RSS

Category Archives: مدهامتان

مدهامتان..‏..‏الخضرة القاتمة من شدة الري

بقلم: بهاء جاهين

أرص الصور بجوار بعضها فتكتمل الحياة‏.‏ دقات قلب المرء قائلة له‏:‏ أنا وحدي في الفريزر‏.‏ السعادة الحقيقية تجدونها في هذه القصيدة‏..‏هذه عناوين ثلاث قصائد في الديوان الرابع لشاعر بديع ــ في رأيي ــ غير مسموع بما يكفي, شاب يرتدي عمامة أزهرية, وتحتها رأس عامر بما لذ وطاب من ثقافة واسعة متعددة المنابع, وأولها بالطبع الثقافة العربية الكلاسيكية.

الاسم: محمد أبوزيد. الديوان: مدهامتان. وهي لفظة قرآنية أورد شرح معانيها من تفسير القرطبي, وأحد هذه المعاني: عميقتا الخضرة إلي درجة السواد من شدة الري, وهذا الشعر كذلك: عميق وقاتم وريان, اجتمع الشرق والغرب والموهبة علي ريه فأترعنه.

من أول كلمة يبدو مدي تأثر الشاعر بالتراث العربي الإسلامي. لكنك إذا تأملت عناوين القصائد التي أوردناها في البداية, للمست ثورة الشاعر علي تراثه وعلي كل ما هو كلاسيكي, فهو شاعر يمكن وصفه أحيانا بأنه سيريالي. ولكن لأنه شاعر كبير فهو يستعصي علي التعليب, إلا أنه من المؤكد أنه حداثي, بأوسع معاني الكلمة, فهو ليس مدرسيا في شعره, أيا كانت المدرسة, بل يخرج عن التقاليد والأعراف والمطروق في الفن طوال الوقت, فإذا كتب قصيدة خوارجية بالمعني الفني, لا يلبث أن يخرج عليها في القصيدة التالية.

لن أزيد, حتي أفسح أكبر حيز لهذا الصوت الأصيل المتفرد, المدهش في لغته وصوره, والمبدع في كل تفصيلة, حتي التذييلات(footnotes) يكتبها بإبداع!

تذييل: في القصائد الطويلة اضطررت إلي بعض المونتاج واستعضت عن السطور التي استبعدتها اضطرارا بسطر واحد من النقاط(…………………)

مختارات من الديوان

من باب ذهب محمد إلي الحقل

> ما لا أريد قوله

لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب

أو صفيح

لم أولد وفي فمي ملعقة من الأصل

لأنني بلا فم يا إخوتي

وما تسمعونه الآن

ليس إلا همهمات الأشجار المختبئة

من البرد والمطر

ليس إلا صراخ الظلام في حنجرتي

ليس إلا هرير القطة النائمة تحت قدمي

منذ واحد وثلاثين عاما.

مقتطفات من قصيدة أنا خائف يا أليس

1

اليوم فقدت الأخضر

وبالأمس الأزرق

لم تعد هناك سماء, ولا حقل ذرة

لا يرقات, ولا غابات أمازون

الأحمر يستلونه مني

ولا أقوي علي الذود

2

أضع يدي فوق جبهتي

وأنظر من أعلي لعمر الذي ترك يدي

وهرول بعيدا

أبحث عن ولد كان يسير هنا أمامي..

4

كل يوم

أستيقظ مبكرا لأكتب قصيدة

أمزقها في المساء.

ذات يوم,

بعد أن أنهيت أعمالي الكاملة

قررت ألا أستيقظ.

في الحلم

كانت لفائف الورق

تمشط ذراعي

بقلادة من نار

5

الآن..

وأنا أقترب من نهاية العمر

تتكاثر النظارات بلا جدوي

تتجمع في حجري كبيض فاسد محطم

تغدو الحياة مثل الذكريات

بلا ألوان تقريبا

………………

من باب: القصيدة الأخيرة

من يدل الكفيف مرة أخري علي الطريق يارب؟

هذه قصيدتي الأخيرة

بعد آخر حرف فيها سأعتزل

لم أعد أرغب في كتابة الشعر

………………..

وأنتم تقرأون هذه القصيدة

سأكون ممتطيا حماري

وأنا أتناول الجبن والخبز

إلي البلاد التي بلا اسم

حين تكتب الصحف في صدر صفحتها الثالثة:

نحن ننفرد بنشر القصيدة الأخيرة لمحمد أبوزيد

وتعلن قناة الجزيرة:

عاجل: معلومات مؤكدة عن امتطاء محمد أبوزيد حماره,

وتوجهه إلي جهة غير معلومة

سأكون هناك

أتأمل الفضاء

أحني لحيتي

وأضحك

يكفيني كهف في جبل

تكفيني مزقة لبن

يكفيني بكاء أغنامي علي

تكفيني الوحدة

آآآآه

الوحدة التي تتحول إلي قصيدة مؤلمة لا تنتهي

….

الكتاب صادر عن دار شرقيات, وهو حقا من الشرقيات التي نهلت من الغرب حتي ارتوت, وكاتبه شاعر عليم بفن المعمار. تأمل قصيدته الأخيرة, واعلم أن عنوان الباب الذي يسبقها يحفر قبره ويغني, وأن القصيدة الثانية تبدأ بهذا السطر: لم أولد وفي فمي ملعقة من الذهب.

ــــــــــــــــــ

نشر في الأهرام

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

“مدهامتان” أبو زيد.. حينما يتحدى الشاعر شعره

محمد الشماع

قصيدة النثر. هذه البناية التي جاورت الأنواع الأدبية في منتصف التسعينيات، لي معها تاريخ من الاضطراب والانزعاج. حبي لأشعار عبد الصبور ودنقل وحجازي ودرويش، يمنعني من الانجذاب لهذا الفن، الذي طالما عدد رواده ومريدوه، مكامن الجمال فيه، وصوره البراقة اللامعة، سارقة الأنظار والأفهام، وحريته في كسر الوزن، الذي يعتبروه أحد التابوهات الكبرى.

أقرأ الرواية في ظروف خاصة. كذلك أفعل مع المجموعات القصصية، ودواوين شعر التفعيلة، والعامية. ربما لا أحتاج لهذه الظروف، وقت قراءتي لديوان نثري. فأغلب ما قرأت من قصيدة النثر، يشبه بعضه. الصور تكاد تكون مكررة، القاموس اللغوي، متشابه إلى حد كبير. لا متعة ولا شغف ولا قلق، فأخرج من الديوان بلا شئ جديد.

في حديثي مع أصدقائي من كتاب قصيدة النثر، دائما ما أقول “ربما العيب في”. لكنني في نفسي، متأكد أن العيب هو عيب النوع الأدبي. ولكن مع ديوان “مدهامتان” للشاعر محمد أبو زيد، عرفت أن العيب ليس عيب النوع الأدبي. فالديوان ينتمي إلى قصيدة النثر، لكن المتعة، والشغف والقلق، تسربا إلى داخلي، أثناء قراءتي، وكأنني أقرأ لدرويش ودنقل وعبد الصبور.

“مدهامتان” هو اسم الديوان، وهي الآية رقم 64، من سورة الرحمن. وهو أيضا وصف للجنتين، الذين وعد بهما الله تعالي لـ”من خاف مقام ربه”، في السورة، وفي اللغة، هو اللون الأسود من شدة الخضرة. هكذا في البداية، يجعلني أبو زيد أفكر، في مغزي اختياره لهذا الاسم.

في طرف الغلاف الداخلي، صورة لطفل معمم. يشبه أبو زيد. لم أجتهد كثيرًا في معرفة أن الصورة، هي صورته وقت أن كان في المرحلة الابتدائية، من دراسته الأزهرية. لم يتغير أبو زيد في ملامحه، إلى حد جعلني أشعر حينما كنت أقرأ بعض قصائد الديوان، أن روح الطفل أبو زيد، حاضرة.

صه أيها الموت / ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث / برائحة البارود والجماجم الطائرة / بالدم والسل والطاعون / لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر / تعبت

بهذه السطور افتتح الشاعر ديوانه. فكانت كالمقدمة، التي تسبق الدراسة. والذي يسرد فيها الباحث أهداف وخطوات دراسته، والنتيجة التي توصل إليها. يبدو أن أبو زيد، سيأخذنا لرحلة من القلق، والخيال القاتم. يتحدث مع الموت، بل يأمره الإنصات، والتروي، ومنحه الفرصة أن يتحدث عن أشياء أخرى، وأن يكف عن نيل القرابين.

في القسم الأول، والذي منحه الشاعر اسم “ذهب محمد إلى الحقل”، نحو 12 قصيدة، سيطرت على معظمها فكرة الحنين إلى الماضي. ففي قصيدة “الغابة الخضراء الواسعة” تجده يقول:

أريد أن أعود طفلا مرة أخرى / أحب / ويتحطم قلبي الغض / أحلم بالكتابة والثورة / أعرف الفارق بين العدو والصديق / أتخلى عن حكمة الشيوخ / وأعود حيوانا بريا / يجري سعيدا في الغابة.

الشاعر أيضا، يرسل بطله، إلى عالم الكهولة، ليحلم معه بزمن كان فيه قويا، يافعا، قادرا على صنع الكثير. في عالم الكهولة، يندم البطل، على عمره، وعلى قوته التي خارت، وعلى حكمته، التي لم تكن. كما في المقطع السادس، من قصيدة “أنا خائف يا أليس”:

عندما أعود صغيرا / سأعيد قراءة كتاب لم أكمله / وضاع مني / سأتوقف عن مطاردة دود القز وأفراس النبي / سألعب / ألعب حتى تنبري قدماي / أحتفظ بقصائدي الأولى التي مزقتها / أمسح جبهة حماري الذي ضربته / اشتري عينين جيدتين من البائع الذي يلف في الشارع / أبكي أكثر على قطتي حتى تعود من الموت / أهرول كي أنقذ كرتي من السيارة المسرعة / عندما أعود صغيرًا ، لن أصبح كبيرًا.

تناقض مدهش، يحمل في طياته سخرية بالغة، بين عنوان قصيدة “السعادة الحقيقية تجدونها في هذه القصيدة” وبين نصها الذي يبدأ:

لأنني أحبكم / أريدكم أن تموتوا الآن / أريد أن أمشي خلف جنازاتكم / واحدا وراء الآخر.

أبو زيد، يمتلك ناصية لغوية عظيمة، ويعشق التجريب. نراه يلعب بالتراكيب اللغوية، في قصيدة “برج الثور: حب جديد يغزو قلبك”. نراه يكرر اللفظ أو التركيب الذي ينهي به سطره الأول، من كل مقطع في القصيدة، في أول السطر الذي يليه:

حبيبتي خضراء كالغابة / الغابة التي احترقت أمامي منذ قليل ….. حبيبتي حزينة كالآر بي جي / الآر بي جي الذي قتلني في الحرب ….. حبيبتي خالدة كالظلام / الظلام الذي يمتصني ولا أراه

في مقطوعة “أعلق صورتي على الجدران وأكتب تحتها wanted” يكتب الشاعر قطعة أدبية، أقرب في الشاعرية، للشعر، وأقرب في الشكل، للقصة.

“فك رقبة” هي آية في سورة البلد، اتخذت من الحكمة مبلغا. بموجبها، حرر الله ملايين من بني البشر، من الرق والعبودية. الآية جاءت في سياق قوله تعالى، “فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة”، ومعناها أن اجتياز العقبة أو أهوال يوم القيامة، وقيل أيضا أن العقبة هي جبل فى جهنم، لا يكون إلا بالأعمال الصالحة فى الدنيا، وعلى رأسها “فك الرقبة” أى تخليص النفس من الرق.

ولكن لماذا أطلق الشاعر، هذا الاسم على القسم الثاني من الديوان؟. أعتقد أنه أراد أن يعتق، أو يفك رقبة الصورة الشعرية، ويحررها من قيودها، ويطير معها في آفاق خلط التاريخ بالواقع بالخيال. ففي مقطوعة “ليل / داخلي” يمزج أبو زيد مشهدا سينمائيا من فيلم غزل البنات، بالواقع كما يراه هو، فيقول:

في مشهد أخير من غزل البنات يبكي نجيب الريحاني وهو يرتشف: “وعشق الروح مالوش آخر.. لكن عشق الجسد فاني”، ثم يقرر ترك قلبه، وليلى مراد في الميكروباص، ويستقل المترو المتجه إلى المرج، حين يناديه قلبه بعد ذلك، سيعلق عينيه على شماعة الحمام حتى لا يراه.

يخرج الشاعر في هذا القسم أيضا، عن المعدل الطبيعي، لحجم قصائده، فيورد قصائدا متناهية في القصر، مثل “مبررات النسيان”، و”تبدو دائما على أهبة الابتسام.. ثم تبكي، و”لا أريد أن أكرر تحذيري لكم”، وقصائد أخرى طويلة، مثل “لو قلت حبيبتي كالقمر..هل أكون كلاسيكيا؟”.

أبو زيد له رواية، أصدرها منذ عامين، بعنوان “أثر النبي”، لذلك هو يقول في قصيدته الأولى “الشاعر والروائي”، من القسم الثالث والذي منحه اسم “الخوارج”:

العام الماضي كنت روائيا / كنت سعيدًا كبطريق / تناول إفطاره مبكرا / ثم لعب الكرة مع سمكتي “حنكليس في الشارع

قصائد هذا القسم بالذات أراها تجارب ذاتية عاشها الشاعر، في طفولته وصباه وشبابه، يعود ليرويها بعد فترة تأمل، ففي قصيدة “أحمد العسكري”، يروي أبو زيد، بشكل موجز، رؤيته الجديدة لمشاعره تجاه صبي فقد ساقيه في حادث، واستبدلهما بساقين حديديتن. أما في مقطوعة “قصة البلكونات الطائرة”، فيعيد صياغة صورة كان يراها دائما في القرية، وهي مشهد تراص سكان القرية في البلكونات، وكأنها معلقة في الهواء، ويشبه هذا المشهد بقصيدته التي هي الأخرى معلقة، بين الأيديولوجيات.

أكثر أبو زيد في هذا القسم من المقطوعات، وربما هو خروج آخر عن شكل القصائد المألوفة، فيورد مقطوعات بعناوين “شاطر ومشطور وبينهما جثة”، و”لغز الحلم”، فضلا عن “قصة البلكونات الطائرة”.

في قسم “القصائد المرة”، ربما يستعين الشاعر، بفكرة سلسلة الأفلام الأمريكية، التي حملت اسم “فيلم رعب”، و”فيلم تاريخي”، فأتت قصائد أبو زيد بأسماء “القصيدة الخراب”، و”القصيدة السامة”، و”قصيدة رعب”، و”قصيدة أكشن”، و”قصيدة اجتماعية”.

هذا القسم بالتحديد، أراه أفضل أجزاء الديوان، فقد تملكت أبو زيد خلاله، روح الشاعر المبصر، المتملك من أدواته اللغوية والخيالية. يجعلك تتحرك بروحك، وتعبر القارات، بحثا عن منزل باولو كويلو، مثلا في “القصيدة الخراب”، أو حانة إليوت، في “القصيدة السامة”، أو شوارع أفلام آل باتشينو، في “قصيدة أكشن”. تتحرك في الزمن، لنقرأ أشعار الميدوسا، والكوميديا الإلهية، وقصة تاجر البندقية، وتاريخ عصر المماليك.

“عاد لينتقم”. هو عنوان القسم الخامس، من الديوان، وفيه تحدى الشاعر، قصيدة التفعيلة، والقصيدة العمودية. فيكتب قصيدة “صورة القاف على التي شيرت الأزرق”، وهي قصيدة عمودية، من بحر البسيط، يقول فيها أبو زيد:

يا قاف يا قلق يا قاف يا قلقي / قد وافق القوم لكن ويحه ودقي

قلق تدفق في الانفاق مفتقدا / دق النقيق إذا ما ضقت يا طرقي

الشاعر يقيم علاقة حية، مع الأنواع الأدبية، يجعلها هدفا مرة وسخرية مرة أخرى، كل ذلك في نصوص تشعر معها بأن النوع الأدبي كائن حي له لحم ودم.

في قصيدة “من أخبر هذا المقهى أني صعلوك؟”، يعود الشاعر لشكل التفعيلة، ويكسره تماما، في القصيدة الثالثة من هذا الجزء، “نعناعة في فستان عائشة”، فيملأه بالهوامش والمشاهد، والتي تشكل تحديا لشكل القصيدة.

في القسم قبل الأخير، والذي يحمل عنوان “أحفر مقبرتي وأغني”، يقدم الشاعر مجموعة من القصائد، تؤهل قارئه للنهاية، وكأن أبو زيد يقرأ معنا الديوان. فهو يكسر الإيهام والحاجز، بين القارئ والنص، بصورة مذهلة.

وفي القسم الأخير، والمكون من قصيدة واحدة، حملت عنوان “من يدل الكفيف – مرة أخرى – على الطريق يا رب؟”، يجعلك أبو زيد تشعر، بأنها نهاية حياة الشاعر، فهو يمارس هوايته، التي بدأها في ديوانه، بكسر كل الحواجز، وتحدي كل الصعاب، في أنه يجعل من الديوان، وكأنه حياته التي تنتهي بنهاية الديوان.

ـــــــــــــــــــــــــ

نشر في موقع مصر المحروسة

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

صه أيها الموت

محمد العشري

“صهٍ أيها الموت./ ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث/ برائحة البارود والجماجم الطائرة/ بالدم والسل والطاعون/ لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر،/ تعبت”. هذا الكلام الفادح المعترف والمستسلم للتعب يبدأ به الشاعر المصري محمد أبو زيد ديوانه الجديد “مدهامتان” الصادر حديثاً لدى “دار شرقيات” للنشر بالقاهرة، في محاولة ثرية تضيف إلى رصيده الشعري ألقاً وتميزاً واضحين.

في كل من مجموعاته السابقة استطاع الشاعر أن ينحت عالمه الشعري الخاص، ويعبّر عنه بمفردات دالة، تتكئ على بساطة اللغة، وتحليقها المراوغ في فضاء التفاصيل اليومية المعيشة، والعودة بها إلى الذات في مراحل تكوينها الأولى وإكتشافها العالم الخارجي: “أريد أن أعود طفلا مرة أخرى/ أحب،/ ويتحطم قلبي الغض/ أحلم بالكتابة والثورة/ أعرف الفارق بين العدو والصديق/ أتخلى عن حكمة الشيوخ/ وأعود حيوانا بريا/ يجري سعيدا في الغابة”.

يسقي الشاعر ساق القصائد بماء المشاغل اليومية التي تمارسها الذات، وتُراكم في داخلها خبراتها الحياتية يوماً بعد يوم. فهي ترتاد المقاهي، لتقرأ عناوين الأحداث في وجوه الناس. تشتري حاجاتها من الجمعيات التعاونية، تركب الحافلة وتسافر بعيداً، ثم لا تلبث أن تعود إلى ذاتها منسلخة من أثر الواقع: “في اليوم الأول لتركي العمل/ لم يستطع هاتفي تحمّل كم الاتصالات/ فسقط على الأرض يلهث”. فواصل زمنية تشتت الذات المشردة في البحث عن أناها، وهي تسعى للإمساك بخطوط العمر، الذي يتركها ويرحل مسرعاً كقطار هارب، ويترك تلك الذات عنواناً للذكرى والأسى: “مع الأيام/ أتحول لصورة معلقة على الحائط/ لا أهش على غنمي/ ولا التراب من على حواجبي/ تتغذى ذاكرتي على النسيان/ تسقط اللقمة من فمي/ أنسى أين تركت/ عينيّ/ وانصرفت باكيا”.

للقارئ أن يشاهد صور القصائد، بهياكلها المكسوة باللحم الحي، وإنسانيتها العذبة تمر في شرايينها بما يضخه محمد أبو زيد من صور وأخيلة، تمثل فواصل جوهرية في التعرف إلى الروح الإنسانية، وما يشظّيها في مجتمعها الضيق. تدرك الذات أسباب سعادتها، فتمد أصابعها وتلمس جدار الحقيقية: “لأنني أحبكم/ أريدكم أن تموتوا الآن/ أريد أن أمشي خلف جنازاتكم/ واحدا وراء الآخر/ كإله إغريقي يدفن نصفه البشري في رضا”. سرعان ما تقع الذات في جب سحيق، حين تكتشف الوجه الآخر: “لا أعرف شيئا  اسمه الحب/ أعرف النصال الغائرة والخيانة/ أعرف القسوة والصدور المثقوبة/ بريح صرصر عاتية/ أعرف الرصاص الذي حوّل جثتي لمصفاة/ جثتي الملقاة أمام غابة مطفأة”.

يعرف محمد أبو زيد كيف يمسك بأطراف أوجاع قديمة، ويعريها في العراء، ليصطاد منها أشياءً مهملة في تاريخ الشعر، برغم أنها نخرت في أجساد المصريين فترة من الزمن، ولا يزال الريفيون يعانون منها أو يتذكرونها بما تركته من آثار وآلام جسيمة، قضت على الكثيرين الذين كانوا يجلبون رزقهم بالخوض في الوحل والماء العكر، فأصابهم مرض البلهارسيا الفتاك: “قتلتني البلهارسيا/ فبعت في السوق ذراعي الأخرى/ ونسيت الكتابة/ توقفت عن إشعال الشموع للعذراء/ وقيام الليل/ والاحتفال بعيد الفلاح/ وأنا أعدو عائدا من المقابر”.

اللافت أن هناك وجها نسائيا يَعبُر مع محمد أبو زيد دواوينه. تلك هي ميرفت عبد العزيز التي أصبحت حالة مستمرة ترتدي قصائد الشاعر، وتدلف معه من مجموعة إلى مجموعة، وها هو يترك ذاته تناجي الطيف الأنثوي العابر في حياته، والمستقر في مخيلته ولا يستطيع الفكاك منه: “سواء قرأت ميرفت عبد العزيز/ هذه القصيدة/ أم لم تقرأها/ ها أنا ذا أجدد الكتابة/ مثل عجوز يسلي وحدته/ باصطياد طائرات الأطفال الورقية”.

في لمحة ذكية يطير خبرً عن روايته الوحيدة “اثر النبي” لدى الناشر نفسه، في مراوحة ما بين الشاعر والروائي. ففيما يبدو الروائي سعيداً وهو يكتب روايته، يظهر الشاعر حزيناً في الإمساك بقصائده: “العام الماضي كنت روائيا/ كنت سعيدا كبطريق/ تناول إفطاره مبكرا/ ثم لعب الكرة مع سمكتي “حنكليس” في الشارع/ الآن أنا شاعر/ والشاعر حزين بطبعه/ حزين وهو يرى الأسطر تتساقط/ تحت سواد قلمه/ مثل حفار قبور”.

ــــــــــــــــــــ

نشر في جريدة النهار اللبنانية

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

الموت يحلق فوق قصائد محمد أبو زيد

مجدي عبد الرحيم

محمد أبو زيد من الاصوات الشعرية ذات الملمح الخاص والتجربة الثرية، يرهق نفسه كثيرا لكتابة نصوص مختلفة عما هو سائد ويقدم رؤية لا تستطيع الوصول لمكنونها بسهولة لما يملكه من لغة ومفردات وآليات جمالية سواء على مستوى الرمز والشكل والمضمون والتجديد والتجريب، يغوص بسخرية مريرة فى أعماق النفس البشرية بكل تقلباتها واحزانها عبرمشروعة الابداعى المتصل بداية من ديوان ثقب فى الهواء بطول قامتى، مروراً باعماله قوم جلوس حولهم ماء، نعناعة مريم، مديح الغابة، طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء، رواية أثر النبى .

وفى ديوانه الصادرحديثا عن دارشرقيات بعنوان ” مدهاماتان “، وهى الآيه رفم 64 من سورة الرحمن فى القرآن الكريم  ومعناها اى خضراوان من الرى ، وقاله ابن عباس وغيره، وقال مجاهد مسودتان فى اللغة السواد ، والعرب تقول لكل اخضر أسود وسميت قرى العراق سوداء لكثرة خضرتها، وهكذا يضعنا ابوزيد على عتابات النصوص بين السواد وحيرة التلقى والابحار فى التيه، لا يوجد اهداء فى البداية  ولكن يوجد مفتتح ومدخل للديوان، يقول :  صه أيها الموت /ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث/برائحة البارود والجماجم الطائرة/بالدم والسل والطاعون/لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر/تعبت.

قصيدة بلا عنوان  تحمل زفرة آلم ووجع ورسالة الى الموت المخاطب كثيرا فى الديوان، ويقول: أريدك فقط أن تمهلنى قليلا /لأنهى هذه النار المسكوبة في جوفي

صورة جيدة  يترجى الموت الإنتظارقليلاً لا من اجل الحياة لكن لينهى النارالتى لو تركت مشتعلة لمات كما اراد ، ويقول: إيه أيها الموت/ أنا جاهز تماما / /هل يمكنني أن أستريح ؟ ختام جيد للقصيدة واستكمالا للصورة هو الان جاهز لراحة الموت التى ربما وجد فيها الخلاص والذات الشاعر هنا فى حيرة شديدة وأختيار صعب فهى تفضل الموت على حياة جرداء لا خير فيها .

الديوان مقسم الى سبعة اقسام :ذهب محمد إلى الحقل، فك رقبة، الخوارخ، القصائد المُرَة، عاد لينتقم، أحفر مقبرتى وأغنى، القصيدة الأخيرة، ويحتوى على 58 قصيدة تتراوح مابين الطول والقصر، التقسيمات افادت النصوص، لكن ذلك لا يتضح من القراءة الاولى، فالشاعر يضعك دائما داخل الحالة يعيشها معك بتفاصيلها التى تجذبك وتحيرك وتشغل عقلك فهولا يخدعك ولا يزيف الواقع بل يقدم صورة صادمة وكاشفة وفاضحة للواقع المرير.

فى قصيدة “الغابة الخضراء الواسعة”ً اختزلت المعانى فى عبارات قصيرة تلغرافية افصحت فى بساطة رائعة وبغير تكلف، منها قوله: وأعود حيوانا بريا/ يجري سعيدا في الغابة،ويقول: لأطلقت سراحكم جميعا/ فى الحقول الخضراء،  يصورنا مساجين فى الحياة رغم اننا طلقاء، وفى قصيدة”مالا أريد قوله” لم أولد وفى فمى ملعقة من ذهب أو صفيح/لم أولد وفى فمى ملعقة من الاصل / لاننى بلا فم يا إخوتى، قصيدة توحى بالكثيرمكثفة ومختزلة تكاد تفضح عالمنا وواقعنا بما اوحت إليه ولم تصرح به، وف قصيدة” أرص الصور بجوار بعضها فتكتمل الحياة” أجلس فى ركن المقهى/ينير الناذل عيونى الزجاجية/ يغير القهوة التى بردت/ أعد البناطيل المارة..والايام المرة،تجد تحير المتلقى ماذا ينتظر هل الموت الذى اكد عليه فى نهاية القصيدة، ام عمره الضائع ام حبيب غائب ام مفقود اخر، وفى قصيدة” ولد يتثاءب وينظر من الحافلة” ما شدنى نهايتها كأنها الحكمة والسخرية ، ما أمتع أن تجلس في الحياة / بلا رفيق معك، وفى قصيدة” أف .. المصعد متعطل كالعادة” محملة بالخبرة بالكتابة لشاعر يمتلك الرؤية والتصويريقول: سكان الادوار الاخيرة فى ناطحات السحاب/ يدعون الشمس كل يوم لتناول الإفطار/ وفي الليل يضيئون شموسا صغيرة، المفترض فى الليل يضيئون قمروليست شموس ، لكنهم اغنياء يستطيعون فعل كل شئ، ويقول:البعض يفضلون أدوار المنتصف/ القريبة من كل شئ/يضيعون أعمارهم على السلم ،يخططون لشراء مقابر مناسبة/ يقيدون

الزمن فى مقبض الباب / يربتون على كتفه كببغاء أخرس، وليست هذه السخرية التى تغلف القصيدة مجرد سخرية الواقع بل هى تقليب لما بداخل الشاعرالإنسان فى آن واحد فهو لم  يفقد الآمل فى تحقيق حلمه البسيط الذى يكمن فى سنين قادمة تحتويه لأنه يتعامل بوعى يرى النور فى الظلام رغم هذه المتاعب التى يمر بها ليل نهار، وفى قصيدة” وحدي في المنزل” يقول: في اليوم الأول لتركي العمل /لم يستطع هاتفي تحمل كم الاتصالات /فسقط على الأرض يلهث/بعدها بأيام/ كان النوم يصاحب هاتفي قليلا/ وعندما توقظه مكالمة/ يحاول إطالتها بقدر الإمكان/ الآن/ يضع يده على خده/ ينظر إلىّ وأنا أكتب القصيدة، يمكن ان يطلق عليها قصيدة الديوان رغم قصرها الا انها قالت الكثير والكثير، قصيدة محملة بالمعانى والتجارب الحياتية الزائفة التى يغلب عليها المصالح،وتقدم رؤيا كاشفه فاحصه بعين خبيرة ، تمتلك ابعاد إنسانية لقضايا وتحولات البشر ، وتجيد ايضا تعرية الواقع وتجريدة من الزيف ، رؤية لاتهوى أنصاف الحلول واللعب بالألوان ، وفى قصيدة” أعلق صورتي على الجدران وأكتب تحتها  wanted”يقول: الشعرالنصيحة/ وأنا أنصحكم أن تنسونى/ أن تنسوا وجهي وابتسامتي ولون ظلى/  قصيدة دائرية ما تكاد تنتهى منها لتعود لبداية النص، حوت اشياء كثيرة رغم البساطة البادية على وجه القصيدة الا انها عميقة ومعبرة ، وهكذا ينجح ابو زيد فى تثكيف ظاهرة الأغتراب داخل الوطن فتبدو عناصره الفنية متآلقة،كما نجح فى المزاوجة بين المعنوى والحسى فى تجربة شعرية متماسكة ،فهو يملك من الأدوات ما يمهد له سبيل الإجادة والتميز والتحليق فى مملكة الشعر ويختزل المشاعر فى عبارات بلاغية وفى كلمات مكثفة ذات لغة لها الكثير من المعانى والدلالات ، وفى قصيدة”أنا خائف يا أليس يقول: “أضع يدي فوق جبهتي/وأنظر من أعلى للعمر الذي ترك يدي /وهرول بعيدا/ أبحث عن ولد كان يسير هنا أمامى واختفى/ كنت أرعاه بألوان عينى / أبحث عنه فى الكتاب المصفر/ أحاصر روحه/ بخطوط يدى الباهتة،يضعنا الشاعر امام مأزق انسانى نبيل فكلنا هذا الباحث،على الرغم من سيطرة الحزن والحسرة على كل ما هو جميل ، فالشاعريحدد هذا الجميل فى صور متتابعة تبدأ بلحظة جوهرية متميزة تلغى من النص أية زيادات أو تفاصيل لا تحتاجها القصيدة ثم يبدأ بتتابع المشهد الشعرى ويرصد فيه صورا شعرية تصور هذه اللحظات الجوهرية ويعنى هذا تركيز الشاعرعلى عدة مفاتيح أختارها بعناية مما يجعل لمدخل النص أهمية قصوى فى تفهم خطابة الشعرى المركز ، وفى قصيدة” السعادة الحقيقية  تجدونها في هذه القصيدة ” يقول:لأنني أحبكم /أريدكم  أن تموتوا الآن/ أريد ان أمشي خلف جنازاتكم /واحدا وراء الآخر، قصيدة حالة ،والعنوان معبر ودال وهى صورة صادمة تقف امامها فى حيرة شديدة ودهشه ، إن لم تستطيع أن تتفاعل وتتعاطف معها بقوة ، فهى تقف على مقربة منك تكاد أن تتماس مع ما تحياه ، ولاتستطيع الفكاك منها بسهوله. وفى قصيدة”برج الثور: حب جديد يغزو قلبك” حبيبتي خضراء كالغابة/الغابة التي احترقت أمامي منذ قليل/كنت مختبئا في العناية المركزة/والجلوكوز يتدفق إلى الأشجار/كنت نائما فوق سحابة/ ودموعي تملأ البحر بالملح والصدف/كنت يوما غابة /وكانت حبيبتي خضراء، وهو تكرار يفيد المعنى ويثريه، وتأتى المقاطع الخمسة: حبيبتى حزينة كالآربى جى، حبيبتى جميلة كديناصور، حبيبتى خالدة كالظلام ،ويختتم القصيدة : لم أقل الحقيقة/ ليس لى حبيبة زرقاء/ ولا نهر مستأنس/ ليس فى جيبى مصباح/ ولا قلتى ممتلئة على النافذة، هكذا يرسم ابوزيد خطة للقصيدة بطريقة لا تجعلها واضحة المعالم للقارئ منذ البداية، ثم يختار الأسم الذى كان موفقا ، ولأن النص الشعرى هنا مشهد  متعدد الوجوه رغم الأنفعالية الحادة بعض الشئ المسيطرة على لغة النص الشعرى ألا إنها لغة جذابة تدخل إلى القلب فى بساطة آسرة ، وفى قصيدة ” أتنهد هكذا” يقول :أنا القط الذي انقرض/أنا الموسيقى الهاربة من البيانو/أنا غابات الزيزفون التي يكرهها النقاد/أنا .. أنا/وأنت .. أنت، تقدم القصيدة للوجود والمصير وهى تنضج بالشجن الجميل والأسى النبيل والشاعر يجاهد نفسه طويلا وهو محاصر بوعود كاذبة وعيون لا ترى الحق وزمن يقتل الأشياء الجميلة من حوله، وفى مقطع اخر يقول:الموسيقى التي ظللت أسمعها لأعوام /كانت تنساب من الجدار/ تشبه عينيك، نختبئ في رسائل البوسطجي/ تنام دموعنا بين السطور، هكذا تمضى القصيدة عبر حاله من الحزن المغلف بالضياع فالكل قد تجمع ضده ، وقد اجاد الشاعر فى تكرار مقطع أو عبارة ” أنا.. أنا وأنت ..أنت” فقد أعطى بعدا موسيقيا تلتقطه الأذان والقلوب معا ، وفى قصيدة”حبيبتي نظيفة وجميلة ومتطورة” الدرس الذي تعلمته من القتلة / الجريمة لا تفيد/ الدرس الذي تعلمته من القتلة/ كن قاسيا بلا قلب/ لا تدعهم يكتشفون أنك شاعر/ وأن قلبك طفل يلهو فى المولد أمام أمه/ وفى الختام يقول: الدرس الذى تعلمته من القتلة/ لا تترك وراءك أثرا/ ولا قلوبا محبة، رغم قسونها لم استطع ان اكرهها وشدتنى سطور الختام وهى قصيدة مكثفة ذات أبعاد صيغت بحرفية فنية عالية  ، واستطاعت أن تصيب الهدف بأقل الكلمات وبدون صخب أو إفتعال ، وفى قصيدة”أحمد العسكري” يرفعه المعلم منزوع القلب /ليضربه على قدميه/ أحمد عبد الحفيظ العسكرى/ الذى يجيد رسم نظرة المسكنة/ يخلع ساقيه الحديديتين/ساقا وراء الأخرى/ وعيناه تتساءلان عن الرحمة/ في حصة المدرس الكفيف/ نضع أيدينا فوق أقدامه/حتى لا تجرجرنا نظراته/ من قلوبنا الصغيرة إلى النار، قصيدة حاله وتذكر لاحداث ربما تركت اثرا فى النفوس ورغم مرارتها تجعلك تشعر بالقوة فى عزالضعف،  وفى قصيدة “شاطر ومشطور وبينهما جثة ” قصيدة جيدة كنت افضل ان تسمى(أريد أن أبكي يا أمي؟) يقول فى عدة مقاطع : كنت طفلا، ألون السماء بالأزرق فيصحو الجو، بالرمادي فتمطر، بالأحمر فتحتلين قلبي، بالأسود فتموت أمي، قلت لأمي: المدينة غيرتني ولم أعد أنا، فلا أنا القروى الساذج، ولا هذه طريقتي في  البكاء، قلت لأمي وحبيبتي: قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل وشاعر بلا اسم ، المنزل احترق وكنت في الناحية الأخرى أنفخ حتى ينطفئ فيزداد اشتعالا ، قلت لأمي حين مررت من أمامي لم أكن هنا ، لم أكن أنا، قلت لأمي حين أموت لا أريد أن يمشي في جنازتي شعراء ولا نقاد ولا باعة صحف، قلت لأمي أريد أن أموت يا أمي، الكلمات والعبارات غير مجانية ولها مدلول، والشاعر مهموم بقضايا الانسان بوجه عام يشغله وجوده وتفاعله مع الكون وعلاقته بمن حوله ، يبحث عن جوهر الاشياء  يغوص فى الاعماق لنرى خفايا النفس البشرية، وفى قصيدة ” لم أخطط لهذا طوال عمري” لا قلب لي  /أتخلص منه مبكرا وأواصل حياتي /القلوب البديلة ملقاة على قارعة الطرق/ كباعة البطاطا/لكنني أفضل الانصراف مبكرا/في شارع نصف مظلم/إلى بيت وحيد /آخر الدنيا /أتناول عشائى مع قطتي في طبق واحد، وفى مقطع اخر: التي قالت لي: أنت أخي، ميتة الآن/التي قلت لها: أنت أختي، تركتني ميتا/التي لم نلتق كثيرا ،صارت جميلة كالظلام/التي تبادلت معها الصمت/ لونت معها كفني/التي أخذت البيعة من دمي/نائمة الآن على البحر/وأنا جثة ممددة على الشاطئ الآخر، هكذا للحياة وجهان الحزن والفرح والذات الشاعرة هنا تقابلك كثيرا مع الاحزان ، ورغم ان الموت يحوم دائما حول قصائد الديوان الا ان تعامل الشاعر مع الاحداث يجعلك تبتسم اوتضحك ربما من فرط السخرية والاحساس بالالم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في جريدة القاهرة

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

بازل محمد أبو زيد..الشعر ينفجر لحظة اكتمال الصورة

حسن عبد الموجود

“أضبط برودة الثلاجة/ وأترك قلبي وحيداً في الداخل/ خائفاً عليه/ من عواء الريح في الأفق”. لا يخاصم محمد أبوزيد المجاز، ولكنه لا يعتمد عليه بشكل كلّي. المجاز يشبه قشرة في ديوانه الجديد “مدهامتان”، أو بالأدق لمسة الحنين إلي الأشكال القديمة، فكيف تتفجر الشعرية إذن من أسطر هي في الأغلب أقرب إلي تقرير؟! أو بشكل أدقّ.. هل يمكن تفجير الشعرية من التقرير؟!

نعم هناك إمكانية لتفجير الشعر من لغة مباشرة وواضحة، ممزوجة بقليل من المجاز، فالدهشة تخطفك مع اكتمال المشهد. الشاعر يسرد التفاصيل، ويعيد تركيب أجزاء الصورة بطريقة البازل، يعيد قص العالم ولصقه، ليجبرنا علي رؤيته من خلال منظوره هو، لا من خلال رؤيتنا الواقعية. الألفاظ هي الألفاظ، ولكن ترتيبها الجديد هو ما يصنع الاختلاف. وفي الأغلب سيبدو كما لو أن شيئاً ناقصاً ما لم تصل إلي السطر الأخير، ما لم تكتمل الصورة، وهكذا ستشعر بروعة المشهد الكلي، وسينفجر الشعر “سكان البدرومات/ يأخذون كرات أولادهم/ التي اتسخت/ من كثرة اللعب في الشارع/ يرفعونها كل مساء/ قمراً ينير طريق الليل في عودته”.

في مداهمتان العالم شديد الوضوح، ألوانه صارخة، ربما تعويضاً عن المجاز، شبه الغائب “اليوم فقدت الأخضر/ وبالأمس الأزرق/ لم تعد هناك سماء ولا حقل ذرة/ لا يرقات ولا غابات أمازون/ الأحمر يستلونه مني/ ولا أقوي علي الزود”، ولكن لا يعني وضوح الألوان أن العالم مبهج، فالروح التي تُسيطر علي الديوان تحاول الهرب من شيء ما، من إحباط ما، من ذكري مؤلمة “تتغذي ذاكرتي علي النسيان” إنها روح قلقة وخائفة علي الدوام “أصبحت أخاف/ الكلاب الساكنة والمراهقين/ أهتم بالنظارات وقياس الكولسترول/ بمصادقة طبيب عظام جيد/ بأسعار المقابر في صحف الصباح”. إنها تخشي الحقيقة المؤلمة، حقيقة الموت “مع الأيام/ أتحول لصورة معلّقة علي الحائط”.

تتمني تلك الروح لأحبتها أن يسبقونها إلي العالم الآخر، فربما يكون أكثر جمالاً “لأنني أحبكم/ أريدكم أن تموتوا الآن/ أريد أن أمشي خلف جنازاتكم/ واحداً وراء الآخر”. لا. تجزم تلك الروح بأمان العالم “سأكون سعيداً وأنا أغلق عينيك عن هذا العالم/ هناك ستكونين بمأمن/ سأتنهد بارتياح/ وأنا أضع آخر طوبة أمام فتحة القبر”، تجزم أيضاً بصعوبة تكوين العلاقات رغم أن هناك ما يدعونا إلي هذا “يقول موقع yahoo/ إن التفاهم صعب/ والعلاقة متعبة/ ومثيرة للأعصاب/ وإنه لا توجد ثقة كافية متبادلة/ بالرغم من أن الثور مفكر ومهذب/ والدلو مفعم بالحياة ومثالي/ أريد أن أصدّق الأبراج/ هذه المرة”.

يملك محمد أبو زيد خبرة شاعر كبير، خلصته من مشاكل قصيدة النثر، خلصته أولاً من أن يكون رقماً في طابورها، وأيضاً من أن يكون جزءاً من الحالة العامة، أو القصيدة الواحدة التي يكتبها كثيرون، والاستثناءات حاضرة طبعاً وإن كانت قليلة. لا يترك اللغة تُسيطر عليه، وحتي لا يكون الكلام عاماً فإن هناك مثالاً بخطأ تكرار الفعل المضارع، لأنه يشيع حالة من الملل. أبوزيد لا يفعل هذا وإنما يستفيد من أساليب السرد الحديثة، فهو ربما يكسر الرتابة بتساؤل، بصوت آخر، إنه يكسر حالة الديوان نفسها بقصيدة عمودية، أو قصيدة تفعيلة، لا ليستعرض عضلاته، ولا كنوع من الحنين إلي الأشكال القديمة، لأنه يسخر أصلاً من الإكلشيهات “لو قلت إنك زرتينني في الحلم/ سأكون كلاسيكياً/ ولن يُصدّقني أحد”، ويعلن كراهيته للأغراض الشعرية “كل قصائد الحب القديمة هراء”، إنه يفعل ذلك في الأغلب ليخلق إيقاعه هو، لا إيقاع التداعي الذي يجعلك كأنما تنصت لصوت خبطات بطيئة صادرة من بعيد تصيبك بالقلق، وذلك الخروج علي التداعي النمطي لا يعني صدم القراء، حيث تبدو لعبة الكتابة واضحة من القصيدة الأولي، وهكذا يستطيعون الإحساس بهارموني القصيدة، رغم النقلات الفجائية في القصيدة الواحدة. انظروا.. يقول “ذات يوم/ سأتحول إلي سفينة سوداء/ عيوني قراصنة/ تنبض قلوبهم بالمحبة”، وبعدها مباشرة “ذات يوم كان لي دراجة/ أصعد بها إلي السماء”. هل أضاف ديوان “مدهامتان” إلي الشعر؟! بالنسبة إليّ أصبح محمد أبوزيد شاعراً قادراً علي صناعة الفارق.

ــــــــــــــــــــــ

نشر في جريدة أخبار الأدب

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

الشاعر محمد أبوزيد: الثوار تغلبوا بخيالهم على المبدعين

2012-12-21 18.23.08

حاوره: السيد حسين

أصدر الشاعر المصري محمد أبوزيد ديواناً جديداً بعنوان «مدهامتان»، جاءت قصائده متميزة وطرحت مفاهيم شعرية كثيرة وطرقاً في الكتابة الحديثة وارتباطها بالواقع الإنساني ومشاكل الوطن وهمومه وقضايا التراث الشعري. «الجريدة» التقت أبوزيد في الحوار التالي.

ـ يبدو «مدهامتان» اسماً غريباً وثقيلاً لديوان شعري، لماذا اخترت هذا العنوان؟

ـ اسم الديوان ليس غريباً لأن «مدهامتان» أصغر آية في القرآن الكريم في سورة «الرحمن»، وتعني الأخضر المائل إلى السواد. لا يتضمن الديوان قصيدة تحمل هذا الاسم، إنما تعبر نصوصه كافة عن هذا المعنى، حالة الضياع بين الأخضر والأسود، بين الماضي والمستقبل، بين الذكريات والحاضر القاتم.

ـ لماذا يميل الديوان إلى الأجواء الصوفية وقصائده أقرب إلى البكائية؟

ـ البكائية، أو العدودة، جزء من ثقافة الصعيد الذي أنتمي إليه. لا أستطيع كتابة الشعر وأنا أشعر بالسعادة لأنه بالنسبة إلي بوابة الخروج من الاكتئاب والحزن إلى الحياة. كذلك أرى أن البحر هو الحياة فأذهب إليه وأكتب الشعر كي أتنفس مجدداً. أما الأجواء الصوفية، فهي جزء من رسالة الديوان، وهي مستقاة من حالة القصائد كافة، حيث تبدو الرحلة إلى الصوفية والانغماس فيها هروباً من الحياة ذاتها إلى ملاذ آمن، فالقصيدة الصوفية تتجاوز اللغة والمفردات إلى حالة أريد تصديرها إلى القارئ، علماً أنني أرفض النظر إلى التراث كصنم، وأحاول تفجير النص الصوفي وتقديمه بشكل أكثر حداثة. يقدم الديوان بكائية للطفولة، للذكريات، مرثية للحياة، وهو حالة كبيرة من النوستالجيا لا تخص الشاعر وحده، بل جيلاً بأكمله. أشير هنا إلى أني أكتب عن هذا الطفل الذي كنته والذي أريد أن أكونه كما في «أنا خائف يا إليس»، وفي أول قصيدة في الديوان أقول «أريد أن أعود طفلا».

ـ يأتي ديوانك في سياق قصيدة النثر، لكنه يقدم في الوقت نفسه نصوصاً من التفعيلة والعمودي، لماذا؟

ـ أعتقد أنه من المعيب على الوسط الثقافي في مصر الجدال في شأن قصيدة النثر وأحقيتها في أن يُنظر إليها على أنها شعراً. آفة الثقافة المصرية هي نفي الآخر، وهذا ما جعلني أضم قصائد تفعيلية وعمودية إلى النص، فالشاعرية هي الفيصل في النصوص لا طريقة الكتابة. كلامي هذا يؤكده وجود قصائد نثرية وعمودية وتفعيلة رديئة، وأخرى عظيمة. الحديث عن شاعرية هذه أو تلك إنما يشبه الحديث عن دائرية الأرض، هذا الأمر تم تجاوزه في أدبيات الثقافة العالمية منذ زمن، ومن العار أننا ما زلنا نتحدث فيه.

ـ أنت أحد كتاب شعر العامية، كيف ترى الاختلاف بينه وبين شعر الفصحى؟

ـ لدي ديوان بالعامية على اسم مدونتي «مزيكا حزايني شويه»، لكنني لم أنشره ولن أنشره، لأنني أرى أنه يعبر عن مرحلة زمنية من عمري، فيما أن القصيدة الفصحى هي التي تعبر عني الآن، علماً أن كلامي لا يشكل إنقاصاً من قيمة العامية، فديوان الأطفال الذي نشرته «نعناعة مريم» كان بالعامية.

ـ ألا ترى أن كتابة الشعر للأطفال تحتاج إلى مقومات وظروف خاصة، فكيف استطعت ذلك؟

ـ الشعراء والكتاب كلهم يجيبون عن هذا السؤال بقولهم إن الكتابة للأطفال أصعب من الكتابة للكبار، لكني أرى أن النجاح في هذا المجال يكمن في استحضار روح الطفل الذي كنته يوماً، أي كيف كنت أغني، وماذا كنت أحب، ثم إعادة كتابة الذات.

ـ بمن تأثرت في أعمالك الشعرية والروائية، وما هي أهم المناطق الخاصة في الشعر التي أثرت على تجاربك؟

ـ تلفتني النصوص الجيدة بغض النظر عن كاتبها. أقرأ في الرواية كثيراً، لا سيما أدب أميركا اللاتينية. كذلك طالعت التراث العربي في الشعر جيداً. بدأت بكتابة القصيدة العمودية ثم التفعيلية وصولاً إلى النثر، وفي كل مرحلة كنت أقرأ كل ما يقع تحت يدي منها، وما زلت أفعل ذلك حتى الآن. أدين بحب قصيدة النثر لمحمد الماغوط وشارل بودلير، وأدين لمحمود درويش وإبراهيم داود وجمال القصاص وحلمي سالم ومحمد سليمان بالكثير.

ـ كيف ترى واقع الحركة الثقافية بعد مرور عام على ثورة 25 يناير؟

أ كسرت الثورة تابوهات الخوف داخل كثير من الكتاب، لكنها وضعتهم في مأزق لأن الخيال السياسي لدى الثوار كان أعلى من خيال المبدعين ذاتهم، لذا تغيرت آلية الكتابة وربما تحتاج إلى روح ثورية عالية جداً، على الأقل توازي ثورية الميدان الذي غير معالم الحاضر والمستقبل.

ـــــــــــــــــــ

نشر في جريدة الجريدة الكويتية

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

أتنهد هكذا

أنا القط الذي انقرض

أنا الموسيقى الهاربة من البيانو

أنا غابات الزيزفون التي يكرهها النقاد

أنا.. أنا

وأنت.. أنت

والمسافة بيننا تكفي لمرور فراشات وقطار متأخر  ولعنات وليدة

المسافة غير كافية لمرور صرختي.

الموسيقى التي ظللت أسمعها لأعوام

كانت تنساب من الجدار

تشبه عينيك

عقب الجنازات الطازجة

تشبه البيوت التي تطير بنا إلى صانع المعجزات

كنا أشقياء

نهرول في البهو بحثا عن هواء نقتله

نعلق المشانق للأرانب والبالونات الطاعنة في السن

نغني مع الضفادع

في البحيرات المرة،

نفتح أبواب الجنة على النائمين

نوقظهم للقتال

نرقص العصا بأقدامنا الصناعية أفضل من حطاب

نسهر في الحانات حتى صلاة العشاء

كنا مجرمين حقا

نختبئ في رسائل البوسطجي

تنام دموعنا بين السطور

تتعلق بأقراط فتاة نسيها الحب

فظلت خمس سنين على الجسر تسقي الغيطان

وتقدم طعامها للأشباح الناعسة في الترعة

أنا القط الذي انقرض

أنا الموسيقى الهاربة إلى البيانو

أنا غابات الزيزفون التي يحرقها النقاد

أنا.. أنا

وأنت.. أنت

والذي بيننا..

والذي كان بيننا..

والذي كان يوما..

لم يعد بيننا

 
أضف تعليق

Posted by في 7 نوفمبر 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة: