبد الله السفر

في علم النفس الوجودي، ثمة مفهوم عن “انحلال حدود الذات” بمعنى الشك في الوجود الشخصي والتعيّن في العالم على نحوٍ محدّد ماثل يمتلك المعنى والجدوى والعلاقة مع مفردات هذا العالم بكيفيّة إنسانية تزهر في الاتصال وتخلع طابعاً قارّاً من الانسجام والمساحة المشتركة. بهذه الخلفية يمكن لنا قراءة الشاعر محمد أبو زيد في إصداره الأخير “مقدمة في الغياب” (دار شرقيات، القاهرة – ٢٠١٤) الذي يتبدّى نصّاً واحداً وإن جاء في أربعة أقسام وفي عشرات النصوص بوصفها زوايا ومنظورات تحفر في الاتجاه نفسه بملمح تكراري تراكمي – لا يتخلّى عن صبغته الجماليّة – يشي بالمأزق الوجودي الذي ينخرُ في بناء الذات ويصدّعُها إلى أشطارٍ لا تلتئم؛ محض نثارٍ يأتي متخفّفاً عن العالم ومنزاحاً عنه إلى هاويته التي لا يبصر غيرها؛ تطلبه ويسعى إليها.

الانسحاب من الحياة والانسلاخ من صورة لا تدلّ عليه ولا تعبّر عنه. ما يراه الآخرون ليس هو ولا تلك الصفحة المشرقة. كائن خرِب بغطاء برّاق صنعتْهُ عينٌ خارجيّة لا تخصّهُ ويبرأ منها، وقد آنَ له أن يخرج من حفلة الضجيج وأن يرمي بالقشرة الملتمعةِ بزيفِها. خلخلةُ الجسد وانفراطُ معناه. جسدٌ لا يصلح للحياة ولا تصحُّ معه معاشرة وأحرى به الانصراف عن المشهد: “لو دقّقتم أكثر/ لشاهدتم مستعمرةَ الجذام فوق وجنتيّ/ قلبي الذي يعجبكم تفانيه في حبّكم/ اشتريته من بائعٍ متجوّل/ يدي التي تصافحكم بحرارة/ انظروا../ إنها من البلاستيك/ وجدتُها في القمامة/ أصابعي التي تلوّح لكم/ قضبان زنزانة/ وضحكتي التي تجامل نكاتكم التافهة/ شريط كاسيت مسجّل).

الجسد هو ما يثقل على الذات ويجعلها منسحقةً تحته. الحضور البائس الفارغ يلطّخُهُ الحزن وتفدحُ به الغربة؛ مهمازٌ مسنون ينخسُ ويحثُّ على التعجّل بتفكيك هذا الجسد وجعله أشلاء تذهب في الأرض ويستحيل تجميعها بما يعني تشييد الغياب على قنطرة الجسد؛ الامّحاء الكامل الخالص؛ التذرير الذي يوجب النهاية، ويحلّ العبء الذي يعمل مثل مطرقةٍ تثبّتُ الذات إلى جدار عذابها وشاهدها الناغل بالذكريات تلك المطحنة التي تقول كم هو غريبٌ وتالف. لا يسندُهُ ماضٍ ولا يهشّ له مستقبل. وجودٌ غَفْلٌ يحدُّهُ الجسد ويتقفّصُ عليه؛ ينتظر صيحة الخروج وفكّ الأسْر. يتحيّن الضربةَ الماكرة المشتهاة وهي تنزل تشطره وتلاشيه وتعلن غيابه؛ معافاته من عالم الاضطرار والقيد؛ عالم الصور الثابتة المتكررة التي هي في المحصلة “لا شيء” ومن العبث الانجرار إلى دائرة إنتاجها. فليبطلْ هذا الجسد ولينلْ الضربة: “بعد خمس دقائق سأتشقّق. لن أنتبه وأنا أسير إلى السيف الذي يقسمني نصفين مثل تفاحة، لن ينتبه أحد إلى نصف جسدي الذي ركب القطار وغادر، ونصفي الآخر الذي لا يزال ينتظر في محطة الباص./ …/ عيني سأتركها تبكي هذه المرّة كما كانت تريد، تنزف ما تبقّى مني، قد أمنحها لطفلٍ يريد أن يكمل مجموعته من البِلي، أو أسند بها كوكباً كاد أن يتهاوى. عيني الأخرى سيقول الباعة أنها مستعملة ولا تصلح إلا طعاماً للسناجب./ قدمي اليمنى ستسير إلى ما لا نهاية علّها تعود بالحقيقة الغامضة، أمّا اليسرى سأتركها لبائعٍ يريد أن يسند بها مظلة خضرواته الكسيحة”.

مخلوقُ التعاسة؛ ربيبُ الكوابيس؛ الدائخُ المعلّق في مروحة الندم.. يتخلّصُ من إهابه ويفرُغُ من حياته؛ الشبهة التي أفسدت ما فات وتتربّصُ بما يلي. ينهضُ معانقاً هباءَهُ حاتّاً أثرَهُ وكلَّ متعلقاتٍ تشير إليه. هو الذي بلا وجود. اللاأحد متجسداً في صرخة المغادرة؛ نافراً من اللاشيئية؛ نافذاً وذائباً في العدم: “أرفعُ صوتي/ وسطَ ملايين الآذان/ وأطلقُ صرخة../ صرخةً واحدةً طويلة../ لا تنتهي// أنا../ لا أحد”.

……………………

*نشر في صحيفة الوطن

Advertisements
 
 

الأوسمة:

مقدمة في الغياب‮:‬ تمارين ‮ ‬لمقابلة الموت

05122014065606

ياسمين مجدي

الكتابة بوصفها وصية أو سجل يخلد الشاعر فيه نفسه..هي أحد أغراض الكتابة.. لكنها تبقي مجرد محاولة للبقاء.. في رحلة يبدو الرحيل فيها هو الجزء الأقوي والأكثر تأثيرا. يمكن للكتابة كذلك أن تكون تجربة لمقابلة الموت في عدد من النصوص الشعرية بديوان الشاعر المصري محمد أبو زيد “مقدمة في الغياب” الصادر هذا العام عن دار شرقيات.

يأخذك ديوان “مقدمة في الغياب” بإهدائه “إلي جدتي”، إلي منطقة مملوءة بالحنين والدفء العائلي ولحظات الزخم والونس الذي يقاوم كل ما يسير به الزمن من وحدة ومسئوليات. يركض الزمن لدرجة أنك حين تقلب الصفحة تكون كهلاً وقد وصلت للحافة، حيث نص ” كهل علي الحافة”.

ذكريات زمنية ومكانية

الرحلة لدي محمد أبو زيد.. هي معني مزدوج.. الأول هو الرحلة في الزمن..والتي يكون هاجسها طوال الوقت الموت.. الرحلة الثانية هي الرحلة في المكان بسفره خارج مصر.. ويكون هاجسها الذكريات. باجتماع الرحلتان في الديوان، نجد أنفسنا أمام كم هائل من الذكريات في مواجهة الموت..تركيبة غاية في التضاد..حيث الذكريات التي تمثل الحياة في مواجهة الموت. تتكرر علاقات التضاد الشديدة، لنجد “حي شعبي في مدينة طاردة للسكان”.. كيف يكون الحي الشعبي بكل ما يتسم به من دفء في مدينة باردة كارهة للناس.. هو بالتأكيد حي شعبي به “أصوات باعة الخضار…. تشبه صوت البكاءين”.

من وحي فكرة التضاد نجد الشاعر لا يلجأ للحنين بل بالعكس يوغل في الكتابة عن البعد.. سواء البعد عن الوطن بحديثه عن جماليات في الغربة، أو بالبعد عن الحياة بمرافقة الموت. يبدو الديوان كأنه ديوان المراوغة.. ديوان يقاوم الاستسلام للحنين ويقاوم الارتباط بالمكان، فيقول الشاعر أنه رفض إدخال قطة إلي شقته حتي لا يصنع ذكريات.

أبطال النصوص في الغالب مفردات أو أشياء، لكن البطل الإنساني غير واضح غالبا. وبملاحظة ذلك يبدو المعني الذي يمنح قيمة الأشياء غير موجود، الأشياء والكائنات متراصة وفي أماكنها لكن شيئًا يغيب، مثل يد الشاعر التي تكتب القصيدة ولا يجدها، مثل علب العصير الموجودة في الثلاجة إلي جوار بعضها البعض لكنها لا تحس شيئا تجاه بعضها. المفقود هنا هو البطل الإنساني، لأن كل الأشياء الحاضرة هي الأشياء الهامشية، لكن حضورها أقوي لإحساس الشاعر دائمًا بالموت أو الغياب. وعبر تلك الأشياء يمارس جنونه، ويبتكر علاقات غير مألوفة “في سفينة تشق البحر/ أضع إصبعي في عين حوت”.

العالم في المواجهة يلح بمفردات تشعل الحنين، فيكتب الشاعر كيف أن أصوات الطيارات تتحول مع الوقت إلي منبه يذَكِّره بصوت القطار في قريته ثم صوت وابور الطحين. هل يجب دائمًا أن نغيب لكي نستعيد الأشياء. الهوية والنافذة ومفردات كثيرة يستخدمها الشاعر محمد أبو زيد للتأكيد علي الحالة:

يبدو ديوان “مقدمة في الغياب” مثل محاولات وتمارين لمقابلة الموت.. هل الحديث عن الأشياء بكثرة يبطل الخوف منها.. يجعلها حقيقة واقعة نتقبلها.. يبدو الموت لدي محمد أبوزيد أنه الأصل في مواجهه بضعة أحداث يمكن تسميتها “الحياة”.. يعترف “أنا ميت”. ويُعطي تصورات  متعددة حول تجربة مقابلته للموت. يصبح الموت الرفيق الأقوي علي مدار الصفحات. تظهر بذلك الحياة بوصفها مجرد مقدمة للمتن الذي هو الغياب. كأن رحلة الحياة هي رحلة في أساسها لمقابلة الموت “كان بداخلي طفل””أريد أن ….أخرج/ تاركا كل شيء خلفي/ كما رأيته أول مرة”. ماذا لو كان في إمكان الشعراء كتابة وصية عامة في ديوان، كما يذكر أبو زيد: “بمجرد عبورهم من أمام قبري/ لا يبقي في ذهنهم/ سوي هذه القصيدة/ التي أحاول أن أحشر فيها خلودي/ قدر الإمكان”.

بالنسبة لزمن الفعل في النصوص، فيكون الفعل الماضي هو المستخدم في الحديث عن الموت.. قد يريد الكاتب بذلك الاعتراف بأن الموت حاضر منذ البدء، وأن الرحيل هو التجربة القديمة الثابتة. علي الناحية الأخري نجد الفعل المضارع في النصوص التي تتحدث عن مفردات العالم وعن محاولة الشاعر طوال الوقت لتغيير العالم ورقيًا وابتكار علاقات جنونية بين مفرداته، كأن الشاعر بالفعل المضارع يقول للقارئ كن موجودًا بينما أحاول تغيير العالم ورقيًا.

الحس الساخر حاضر في النصوص ، حتي التي تتحدث عن العنف وتشويه العالم، ولا يخلو الأمر من رسائل يوجهها الشاعر لأشخاص بأسمائهم، نساء ورجالا.

يبقي أن الذين يسافرون يتركون أشياء وراءهم: “كجارتي اليونانية التي سافرت ولم تعد/ تاركة حبات الفيشار ترقص من يومها علي النار/ دون أن توقف الموسيقي”. وكل الذين يشهدون سفر الأخرين، يكبرون، تمضي بهم الأيام ،تغيروا وتغيرت سماتهم وقست قلوبهم: “سرنا وراء الجنازات وقست قلوبنا”، “كما أن الطريق إلي المدرسة تغير كثيرًا، أكثر منا”. لذا سيبدو الموت هو الرفيق للذكريات الماضية ولذكريات قادمة في نصوص محمد أبو زيد.

 
أضف تعليق

Posted by في 7 ديسمبر 2014 in مقدمة في الغياب

 

الأوسمة:

الغريب الذي ينتظر نهاية العالم!

Bassem_Lodeveباسم المرعبي*

عبر ديوان “مقدمة في الغياب” ـ دار شرقيات 2014، يبدو نص الشاعر المصري محمد أبو زيد قابلاً لأكثر من توصيف سواء ما يتعلق بتصنيف هذا النص وردّه الى مدرسة أواتجاه ما، أو بمصادره من ناحية أو طبيعة ما ينطق به من ناحية ثانية. فهو يتنوّع بتنوّع الثيمات التي ينطوي عليها وإن بدا “أرق” الشاعر واحداً، أي الهاجس والدافع لكتابة نصه وما يستند إليه من رؤية أو موقف ازاء الذات والعالم، وهو ما جعله محتدماً في كتابته، حدّ الاتقاد، إذ ليست الكتابة طريقة للعبث بقدر ما هي تعريض بعبث العالم واختلاله ولهذا اتّسم الديوان، عموماً، بالقتامة والسوداوية، والغضب في ذات الوقت.فقاموس الشاعر يزدحم بمفردات وظلال من مثل، الموت، الاغتراب، النهاية، القسوة، الوحدة، الخسارة. لكن ذلك يجيء ممتزجاً بروح السخرية والمفارقة. من هنا بدا النص مليئاً ولافتاً وهو ما يشير بقوة، أولاً، إلى أن لدى الشاعر ما يقوله والأمر الثاني، وهو الأهم، اشتغاله على أسلوبية أو طريقة قول تحاول أن تكون جديدة، متحوّلة ومتماهية مع ما تحمله من مدلولات وبالتالي جاذبة للقارىء، وهو أمر يخص صلب الكتابة وماهيتها فما هذه، بالمحصّلة، إلا الأسلوب إذا ما سلّمنا بالرأي النقدي “اليائس” الذي يفيد بأن كلّ شيء قد قيل حدّ استنفاد المعاني.

وانسجاماً مع وعي الشاعر بضرورة خلق هوية دالة عليه، وهو ما تمكن من تحقيقه لينجح، تالياً، في الإمساك بالقارىء وإشراكه معه في ارتياد عوالمه التي أقامها بالرصد والمفارقة والحزن والألم والهجاء، حتى بدا الشاعر محترفاً في إنهاض قصيدته من ركام عالم لا يتوانى عن نقده وانتظار نهايته. هذه الثيمة الأخيرة التي هي في صلب ديوان”مقدمة في الغياب”، منوّعاً ومضيئاً عليها في أكثر من موضع من قصائده وعبر أكثر من حركة  وصورة، ليلوّح بمشاهد قيامية تقع في النص بوصفها انتقاماً أو خلاصاً:

“عندما يهوي النيزك/الذي سيدمر الأرض،/ الذي ينتظره العلماء منذ سنوات/الذي يقول للمنجمين:/ ـ كم كنتم صادقين/ النيزك الذي سينهي الخلاف/ بين امرأة وحماتها/ على رائحة البصل في المطبخ/ الذي سيريح عاشقاً خذلته حبيبته/ الذي سيحل أزمة أب/ لا يستطيع دفع ثمن حذاء طفلته/ الذي سيضع حداً لأسرى الحرب/ وموتى المجاعات وأطفال الشوارع/ والقصائد السخيفة”. قصيدة: أعتذر للأطفال فقط، أما أنتم.. 78. لكن بالمقابل وبحس المفارقة الآنف الكلام عنه يكتب عن “اللحظة” ذاتها:

في موقف الباص/ انتظرتُ نهاية العالم. 76

في الوقت الذي يناور في موضع آخر على التسمية:

حتى وصلت إلى نهاية العالم/ بدا مثل سور قصير أملس/ يدفعني كأنني كرة مضرب/ خلفه هوّة بلا نهاية.

فهو هنا يستخدم “نهاية” العالم بالمعنى المكاني لكنه في القصيدة  ذاتها

لا يلبث أن يعود إلى لازمته القيامية بالمعنى الزماني، اليوم الأخير للعالم:

 أفكر في رد على “نهاية العالم”:

لماذا تأخرت؟ 32

نهاية العالم، هنا، هاجس صميمي  لدى الشاعر، هاجس يتردّد في العديد من القصائد، كما أشرنا، حتى أن هناك قصيدة تحمل عنوان: “قصيدة تنتظر نهاية العالم”، وهو ما يشير إلى الانشغال بما يؤرق إنسان عالمنا ويستنزفه لهذا تحفل قصيدته بالتفاصيل، مثلما تحفل بالعناوين الكبيرة، وهي قصيدة واقعية، من مناح كثيرة، يومية في بعض ملامحها، وإن خالطتها هواجس ونزعات غرائبية كثيرة مما يمكن إدراجه ضمن المنحى السريالي من خلال أمثلة عديدة في الديوان، كما في نص “محاولة لتقديم خدمة إنسانية جليلة”، على سبيل المثال: “بعد خمس دقائق سأتشقق. لن أنتبه وأنا أسير إلى السيف الذي يقسمني نصفين مثل تفاحة، لن ينتبه أحد إلى نصف جسدي الذي ركب القطار وغادر، ونصفي الآخر الذي لا يزال ينتظر في محطة الباص. يدي التي تسير في الشارع ستربّت على رؤوس اليتامى، تمسح زجاج نظارات كبار السن، تسند سلماً كاد أن يسقط، توقف التاكسي لقط تائه يريد العودة الى المنزل”. 72

قد يذكّر النص الآنف، لناحية التفصيل في الجسد والتسميات، بنص الشاعر الروسي “دانييل خارمس” واسمه الحقيقي “دانييل يوفاتشيف” المولود العام 1905 الذي اتهم بالعبثية في الكتابة ليقضي جوعاً في سجون ستالين العام 1942. والنص المذكور بعنوان: الدفتر الأزرق رقم عشرة:  ومطلعه: “عاش رجل أشقر، لم تكن لديه عين و لا اذن. ولم يكن لديه شعر، ولذلك فان تسميته بالأشقر كانت افتراضياً. وكان عاجزاً عن الكلام، فلم يكن لديه فم، ولم يكن أنف لديه كذلك….”. واذا ما كان نص خارمس هذا قد أُدرج تحت ما هو معروف بالاتجاه الدادائي، إلا أنّه بالمقابل لا مجانية في ما يذهب اليه محمد أبو زيد في كتابته مهما تعدّد لديه القول أو أساليب توصيل هذا القول، ومهما بدت عليه أو تلوّنت به جملته، إذ إن الشاعر ازاء مهمة قاسية تجعل “الدموع تحفر نفقاً… (حتى) تصل العظام” 86. فهو يطفو وحيداً في سِفر مصنوعة مادته من الغربة والوحدة والخوف والذكريات، حدّ أنه لا يتوانى عن التصريح، على الرغم من المفارقة في الأداء التالي: “أدس رسائل تحت عقب باب منزلي وأقرؤها حين أعود”. 26

من هنا فإنّ ديوان “مقدمة في الغياب” عمل يخوض في راهنية إنسان عالمنا باغترابه واشتباكه مع محيطه، بلغة غير متكلّفة ومتخففة من بلاغات لا تؤدّي شيئاً، وهو على صعيد آخر عمل داخل الكتابة، بمعنىً يحرز هويتها كإنجاز، لذا فهو يتبنى أكثر من مقترح خلالها وفيها. وفقاً لذلك هي كتابة تتجه الى المستقبل لما تقدَّم من أسباب ولأنها، أيضاً، مخلصة لعالمها ولهواجس الانسان وشواغله بوصفه مرجعية أولى.

  • شاعر وكاتب عراقي مقيم في السويد
 
أضف تعليق

Posted by في 7 ديسمبر 2014 in مقدمة في الغياب

 

الأوسمة:

“غياب” محمد أبوزيد دعوة لنهاية العالم

مقدمة في الغياب cover

أحمد علي عكة

يقول تشارلز ديكنز “تتكون الحياة من لحظات رحيل كثيرة واحدة تلو آخرى” ، ومحمد أبوزيد يقدم في ديوانه الجديد ” مقدمة في الغياب ” تجربة رائعة عن فقدان الأحبة والوطن برحيله الدائم والذي لايتوقف، الغربة في هذا الديوان ليست غربة مكانية حيث اغتراب الشاعر وبعده عن وطنه بل هي غربة نفسية لفقد الشاعر الأحبة والخلان وفقدان معنى الوطن، فمن هم في الوطن يعانون من نفس الغربة والفقدان.

محمد أبو زيد الذي نشر له من قبل خمسة دواوين وديوان للأطفال ورواية، دائما مايقدم نصوصا مختلفة عما يقدم في قصيدة النثر فهو صوت شعري مميز ومختلف، القارئ والمتابع لكل ماكتبه أبوزيد سيعرف انه يعمل على مشروع أدبي متكامل وليس دواوين كل منها يعبر عن حالته فقط ، فستجد أن خطوطا عريضة تربط بين أعمال الشاعر وتشعر أن كل ديوان من دواوينه هو خطوة على الطريق تضيف لما قبلها وتمهد لما بعدها.

الرابط الأول بين أعمال الشاعر هو الفقد ففقدان الشاعر لوالدته في الرابعة من عمره له تأثير كبير على كل مايكتبه ابتداء من ديوانه الأول ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” وانتهاء بديوانه الأخير ” مقدمة في الغياب ” ويضاف إلى فقد الأم فقد الجد والجدة، كما ستجد فقدان أيام الطفولة وقريته الصغيرة في سوهاج، ويتضح هذا في قصيدة ” إلقاء تحية الصباح على الموتى ” والتي يقول فيها :

قبل قرون

أخذت دراجتي

قاصداً الحدود

ودّعت قبر أمي وسرت

بكيت على قبر جدتي، ومشيت

لوّحت لقبر جدي وطرت

قلت لهم: صباح الخير

فلم يرد أحد.

وفي قصيدة ” قصيدة تنتظر نهاية العالم ” حالة آخرى من حالات فقد الأم فيقول فيها أبوزيد :

وأنا صغير، حلمت أن يشق الملائكة صدري. فجاءت الكائنات الفضائية ووضعت زجاجة مولوتوف مكان قلبي وأخذت أمي. طرت في الجنازة فوق رءوس المشيعين، أخطف أغطية رءوسهم لأصنع بها كفناً لي.

الرابط الثاني بين أعمال أبوزيد هو الموت والذي يتطور منظور الشاعر له من ديوان إلى آخر فكل ديوان من دواوين محمد أبوزيد يقدم الموت بشكل جديد وعلاقة مختلفة بينه وبين الموت فأحيانا يصادقه وأحيانا يواجهه وأحيانا يهرب منه، لكن ماقدمه أبو زيد من رؤية للموت كانت أكثر فلسفية عما سبق، ويظهر هذا في قصيدة ” طريق ممتد بين عطارد ونبتون ” يقول فيها :

في جيبي صور للموتي

الذين أحبهم

جدي وجدتي

وشخص لا أعرفه

مشيت في جنازته بالصدفة

ربما يكون أنا.

ويقول في قصيدة ” عصفور يقف على الشوك ويغني: عش أنت “:

قابلت الموت ثلاث مرات من قبل

كل مرة كنت أضحك

أضربه على كتفه، وأقول:

ـ لا تنس أن تأخذ الباب في يدك وأنت خارج.

أو:

ـ عندي عمل صباح غد، سأضطر أن أستأذن

وأتركه وحيداً على الكوبري

يرتجف من البرد

أنا أكذب عليكم

في المرة الأولى كنت طفلاً

في الثانية كنت نائماً

في الثالثة كنت غريباً

لم يواجهني أبدا رجلاً لرجل

يغافلني ثم يأخذ جزءاً من جسدي

فلا أعرف ما الذي تبقى

حياً مني

أما الرابط الثالث فهو الغربة، والغربة بدأت لدى الشاعر منذ أن فقد والدته فصار غريبا في قريته التي شعر فيها بالقسوة والمرارة فكان طريقه الذي قرر أن يسير فيه إلى الآن، وهو الهروب من الغربة بالغربة فحضر للدراسة في القاهرة، وتحقيق ذاته كشاعر وتلمس خطوات البدايات،كل يوم تزداد الغربة وتتسع لتصير غربة الفقد وغربة الاحباط من العالم وغربة الوطن الذي لم يعد كما كان بل أصبح مشوشا وحزينا أكثر مماينبغي ويعبر أبوزيد عن هذا في قصيدته “مالا أستطيع تذكره ” :

الآن

بعد 20 عاماً من السفر

لم أعد أشعر بالغربة

لا تحتفظ عيناي

إلا بملامح مشوشة

للوطن

بيوت وطرق

ومارة في جلابيب واسعة

لا أتذكر أسماءهم

وفي قصيدة ” أوغاد مثلكم ” يقول أيضا :

وقلت في السفر 3 فوائد

1ـ الوحدة

2ـ الوحدة

3 ـ الوحدة

فلا تزعجوني بضجيجكم بعد اليوم

دعوني أواصل السير على المياه

ربما أضل الطريق.

الرابط الرابع بين دواوين محمد أبوزيد هو ” ميرفت عبد العزيز ” في هذا الديوان ربط محمد أبوزيد بين ميرفت عبد العزيز وهو الاسم الكامل لحبيبة افتراضية دائما مايخاطبها الشاعر ويخاف عليها من الأشرار وبين الغربة فكان عنوان القصيدة الرائع ” الغريب قابل ميرفت عبد العزيز ” ويقول فيها أبوزيد:

بالأمس

قابلت فتاة تشبهك

تريد السفر إلى كوكب آخر

فأعطيتها تذكرتي

سرنا معاً بطول درب التبانة

نتحدث عن قارئي الكف

وجثث سائقي الحافلات المسرعة.

بالأمس

قابلت قطاراً يشبهك

له نفس الابتسامة

وأذني الطاقية في رأسه

كأنهما شارة النصر.

الرابط الخامس الذي يربط بين دواوين محمد أبو زيد هو البحث في ماهية الكتابة والصراع بين ألوان الكتابة المختلفة، وظهر هذا في الدواوين السابقة كما فعل الشاعر في ديوانه الماضي ” مدهامتان ” حين قدم نصوصا شعرية بين القصيدة العمودية والتفعيلة والنثر وكأنه يريد أن يقول أن النص الجيد هو الذي ينتصر دائما مهما كان نوعه ومهما كانت طريقة كتابته وعرضه، واستكمالا لهذا انتصر محمد أبوزيد في هذا الديوان لشاعريته برغم انه كتب الرواية إلا انه يدافع عن الشعر وينتصر له في قصيدة ” بيان الثورة رقم صفر ” والتي يقول فيها :

” في البدء كان الشعراء. الشعراء وحدهم، فقرروا أن يصنعوا العالم، مرة على شكل قلب تسيل منه المشاعر كشلال، ومرة كقصيدة عمودية تغلق بابيها على الأطفال من البرد وغبار الحرب. بعضهم تسلل بعيداً واختار السرد، فنفتهم الآلهة، حولتهم إلى قصاصين صغار، يراهم الناس في الشارع فلا يبتسمون في وجوههم، وتحذر الأمهات أطفالهن من مصيرهم الأسود إذا لم يشربوا اللبن.

كبر القصاصون وصاروا روائيين، لم ينسوا جرحهم القديم، فحوَل كل روائي قرطاسه إلى خنجر، ينظر إلى عيني الشاعر ويقول: “البقاء لله”، فيرد الشاعر “البقاء للأصلح”، ثم تذوي عينه، كلما ذوت عين ، اختفت سحابة في السماء، كلما مات شاعر نقص لون في قوس قزح.”

الفكرة الرئيسية التي طرحها الشاعر في ديوانه بجانب فكرة الغياب هي فكرة نهاية العالم وظهرت هذه الفكرة بقوة في الديوان لغاية الخلاص من شرور هذا العالم، الذي يسحق البسطاء ويقهر الضعفاء ولا يرحم العجائز والأطفال، وقد أظهر أبو زيد هذا في العديد من قصائد الديوان منها قصيدة ” إلقاء تحية الصباح على الموتى ” ويقول فيها :

حتى وصلت إلى نهاية العالم

بدا مثل سور قصير أملس

يدفعنني كأنني كرة مضرب

خلفه هوّة بلا نهاية

لم أرغب في العودة

حيث لا صديق ولا وطن

فوقفت هناك متأملاً

ساقيّ اللذين فقدتهما

وقلبي الذي تهدم

أفكر في رد على “نهاية العالم”:

ـ لماذا تأخرت؟

وقصيدة ” قصيدة تنتظر نهاية العالم ” ويقول فيها :

” الموت الذي انتظرته في موقف الباص تأخر ساعتين، حتى برد النسكافيه وجاء الشتاء. الموت الذي ربيته خذلني من أجل من يدفع أكثر. كنت أريد أن أموت مبكراً هذا الأسبوع. حدقتاي تتحركان مثل سمكة مجنونة في حوض، أزحزح الأهرامات من فوق صدري وأنهض، أفتح القفص الصدري مثل جناحين وأطير. من قال إن المستقبل خلفنا؟ ليس ثمة مستقبل من الأساس. وليس هناك ديناصور أيضاً.”

وفي قصيدة ” عودي يا هاميس.. عودي عند الفجر ” يقول أبوزيد :

الآن

أتمدد على السرير في كامل ملابسي

وأنتظر أن يطفئ العالم أنواره

 

وفي قصيدة ” حكاية لتسلية الموتى ” والتي يقول فيها :

من يعطيني ألواناً أخرى

فأضيف قليلاً من الأسود

من يمنحني يداً

فأنقل المد والجزر من رأسي إلى الماء

من يعيرني قلماُ

فأكتب The end

 

وفي قصيدة ” السماء تمطر في الخارج ” والتي تقول :

في موقف الباص

انتظرت نهاية العالم

في ساحة المسجد

ـ وأنا منهمك في الدعاء ـ

ترقبت اللحظة الأخيرة

في غرفتي الصغيرة

على يساري دب تعيس

وأمامي فيلم سخيف

أنتظر تَفحُّم الكتاب في يدي.

 

وفي قصيدة ” أعتذر فقط للأطفال، أما أنتم… ” يقول الشاعر:

عندما يهوي النيزك

الذي سيدمر الأرض،

الذي ينتظره العلماء منذ سنوات

الذي يقول للمنجمين:

ـ كم كنتم صادقين

النيزك الذي سينهي الخلاف

بين امرأة وحماتها

على رائحة البصل في المطبخ

الذي سيريح عاشقاً

خذلته حبيبته

الذي سيحل أزمة أب

لا يستطيع دفع ثمن حذاء طفلته

الذي سيضع حداً لأسرى الحرب

وموتى المجاعات وأطفال الشوارع

والقصائد السخيفة

ماقدمه محمد أبوزيد في ديوانه ” مقدمة في الغياب ” يدل على انه شاعر مطبوع بعيدا كل البعد عن التكلف والتصنع يمتلك أدواته الشعرية جيدا من لغة وصور وأساليب تجعله مختلفا ومتفردا، كما أن قصيدة النثر عند محمد أبوزيد قصيدة شديدة الذاتية تعالج قضايا عامة تخص الانسانية بأكملها وليس الشاعر فقط ، استمتعت كثيرا بقراءة هذا الديوان كما استمتعت بكل ما كتبه محمد أبوزيد وانتظر الجديد منه دائما سواء كان الجديد ديوان شعر ينتصر فيه لشاعريته أو رواية يصالح بها الروائي بداخله.

 
أضف تعليق

Posted by في 22 أبريل 2014 in مقدمة في الغياب

 

الأوسمة:

مستويات القصيدة والغربة في ديوان “مقدمة في الغياب”

مقدمة في الغياب cover

محمد أبو زيد شاعر ماهر ينحت قصيدته ببراعة واقتدار، ودربة بمكنونها وجوهرها وأبعادها النفسية والبصرية والحسية ، فيمنحك قصيدة تكاد تشعر بمفرداتها تتأوه بين يديك وتستعذب أنينها ووجعها وألمها، ويقدم لك أبيات رائقة صافية عذبة نقية مورقة بلا تصنع أو تكلف أو تعالٍ، وعلى الرغم من غوصه بك في منافى الغربة والوحدة والفراق والشجن فهو يهبك الحياة والخضرة والماء الرقراق والنبع الفياض.

قصيدته مراوغة مناورة لا تمنحك نفسها بسهولة ويسر فهي تحتاج منك إلى إعادة القراءة المرة تلو الأخرى حتى تتكشف لك مكنوناتها وتمنحك مفاتيح عوالمها ودروبها وما خفي من دهاليز أبياتها وسراديب مفرداتها وأعتاب غموض حروفها.

قصيدة أبوزيد مؤلمة حزينة داهشة مدهشة تتسلل إلى جوانح النفس البشرية وخفايا الروح فتعريها وتفضحها وتحرضها على واقعها المرير .

والمتتبع لرحلة أبو زيد الإبداعية، بداية من ديوان “ثقب في الهواء بطول قامتي”، مروراً بأعماله “قوم جلوس حولهم ماء”، ” نعناعة مريم” ،” مديح الغابة”، “طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء”، ورواية “أثر النبي”، و”مدهاماتان”، يلحظ أننا أمام مبدع واع يملك أدواته الفنية ولديه لغة رائعة معبرة ومفردات تخصه وتميزه تجعله يقبض على اللحظة الشعرية بمقدرة، فهو لا يكتب قصيدته لمجرد الكتابة أو إفراغ شحنة حماسية فقط، بل إننا أمام شاعر لدية مشروع ومنجز إبداعي يعكف على إتمامه لا يحيد عنه قيد أنملة.

وفى ديوانه الصادر حديثاً عن دار شرقيات بعنوان “مقدمة في الغياب” يقدم لنا تجربة الغربة بكل أبعادها ومشاعرها وأحاسيسها كأنها أمر حتمي ملازم للإنسان أينما استقر، غربة داخل حدود الوطن يحياها بين الأهل والأحباب والأصدقاء وغربة أشد قسوة بعيداً عن الوطن وعن كل مسببات الفقد والوجع، فتشعر أن الذات الشاعرة تتحسر حتى على ما كان يزيد من عذابها في القرب بين جنبات وأحضان أرض المهد وهوائها ومائها وكل ما عاشه من ذكريات البدايات.

أغلب قصائد أبوزيد لها خصوصية فهو يكتب نفسه، لا يقلد أحداً وهناك سمات بارزة في شعره منها الصدق والإخلاص والبساطة والبراءة والعمق والسذاجة والطيبة والأحاسيس والمشاعر الفياضة والمفارقة الداهشة المدهشة في نهايات القصائد والحكمة والسخرية المريرة الموجعة التي تجعلك تضحك من فرط البكاء، وما يميز الديوان استخدام تقنية التكثيف بصورة لافتة للنظر فلا حشو ولا عبارات مجانية مستهلكة لا تفيد الهدف.

الديوان يحوى أربعة أقسام هي: كهلٌ يسير إلى الحافة، لاي ؤنس الغريب غير ذاكرت ، من يتذكر الغائب؟ ، من يعرف ماذا يفعل الآن؟، اسمي محمد أبو زيد.

أولى قصائد الديوان بعنوان “ما لا أستطيع تذكره” يقول: بعد 20 عاماً من السفر/ لم أعد أشعر بالغربة/ لا تحتفظ عيناي/ إلا بملامح مشوشة للوطن، هكذا يضعنافي داخل الحالة مباشرة فهو لا يتوانى أن يلقى بنا في خضم الأحداث منذ البداية، ويقول: أسير في شوارع لا أعرفها/ مثل ماكينة تتحرك في المصنع/ وتُسقِط الصدأ/ لا مشاعر في صدري/ لا أغنية تهز لسان المزمار، تأمل الوصف الغريب بماكينة صامتة بلا مشاعر، ويقول: حتى في اللحظة التي/ أمطرت السماء جليداً/ لم أكتب قصيدة جديدة كما تمنيت صغيراً / وضعت الثلج في فمي/ كي لا يسمع أحد أنفاسي / خلعت قميصي/ وسرت صامتاً، يا لروعة الكلمات المنسابة في رقة ووجع ودهشة.

وفى قصيدة “7 حي السفارات” يقول: المباني القصيرة الواسعة/ في الزمالك وجاردن سيتي/ التي ترفرف أمامها أعلام بألوان غريبة/ التي كنت أعتقد/ أن بداخلها/ أناساً يصنعون الشاي/ ويعدون أرجل النمل،/ الآن فقط../ أعرف معنى لون جدرانها/ وملمس حيطانها الباردة/ والروائح المنبعثة من داخلها/ رغم أن أحداً/ لم يدعني لشرب الشاي/ أو للاستفادة من خبرتي/ في علم الجبر. قصيدة مراوغة توحى بالكثير مكثفة ومختزلة تكاد تفضح عالمنا وواقعنا بما أوحت إليه ولم تصرح به، وفى قصيدة “ما يتركه الأرق على جلدي” يقول: خلف هذا الحائط/ توجد عائلة سعيدة/ تصلني قهقهاتهم بالليل/ وهم يشاهدون مسرحية/ أتمدد أمامها على الكنبة/ والكآبة تُجعّد وجهي/ يلاعبون أطفالهم/ فيما أحرق أصابعي/في طاسة المكرونة الساخنة/ لا أفهم ما يقولون/ لكن سعادتهم تُحرّك / ستارة النافذة، يصل الشاعر إلى هدفه من أقصر الطرق فلا زيادة ولا حشو في النص ويستطيع أن ينقلك إلى إحساس الوحدة التي تحياها الذات الشاعرة المغتربة وحولها الناس سعداء، وتأمل المفارقة الداهشة في نهاية النص حين تحرك السعادة الستارة، وفى قصيدة “الصمت” يقول: على المقهى/ تجلس لهجات كثيرة/ تتشبث بمقاعدها جيداً/ حتى لا تسقط/ ثلاث لهجات جلست على الكنبة/ المطلية بالأصفر في المدخل/ تدفع كل منها الأخرى/ لتأخذ حيزاً أكبر/ أقدم القهوة للجميع/ دون أن أنطق، هنا ملمح من السخرية على واقعنا الأليم من فرقة واختلاف أصاب كبد الحقيقة .

ومن أمتع قصائد الديوان قصيدة “كتاب الأجنبي” يقول: الأجنبي / يطفئ الأنوار/ يضع القلوب المنهكة أماكنها/ ويوصد عليها بإحكام/ يختار الملابس، يقرأ الأوراق / يحبس الذكرى في الدولاب / يرسل عينيه تودعان كل التفاصيل الصغيرة/ في المطار/ يشد الباب خلفه جيداً، والأجنبي هنا ليس الشخص القادم من الغرب كما هو متعارف عليه، بل هو كل شخص مغترب ترك بلده من أجل لقمة العيش، ويقول أيضاً: الأجنبي / يتعرف إلى غربته/ في صالة المطار/ بين الألسنة المختلفة والوجوه الملونة/ حين يصبح كل ما فعل طوال عمره/ مجرد حقيبة، ورقم رحلة/ صالة انتظار وميعاد وصول، فتأمل وصف الشاعر أحواله وحركاته وسكناته ببراعة ودقة متناهية وكيف يكون يقظاً في كل تصرفاته حتى لا يقع تحت طائلة قانون البشر، كما يقول: الأجنبي / لا يعرف الحب/ يعرف النظرات العابرة/ وحكمة الميت/ الذي يتفرج على العلاقات / مثل طفل في متجر ألعاب كبير، ما أروع التشبيه ودقته ودلالته، ويقول: الأجنبي/ لا يأكل إلا ما يعرف/ لأنه لا يأمن جهله/ لا يصدق إلا معدته / التي تخذله / طوال الوقت، الأجنبي / صديق نادل المقهى/ صاحب الدراي كلين/ عاملة مطعم الوجبات السريعة، أجاد الشاعر وصف حال كل مغترب ببراعة ثم تتوالى الابيات فيقول: الأجنبي أصلاً / بلا أصدقاء/ الأجنبي / لا يتكلم كثيراً/ الأجنبي / لا يتحدث / إلا مع سائقي التاكسي/ يربط الحزام/ ويسند رأسه إلى الوراء/ ينصت إلى كلام لا يفهمه ، ويقول : الأجنبي/ يعرف قيمة “سكايب” متأخراً، حقا لقد أصبح العالم الافتراضي وما به من تكنولوجيا الاتصالات هو ما يربطنا بمن نعرف ومن نحب، وبل وأصبح التصاقنا بتلك الآلات أقوى وأهم من البشر.

وفى قصيدة “مثل ليمونة في بلد مصابة بالقرف” يقول : يضع القصيدة في جيب الحقيبة، ويقول :/ ـ نويت أسافر إن شاء الله/ في المطار يكتشف أنه نسي الحقيبة/ في غرفة الفندق لا يجد وجهه/ في الشارع يفقد صوته/ في الأيام التالية يصبح أرقاً يتحرك في الليل/ لا يرغب فيه أحد، الشاعر ينجح فى تكثيف ظاهرة الاغتراب والشعور بالمرارة والوجع ، وفى قصيدة ” قبل أن تحط الطائرة” يقول : صوت الطائرات المارقة/ جوار شرفتي/ يذكرني بغربتي/ وبإصلاح الكالون التالف/ لكنني لا أجيد الكلام/ أسأل نفسي:/ ـ ماذا أقول للبائع؟/ كيف أشير له إلى ما أريد؟، رغم بساطة الكلمات إلا أنها تتميز بالعمق والوجع والإحساس بالوحدة القاتلة، ويقول أيضاً: بعد أيام يصبح الصوت أكثر ألفة/ مثل صوت قطار/ كان يمر جوار قريتي/ فيهزها/ كأنه يهدهد طفلاً في سريره/ مثل صوت وابور الطحين/ الذي يضحك من العامل/ الغارق في غبار الدقيق، سخرية مريرة من واقع مؤلم، ويضيف قائلاً: مع الوقت/ أتسلى بالنظر إلى الطائرات القريبة/ ومقارنة ألوانها المختلفة/ أحدق في نوافذها البعيدة جيداً/ علّي ألمح/ أحداً أعرفه، وهنا تكمن المفارقة مع اعتياد الغربة وانتظار سراب يعرف جيداً أنه لن يأتي، وفى قصيدة “طريق العودة” يقول: أجمل الطرق../ طريق المطار/ وأنت تحاول أن تحتفظ في عينيك/ بلقطة أخيرة للمدينة/ لو كانت عيناك كاميرا/ لصورت اللحظة الأخيرة للحياة،/ قبل أن تدخل صالة المغادرة/ لو كان بإمكانك اصطحاب الطريق/ لوضعته في الصالون/ ليتفرج عليه جيرانك/ وتحكي لأحفادك بعد سنوات/ أنك مررت من هنا/ وتصف للعائدين الطريق/ ثم تُطرق:/ ـ امممم.. الغربة تغيرت كثيراً، ما أروع الوصف، كأنك أمام صورة مشهدية لعين خبيرة مدربة على التقاط أدق تفاصيل اللحظة .

وفى قصيدة “قصيدة تنتظر نهاية العالم” وهى مقسمة إلى عشر مقاطع منها: لم أعد أذكر متى استيقظت/ وحيداً مثل كلب ضال/ ببنطلون واحد ممزق/ وحقيبة كتف متسخة تخزن ذكرياتي/ وسحابة بوجه مومياء تظللني/ وديناصور أمتطيه إلى العمل، هكذا تسير القصيدة ضائعة شريدة غريبة، ويقول أيضاً: في عيد الأم أرسم قصيدة/ وفي يوم اليتيم أكتب لوحة/ وهكذا تسير الحياة/ مرتبكة مثل حب المراهقين/ أعد خسائري وأنا أنظف المنزل/ أزيحها جانباً وأواصل طريقي، رغم قسوة الكلمات وسخونتها لا نملك إلا التفاعل معها، ويقو: يمتلك أصدقائي ذكريات كثيرة يحكونها لمقاعد المقهي/ لكنني مثل الحوائط أفضل الاستماع/ فقط أراقب الجير يتساقط مني/ أخبئ سري: أنني بلا ذكريات ، اللغة جذابة والشاعر يعزف على أوتار غربتنا بصدق يمتلك القلوب ويتغلغل فى خفايا الروح والنفس البشرية.

جميع قصائد الديوان تستحق التوقف أمامها كثيرا ومنها قصيدة “قبل 4 مايو 1980 بالتحديد” التى يتحدث فيها عن نفسه قائلاً: قبل 1980/ لم يكن هناك شيء اسمه محمد أبو زيد/ لكن كان مارلون براندو يبتسم/ ويسلم على الناس في الشارع/ ويختتمها قائلاً: قبل 1980/ كانت الحياة أجمل، قصيدة تتميز بالمكاشفة والصدق الفنى والنفسى، وهناك الكثير من القصائد منها قصيدة “أسطورة القطط والحمير” وقصيدة “بيان الثورة رقم صفر” التى ينحاز فيها إلى الشعراء وربما أغضبت منه كتاب الرواية، وقصيدة “غريق ينظر للسحابة “وقصيدة “القصيدة العارية” وقصيدة “قبل الموت”وقصيدة “الحقيقة” التى يقول فيها: أنا لست محمد أبو زيد/ أقصد لست ذلك الشاعر الذي قرأتم له من قبل/ وابتسمتم أو شتمتم، وفى قصيدة “ضحكة ساخرة لا تخرج إلا من ميت” يقول:أضع القلم في الثلاجة، والأوراق على البوتاجاز/ وأقول: ما الذي يريد أن يقوله محمد أبو زيد هذه المرة.

وفى آخر قصائد الديوان والتى يبدو عنوانها طويلاً جداً لكنه معبر “تجرحني الضحكة فتتناثر دمائي على أفواهكم المفتوحة أمامي” يقول: أكتب قصيدتي الأخيرة/ وأنا مستغرق تماماً/ غير آبه بالعالم الذي يشتعل في الخارج بالحرب/ عند آخر حرف سأتنهد/ تنهيدة تحدث شرخاً في الجبال/ وتفزع الطيور/ وتسقط البحارة من أعلى السفينة/ للماء/ أتمشى بعدها قليلاً/ والوردة تنام خلف أذني/ كقلم نجار ماهر/ غير عابئ بأوراق القصيدة/ التي تطايرت في الريح .

وفى نهاية الرحلة مع ديوان “مقدمة فى الغياب” لمحمد أبو زيد نقول إنه ديوان الحالة والصدق والشفافية والإبحار مع الذات المغتربة فى عالم زائف أحداثه متلاحقة متواصلة تقسو كثيراً وتعطف قليلاً كما عبرت قصائد الديوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت في جريدة التحرير

 
أضف تعليق

Posted by في 16 أبريل 2014 in مقدمة في الغياب

 

الأوسمة: