RSS

Category Archives: مديح الغابة

مديح الغابة

بقلم : فريدة النقاش
كل ليلة يفعل هذا
قبيل الفجر
يضيء مصباح الصالة
يغلق الأبواب والشبابيك
وأنبوبة البوتاجاز جيدا
يشد الغطاء على كتفي زوجته
حتي لا تفزع
يرتدي بلوفرين
ويجهز بطانية، وغياره الداخلي
ينير لمبة السلم
حتي يروا باب الشقة فلا يزعجوا الجيران
يودع أباه الذي يغفو في برواز أسود
ثم يجلس منتظرا دقاتهم
هذه قصيدة كاملة للشاعر محمد أبو زيد المولود سنة 1980 من ديوانه الجديد مديح الغابة الذي جاء بعد ثلاثة دواوين علي التوالي ثقب في الهواء بطول قامتي ونعناعة مريم وقوم جلوس حولهم ماء وأريد قبل أن أقرأ معكم شعره الجديد أن أحرر الديوان من دلالات ما بعد حداثية قد يستدعيها العنوان.. إذ أن هناك تيارا فيما بعد الحداثة يري حماليات القبح والقتل والتوحش والجريمة والفجاجة ويحتفي بها مغيبا الإنسان في اللامبالاة العدمية أو الانغماس الوجودي في ذاته أو الاستمتاع بالقسوة والتشفي بالعذاب ولعلنا نجد في رواية العطر لتوسكنيد والفيلم الذي أنتج عنها، كما في فيلم صمت الحملان قبل سنوات والذي حصل علي عدة جوائز أوسكار وجري التهليل له من الزاوية التقنية العالية لعلنا نجد فيها نماذج للاحتفاء بالهمجية وتمجيدها.والحمد لله أن هذا التيار ليس وحيدا ولا كاسحا في عالم ما بعد الحداثة، الذي وصفه واحد من أكبر نقاد عصرنا هو فريدريك جيمسون بأنه المنطق الثقافي للرأسمالية الاحتكارية المتأخرة.. ووصفا ما بعد الحداثة أيضا بأنها الحداثة العليا ملتقطا مظاهر التفسخ التي حدثت في الواقع العالمي كله نتيجة لسطوة الاحكتار والاستغلال الكثيف الذي يصيب الإنسان بالعجز مع التحول الهائل من قوي الإنتاج والاستهلاك وانبثاق نوع جديد من السطحية بالمعني الحرفي للكلمة، إذ يعيش الإنسان غير مرتاح في عالم التقدم التكنولوجي المتسارع مع عدم اليقين الإيديولوجي، وزاد سقوط المعسكر الاشتراكي الطين بلة حتي أصبح الوعي العلمي دون يقين مشكوكا فيه بدوره وعاد الاستعمار العسكري ليطل برأسه من جديد.ورأس جيمسون أيضا أن الرأسمالية تنفي الثقافة أصلا بمعني تناغم الإنسان مع عالمه وسيطرته عليه عبر المعرفة والفن والقدرة الدائمة علي الابتكار التي جري انتزاعها منه لصالح السوق. فالرأسمالية تعني المنفعة العارية والربح بأي ثمن.الشعر هو إذن عدو لما بعد الحداثة بهذا المعني وعلي العكس تماما مما يدعيه بعض المهووسين بموضة الأساليب الجديدة التي ما أن تظهر في أوروبا وأمريكا إلا وتموت بسرعة قبل حتي أن يستوعب المتلقون لماذا ظهرت ولماذا ماتت بسبب هذه السطحية التي تحدث عنها الناقد فما من شيء يلمس أعماق الروح الإنسانية وأشواقها الغامضة إلا فيما ندر بعد أن تحولت الفنون إلي سلع تجارية وازداد اغتراب الإنسان إزاءها وإزاء نفسه
ينتمي هذا الديوان الجديد لقصيدة المشهد المرشحة لشعبية واسعة والتي أخذت تنتشر ببطء في الشعر العربي الحديث متأثرة بفنون السينما وثورة الاتصال، فنجد عنوانا لقصيدة ” ليل خارجي ” و ” يدي وردة أصابعي شوكها ” ونقف علي مشهد غرائبي كالآتي ” كان يراقب سقوطه من الدور الأول /بهجة/ يفكر/ ماذا لو التقط له أحد المصورين صورة 9 ×15 هل سيدخل بها جينيس
الإنسان هناك دائما في عالمه بوعيه وقلقه سواء وهو يرتعش حين يري الوردة أو وهو ينتظر الشرطة التي ستقتاده لمكان مجهول، ويبقي هؤلاء الشعراء الذين تنبت لهم قصائد في أجنحتهم ليخربشوا بها الهواء.
الغابة في هذا الديوان ليست التوحش والقتل وإن كان الموت مخيماً لكنها الحياة البرية التي تنبت فيها ورود علي الخدود.. إنها ما بعد حديثة لكن بطريقة أخري تحتفي بالحياة وبإنسانية البشر رغم كل شيء بل وبفعالية هؤلاء البشر في الواقع علي بؤسه وقبحه دون تجميل للبؤس والقبح.

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 17 مايو 2012 in مديح الغابة

 

الأوسمة:

محمد أبو زيد البستاني الذي حكى عن الغابة

محمود عزت
منذ أن قرأت ديوانه الأخير و أنا أنوي أن أكتب عنه , لذلك لم أجد أفضل من اليوم لأفعل , دون أن يكون ذلك متعلقا بالمجاملة الشخصية أو غيرها ,و متخففا من فكرة إختيار يوم أخر كي لا يبدو الامر كمجاملة كبيرة , و ذلك لأنني بالفعل أحب شعر محمد أبو زيد من قبل أن أعرفه شخصيا و حتى قبل أن يعرف كلانا المدونات ..
فالمرة الأولى التي قرأت فيها لمحمد كانت منذ عامين أو أكثر بينما كنت أبحث في النصوص الشعرية المنشورة في مجلة “أفق” عما يثير إهتمامي
و بالفعل شدت إنتباهي قصيدة محمد أبو زيد “سيسقط بعد قليل ” فقمت بالبحث عن بقية قصائده المنشورة في المجلة
و من حينها و ذلك النص تحديدا “سيسقط بعد قليل ” محفوظا على جهازي بل ثبت في ذاكرتي مقطع القصيدة رقم (8) بوضوح تام
ولادته جاءت هكذا :
كانت أمه تكح
فخرج من فمها يجري.
القطة التي كانت تجلس أسفل قدميها
خرجت وراءه ، وجاءت به في فمها
مقابل سمكة ومثلث جبن قريش
أبوه لف به كل الموالد
وفي النهاية
تركه يسقط في صندوق التبرعات
مرهفا أذنه
لكنه لم يسمع أي رنين
بعدها بسنوات تعرفت على محمد أبو زيد عن طريق الشاهبندر محمد مفيد على قهوة في شارع شامبليون و من حينها و انا بالفعل أفكر أن محمد أبو زيد شخصا لا يقابله الناس كل يوم في الطريق بل كل عمر كامل ..
المهم
ديوان محمد الأخير “مديح الغابة ” كان أقرب ما يكون من الشعر الذي أفتقده أنا بشكل شخصي , الشعر الذي سيترك كل الفراغات الضخمة التي يدور حولها ثلاثة أرباع شعراء النثر قبل أن يتفهموا أخيرا أن عليهم الخروج من إطار تجريب النثر كلغة جديدة _عليهم أن يدربوا ألسنتهم عليها بشكل متعسر و كثيف _ إلى قول الشعر بسلاسة و بلهجة حقيقية فعلا..

أعجبتني جدا القصائد التالية من “مديح الغابة “:

*البستاني الذي اسمه القلب
*عبده باشا
*هناك براءة
*أحدب نوتردام
*هكذا بعنف نعم (هكذا بعنف )
*أعتقد أن هذا الذي سيسقط بعد قليل من الطابق العاشر يريد أن يقول شيئا
*من سيرة العزلة (الأربعة مقاطع )
*يقول محمد “نقية لدرجة أنه من المؤكد أن أسمها مريم ”
و أعجبني للغاية أيضا المقطع التالي من قصيدة (بعد سينما فاتن حمامة بقليل) :

الكورنيش الآن و قد امتلأ
سيكون بإمكان بائعي الورد
أن يستريحوا قليلا
البنات يقبضن على معاصم الأولاد
يعلقن الدموع
كعناقيد عنب مصلوبة
بائع الترمس أن يترك القلة
ليشرب منها المارة و الأرواح مجانا
بائعة اللب المنتقبة
_التي بلا اسم _
أن تغني “أنا هويت…..
…..وانتهيت ”
بقي أن أقول أن قصيدة البستاني الذي اسمه القلب هي ببساطة : قطعة من الشعر الفاخر
أعتبرها أحد أعلى قصائد محمد في ديوانيه “مديح الغابة” و” قوم جلوس حولهم ماء “إن لم تكن أفضلهم , قرأتها أكثر من مرة منذ أن حصلت على نسخة من الديوان دون أن أفتقد لذة الشعر الحقيقي.

 
أضف تعليق

Posted by في 17 مايو 2012 in مديح الغابة

 

الأوسمة:

هكذا (بعنف) …. نعم ، هكذا (بعنف)

“رجل سقط من سيارة مسرعة ”
هذا خبر عادى
غير العادي
أن زوجته أوصته قبل أن يخرج
ألا ينسي اللبن ” عشان ” أحمد
ودواء الكحة لصدر شيماء
أنها فكرت أن تبحث
عن زر لبنطلونه
حتى لا يسقط مرة أخرى
أمام موظفة السجل

المذهل :
أن ” أم ياسر ” اقتنصت منه ربع جنيه مخروم
مقابل دعوة واحدة
لم يكن قبل ذلك يفكر أنه سيسقط هكذا
ولم يسأل سائق الميكروباص
-لماذا يا صديقي لم تغلق الباب جيدا ؟
أو:
– ألم يكن من الأفضل أن تسير متمهلا يا أخي ؟
ولم يعتذر لزوجته عن أنه نسى
أن يشترى لها العباءة التي رأتها في الغورية
يوم الوقفة
أن يزور قبر والده

العادي في الموضوع :
أن زوجته بعد أن تعبت
من الانتظار
أخذت حماما
وانتظرته على الكنبة في الصالة
نعست قدام التليفزيون
تركته يوش
هكذا
وش ش ش ش ش ش

 
أضف تعليق

Posted by في 17 مايو 2012 in مديح الغابة

 

الأوسمة:

عبده باشا

بالليل
بعد أن يطفئوا عيونهم ،
ولمبات شققهم
ويسحبوا زوجاتهم إلى الأسّرة
ستظل وحدك
تتلفت يمينا ويسارا
باحثا عن قطة ضالة
تحكى لك حكاية قبل النوم
عن فراشة مصابة بالسل
تمسح على صدرها
عن وردة بمسدس كاتم للصوت

أيها الميدان الطيب ،
كسلحفاة
الوحيد كعانس
تركوك – يتيما – هكذا
ألقوك وسط الشوارع
حتى دون أن يسألوك
عن آخر أمنياتك
سياراتهم تمر دون سائقين
أولادهم يمرون من الحارة الجانبية
بالقصد
زوجاتهم يخبئن عنك أمومتهن
تركوك وحدك
لترتجف من الليل وحقنة البرد
لتغرق بالمطر
دون أن يغسل ملابسك أحد

أنت الآن في وضع الصليب
يداك بامتداد كلية الهندسة
ومحلات التصوير
فمك في وضع التثاؤب التقليدي
الصرخة تتمطى على شفتيك

يمكنك الآن
أن تنطلق

 
أضف تعليق

Posted by في 17 مايو 2012 in مديح الغابة

 

الأوسمة:

كان الكتاب مفتوحا على : “انج سعد فقد هلك سعيد”


(1)
حتى زوجته رفضت أن تبيت
في الثلاجة ولو لليلة واحدة
وظل لآخر عمره لا يعرف
من يصنع الثلج على هيئة فيدل كاسترو
ويتركه وحيدا مع الشمس
كابن مهذب
لما يئس
ترك نصف كوب من الدم
على حافة المشرحة
وحكى لزوجته
نصف كليلة ودمنة دفعة واحدة
حتى أنها
رفعت حاجبها الأيسر دهشة
وتركت الأيمن يغفو
كقطة ملولة
(2)
لم يكن أبوه منحرفا حتى يحلم
أن يتزوج واحدة كهذه
لما تتعب من الحر
تجعل أصابعها مروحة ورقية
تفك مسامير الجمود
من على وجهها
وتفكر
في الانفراد بالبكاء في حجرة معزولة
فلماذا إذن
يكتب في جواب
– وضعه في صندوق النذور-
” سيدة تخرج من قصر يا رب
ترتدي قبعة الطاووس
وفستانا من الأرابيسك
وتنحني كنبيل إنجليزي
يوشك أن يسقط من على جواده”
ولماذا هشم لها المنضدة
لما قدمت له الشوربة تلسع الألسن
مثل كرابيج الأفلام
أبوه تعب معه
وفى النهاية حكى له
النصف الآخر من كليلة ودمنة
على دفعتين
ووصف الملك بأنه مشاء بنميم
مناع للخير معتد أثيم
و مد يده إلى جانبي وجهه
ورفع حاجبيه
ثم تركهما يسقطان في عنف
محطمين الأنف شظايا
(3)
قعد على الورقة وكتب :
السرطان في أفواهكم
يقبل الحرية تحت تمثال عمر مكرم
ويعاملني كخطأ مطبعي
الحياة ليست أحزن من جدتي بعد موت جدي
ليست أطول من خنصري
ولا أقصر من رقبة الزرافة
ثم كتب :
أنا أحمق طبعا
وكتب :
هل ستتركينني أنام وحدي ؟
(4)
في الصباح لما فتحت الثلاجة
وجدته ينام متكورا
دون غطاء
وفى يده كتاب عن الثورة

 
أضف تعليق

Posted by في 17 مايو 2012 in مديح الغابة

 

الأوسمة:

البستاني الذي اسمه القلب

الشجرة التي زرعتها
بجوار مقهى التكعيبة
لتظلل على القصائد اليتامى :
( القصائد التي تخرج من أفواه الشعراء الجوالين ،
و يتركونها تنام على الأرض ،
بجوار المتسولين
دون أدنى إحساس بالأبوة )
هذه الشجرة
نبتت – بينما كنت أكتب – في قلبي
أصبحت أسير في الشارع
بشجرة ممدودة أمامي ..
كذراع هتلر
تتدلى منها ألسنة تلقى القصائد
أيد تلوح
ومجانين يغنون
أصبح الأولاد ينادوني في الشارع
– كلما مررت خلسة – :
الولد أبو شجرة نابتة في قلبه
أخفى أصدقائي ألسنتهم
في أفواههم أمامي
كلما مررت على عصفورة
أقول لها تعالى :
قفي هنا ، وادع أصحابك
كلما مرت سلحفاة أربت على ظهرها
حتى تسعل
كلما جئت أنام
لا أستطيع التقلب
حتى لا أكسر أغصانها
لم يعد بإمكاني احتضان أحبتي
ولا المرور في الشوارع الضيقة
ولا ركوب الأتوبيس
أصبحت تصافح أصدقائي بدلا منى
وتحادثهم
وتؤلف ، وتكتب الآن بدلا منى
تحاسب على الشاي في المقهى
، لأن يدها أطول ،

( الشجرة عندما تقرأ هذه القصيدة
ستقول : لم أقصد إيذاءك يا محمد
صدقني لم أقصد)

كبرت الشجرة ، وتضاءلت أنا
ثم أصبحت أسير أفقيا
الأصح : جسدي يزحف على الأرض ،
بينما الشجرة
أخذت شكلا عموديا
مع مرور السنين
– أدرك ذلك –
سأصادق ديدان الأرض
وعجلات السيارات المركونة ،
والأحذية القديمة
حتى يأكل التراب جسدي

فقط
ستبقى شجرة وحيدة عالية ،
– نسيتها ومت –
ستبقى وجلة
من جرافة ستنظف الشارع

 
أضف تعليق

Posted by في 17 مايو 2012 in مديح الغابة

 

الأوسمة: