RSS

Category Archives: قوم جلوس حولهم ماء

في ‘أثر النبي’ لمحمد أبو زيد: متخيل الأزمة وأفق التغيير

د.محمد المسعودي*

(1)

توصلت برواية ‘أثر النبي’ من الصديق الشاعر والروائي محمد أبو زيد و’الثورة المصرية’ في بداية عنفوانها: يوم 1-2-2011. قرأتها في يومين متتاليين أثناء متابعتي المتواصلة لأحداث مصر، فكانت هذه القراءة من وحي هذه الوقائع، وبإيعاز من أجواء الرواية التي لا تبتعد كثيرا عن معالجة واقع الإنسان المصري والعربي خلال المرحلة الراهنة تخييليا.

ومحمد أبو زيد نموذج للشباب المصري المثقف الذي آمن بالتغيير كتابة وحياة، وبشر به في أعماله الشعرية التي حملت بذور الرفض والتمرد والحلم بآفاق ممكنة للحرية والكرامة والعدالة وقيم الخير والسلام. ونظرا إلى أن الروائي خرج من صلب الشاعر، ونظرا إلى العناية بالسرد التي لابست قصائد الشاعر منذ البداية كان لا بد أن نشير إلى تماهي الجنسين في كتابة محمد أبو زيد. ولعل هذا الامتزاج هو الذي أغرانا بالانطلاق من بعض نصوصه الشعرية لنقف من خلالها على خصائص متخيله الفني – الذي رصد أزمات المجتمع واستشرف التغيير- والكشف عن أبعادها الجمالية، قبل الخوض في روايته الأولى ‘أثر النبي’ للوقوف عند تجليات متخيل الأزمة فيها ومدى استشرافها للتغيير الممكن.

(2)

في ديوان ‘قوم جلوس حولهم ماء’ (دار شرقيات، 2006) نلفي صور الأزمة ضاربة بعمق في تربة المتخيل الشعري عند الشاعر، بحيث تستقصي كل مظاهر الاختلال وانعدام التوازن في شعرية شفيفة وجارحة. إننا أمام نصوص تقول الكائن وتبشر بالممكن في لمحات فنية دالة، وتعبر عن رغبة ملحاحة في الانعتاق من القيود وضيق أفق الحياة. يقول في مقاطع من نصه ‘حتى يرتاح الأشرار’ :

‘7’

‘الوطن أقسى من الموت يا ميرفت’

ليس هذا ما أريد قوله

منذ زمن طويل وأنا أعرف ماذا أريد

الموسيقى مصلوبة على جدران البيت

رأسها مطأطئ

والدموع تصعد إلى عينيها

وسعاد حسني في ‘الكرنك’

رفعت عينيها مستنجدة بالموسيقى

ولم ينقذها أحد

رفعت يديها فأغلقنا التلفاز.

8

الذين أحببناهم

لا يشاهدوننا في مراياهم

والذين أحبونا

غنينا لهم

‘يا مسافر وحدك

وفايتني’

رغم أنهم

لا يحبون عبد الوهاب.

9

لا داعي لأن تكرري: نحن إخوة

نحن كذلك بالفعل

أما الحب

فهناك أكثر من طريقة للتخلص منه:

1 ـ المشنقة

2 ـ مصادقة الأشرار

3 ـ إغلاق الأبواب

4 ـ هذه القصيدة

10

افتحوا الباب

لقد اختنقت'(ص.41-44)

تجسد هذه القصيدة بإشاراتها المكثفة واقع الحال الذي انعدم فيه الحب وانتكست المشاعر والقيم الإنسانية حتى العدم. وينص الشاعر على أن ما يربط الإنسان بالحياة والتجديد يشهد حالة من الرثاثة والقهر: الموسيقى باعتبارها مصدرا للبهجة والفرح صارت مصلوبة تبكي حزينة، وكذلك حال الفن بما يحمله من قيم التغيير والتحول (الإشارة واضحة من خلال فيلم الكرنك وسعاد حسني). ويصور الشاعر مصير الحب باعتباره أسمى مشاعر الإنسان في ظل ظروف مختلة: الشنق- السقوط في يد الأشرار- الخنق عليه وحصره- البكاء عليه شعرا. ولذلك يصرخ الشاعر في المقطع الأخير من القصيدة طالبا فتح باب الحرية حتى يتحرر من اختناقه، ومن قهره، ومن موت حبه في ظل شروط غير إنسانية. وبهذه الشاكلة يجمع الشاعر في متخيله بين تصوير مفردات الأزمة وتمظهراتها وبين الإفصاح عن رغبة الانعتاق والتحرر في نبرة شعرية تجمع بين التلميح والتصريح.

وهذه النغمة الرافضة المنتقدة للحال والأحوال نلقاها في ديوان ‘طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء’ (دار شرقيات، 2008) منذ عنوانه الذي يشخص الطاعون، طاعون القهر وانعدام الحرية، في شكل إنسان لامبال يجلس على كرسيه متطلعا إلى عوالم خاصة به ساهيا عن الدمار الذي يحدثه. أليس هذا العنوان تلخيصا شعريا شفيفا لفوبيا نظام طاعوني يجثم على صدر مصر وأهلها؟

يقول الشاعر في قصيدة ‘فضيلة النوم’:

‘ في النوم

الحياة أبيض وأسود

أحتمي بحيادي وأفتح فمي

تاركا الصوت يخرج في أجولة مفتوحة

في النوم

أهرب من طاعون

يحبو على الأرض

طاعون في طرقات المستشفى

طاعون في العناية المركزة

في السوق

في الحافلة

في استراحات المسافرين

في حقائب الديناصورات الصغيرة

في النوم

أضع للقساة النمل في آذانهم

أخفض صوت الرعد

حتى لا يقلق جدي في غفوته

أقابل أصدقائي الموتى في الحانة

وأستعيد البحر

الذي سرقوه مني

في غفوتي السابقة'(ص.78-79(

أمام استشراء الطاعون لا يجد الشاعر من مفر سوى الحلم والرغبة في استعادة صوته المقموع وفتح أجولة احتجاجه عن آخرها أثناء إغفائه. وفي الحلم أيضا ينتقم من الأشرار ويذود الأذى عن الأحباب ويقابل الأصدقاء الموتى في المكان الذي يحب ويرضى، كما أنه يستعيد في أحلامه البحر الذي سُرق منه. بهذه الشاكلة يعبر الشاعر عن ارتباطه بالتغيير ولجوئه إلى التخييل قصد بناء رؤياه لحاضره وآتيه. ولعل تشخيص ما يحيط به بهذه اللغة الشعرية الموحية هو ما جعله يكتب نصه الروائي الأول بهذه الروح الرؤيوية التي تقف عند الكائن وتستشرف الآتي.

(3)

إن الطقس الجنائزي والبناء الدرامي المتصاعد يبدأ من الفصل الأول في رواية ‘أثر النبي’ (دار شرقيات، 2010)، وهو الفصل الذي يعلن فيه السارد موت ‘عادل هياكل’ أحد الشخصيات المحورية في الرواية لتترى الأحداث ما بين الفصل الأول والأخير من النص في إيقاع سردي منساب يذهب بالمتلقي إلى أماكن عدة، وإلى حيوات شخصيات متنوعة لها صلة ببطل الرواية (الطالب الأزهري). حيوات تتقاطع فيها لحظات تراجيدية بأخرى كوميدية ساخرة. وعبر هذا البناء السردي المتوتر والمتشابك يستطيع السارد حبك عوالمه السردية المميزة. إن أول ما يطالع القارئ في الفصل الأول:’الدم’، هذا التركيب الجامع بين المأساة والملهاة:

‘ حلاق الجمعية الشرعية

ممنوع حلق اللحية’.

أتحسس الكلمات المكتوبة على الحائط بخط يحاول أن يبدو نسخا، أخطو أولى درجات السلم المظلم، قلبي يدق في عنف، مدركا أن عادل هياكل في الطابق العلوي يصارع الموت، أن الشرطة من الممكن أن تداهم المبنى في أية لحظة، أن عم رجب سيلقيني وحقيبتي من أعلى إلى الشارع، أنه لا أحد هنا، فقط: أنا.. وعادل.. ولافتة الحلاق الأعشى..'(الرواية، ص.11)

بهذا السرد المتوتر المنساب نجد أنفسنا في صلب حكاية عادل هياكل والطالب الأزهري الخائف من الشرطة ومن طرده من شقة الطلبة، وبهذا المفتتح نرى السخرية تقترن بالمأساة منذ البداية، وهي اللمحة السردية التي شكلت الرواية من خلالها رؤيتها إلى الواقع وتناقضاته، ومن خلالها بنت واقعها الفني المتخيل. وما بين هذه الافتتاحية التي تبدأ بالإعلان عن موت عادل هياكل غارقا في دمه وقيئه، وما بين الفصل الأخير في الرواية الذي يعود إلى نفس الحدث تتخذ الرواية البنية الدائرية في عرض الوقائع والتفاصيل والجزئيات التي تشكل متخيلها السردي. وعبر أحداث الرواية نجد أن محكيها المحوري يركز على حيوات شخصيات تتفاعل في سياق دار الطلبة التابع لحركة سياسية/دينية هي جماعة الإخوان المسلمين، وحيوات شخصيات أخرى تتقاطع معها في الزمان وتبتعد عنها في المكان، لكن تأثيرها حاضر عبر عملية الاسترجاع والتذكر (أم البطل، الجدة، الجد، الأب، وزوجة الأب)، أو عبر مناجاتها وتوجيه الخطاب إليها (زينب). إننا أمام قصص الشيخ سيد والقذافي وأبو العزايم ويوسف ومحمد خليل وحمدي وحجازي والبواب عم رجب وهشام وأدهم وعائشة، وشخصيات أخرى عديدة يتفاعل معها السارد، ولها حضور في حياته ووجدانه وفكره، وعبر حكاياها تتحدد القسمات الكبرى لمتن الرواية، وعبر تشابك مصائرها بمصير السارد وبما يجري في الحياة تتحدد علامات الأزمة التي تصورها الرواية، كما تتجلى لمحات من أفق التغيير الذي تنشده تلك الشخصيات ويتطلع إليه البطل/السارد.

نجد أغلب شخصيات هذه الرواية تتطلع إلى الهجرة خارج مصر، ولعل هاجس الهجرة كان أفقا للحلم والتخلص من وطأة الواقع المظلم وقهره. كما أن السارد يراوده، في يقظته ومنامه على السواء، الحلم بالطيران والتحليق أعلى، وهو الحلم الذي حقق بعضه في لحظة وجد صوفي نادر عندما شارك في حضرة صوفية أقامها أحد أصدقاء الشيخ سيد رفيقه في السكن، وهو شعور أحس به من قبل في حفل ذكر أحياه والده في البيت حينما أصيب بحالة كآبة عويصة إثر موت والدته، لكن حلمه بالطيران وحلم جميع أصدقائه بالهجرة وتغيير ظروف حياتهم ظل أسير قيود سياسية واجتماعية لم تفرج عنه أبدا.

ولعل الشدة ومعاناة القسوة والظروف الصعبة هي التي جعلت شخصية السارد والشخصيات الأخرى تنحو نحو الرفض والتمرد والسخرية بطرقها الخاصة التي يسردها الكاتب في براعة وإحكام، وخاصة الوقائع التي تدور في دار الطلبة، أو من خلال رسائل هشام… وقد كانت الرغبة في الخلاص من العزلة والوحدة، والرغبة في إرضاء الصديق القريب من النفس هي التي دفعت البطل إلى الاستئناس بأدبيات جماعة الإخوان، من جهة، ومن جهة ثانية، قبول الالتحاق ببيت طلبة الغورية حيث سيجد مهربا من عزلته ووحدته. وهكذا نرى أن بذرة التغيير انبثقت في وجدان شخصية السارد استنادا إلى أمرين:

-حب الآخر والعمل على إرضائه حفظا لأواصر الصداقة.

-الرغبة في الخلاص من واقعه الفردي المأزوم.

ولم يكن السارد يدرك حينها أنه سينخرط، بذلك، في واقع أشد إيلاما وأزمة سيجعله يتجاوز التركيز على معاناته النفسية الفردية، ليصبح الإحساس بالخوف والشعور بالمهانة والخشية من المصير المظلم المجهول أساس حياة يشترك فيها مع رفقاء سكنه من الطلبة ومع الشخصيات الأخرى التي عرفها وشكلت جزءا من كينونته ووجدانه. وقد ارتبطت هذه المعاناة بجو عام من القهر والإحساس بانسداد الأفق يصل إلى ذروته مع سقوط بغداد في يد الأمريكان في أبريل سنة 2003، بحيث يعلن محمد خليل أنه السقوط الأخير للعرب الذي لن تنهض لهم بعده قائمة. ووسط هذا الجو يركز السارد على تصوير وقائع تتصل بردود فعل الناس وطلبة الأزهر، وردود فعل من داخل مسكن الطلبة ذاته، كما يركز على تصوير إحباطه وتيهه، وتعرضه إلى الطرد من المسكن بعدما اكتشف الأستاذ أحمد اهتمامه بالسياسة، وهو الأمر الذي يقتضي نظام البيت أن لا يشتغل به الطلبة، وأن لا تحمل حقائبهم ومحتويات كتبهم ما يدل عليه. وتنتهي الرواية بمشهد دال يمتزج فيه صوت جمال عبد الناصر يعلن استقالته وتنحيه إثر هزيمة يونيو 1967، وصورة محسنة توفيق وهي تهرول صارخة ‘هنحارب..هنحارب’، مع هرولة البطل في شوارع ضيقة تزداد ضيقا، وهو يحمل حقيبته الثقيلة التي تمزق كتفه، والدموع تسيل من عينيه، وكل ما حوله كئيب أسود.

ولعل هذه النهاية التراجيدية التي اختتمت بها الرواية تنبع من صدق تصوير واقع الأزمة وصعوبة الانعتاق من قهر الواقع المتردي سياسيا واجتماعيا، وإذا كان صوت جمال عبد الناصر المنبعث من شاشات تلفزات المقاهي يقر بالخلل السياسي ويعلن الهزيمة، فإن الصوت الثقافي/الفني/العلمي ممثلا في احتجاجات الطلبة ومحسنة توفيق يؤكد الإصرار الشعبي على المواجهة والاستمرار، على الرغم من المشهد الكئيب الذي تختتم به الرواية، وفي ذلك استشراف للمستقبل وتأكيد على الرغبة في التخلص من الأزمة.

(4)

ينتهي قارئ هذه الرواية المكثفة القصيرة إلى أن صاحبها لا يقف عند حدود كشف المستور من وضع المجتمع المختل وإشكالاته العويصة، بل إنه يكشف، أيضا، عن مقدرة فنية/سردية لا تخلو من مكر روائي، ومن قدرة على تحقيق نوع من اللعب الفني الذي يستند إلى طاقات حكائية متنوعة، منها استدعاء الرسالة وتوظيف الخبر الإعلامي وصيغ المنشور السياسي والمحاكاة الساخرة لنقل مباراة كرة قدم… وغيرها من أشكال الخطاب بحيث تصبح هذه العناصر جزءا مكونا للنص الروائي وعوالمه المتخيلة، وعبرها تتشكل رؤيته الرافضة/ الساخرة لما يجري في الواقع الاجتماعي، واستشرافه للآتي من خلال تركيزه على تصوير تحولات المجتمع وصراع جماعة الإخوان مع الأمن المركزي ومعاناة طلبة الأزهر خاصة بما ينبئ عن تفجر الوضع وبداية انتفاضة الطبقة المتوسطة في المجتمع المصري، وفي المجتمعات العربية، وهي الفئات التي أصرت على المضي قدما نحو تحقيق التغيير والخروج من ظروف الأزمة التي أحكمت قبضتها على الواقع بكل معطياته. ولعل اختيار الإمكانات السردية التي ذكرناها، إلى جانب الميل إلى التكثيف السردي، والدقة في تصوير الأحداث وحالات الشخصية الوجدانية ومواقفها الفكرية، جعلت هذه الرواية الأولى لمحمد أبو زيد تتميز بطاقة شعرية في لغتها ومناحيها التعبيرية في الغالب، مما يؤكد ما أشرنا إليه في بداية هذه القراءة، وهو هذا التماهي بين السردي والشعري في كتابته الشعرية والروائية معا. وإنا ننتظر من الروائي محمد أبو زيد أعمالا سردية أخرى فاتنة ومنخرطة في معالجة اختلالات وضعنا العربي الذي لم يتخلص بعد من أزماته السياسية والاجتماعية والثقافية.. على الرغم من هذه الأحداث التي نشهدها الآن

ــــــــــــــــــــــ

*ناقد مغربي

* نشر في جريدةالقدس العربي

 
 

الأوسمة: ,

حزين لأني لا أُبرئ الاكمه والابرص

سلوى اللوباني

سلوى اللوباني من القاهرة: من الصفحة الاولى للمجموعة الشعرية الثالثة للشاعر “محمد أبو زيد” تعلم بأن الحزن بانتظارك بين أبيات قصائده، فقد بدأ مجموعته الجديدة باللغة الفصحى “قوم جلوس حولهم ماء” الصادرة عن دار شرقيات بهذه الابيات …حزين لأني لا أُبرئ الاكمه والابرص..ولا أحيي الموتى..لا أخبئ الديناصورات في حقيبتي من العواصف..ليس لي جيوب أربي فيها المطر ولا عيون أعيرها للعمي..ولا مقاعد فارغة أهديها للعاشقين..ليس لي حبيبة..ولا أصدقاء..ولا قصائد راقصة..محمد أبو زيد من الشعراء الشباب يعمل صحافياً في جريدة الشرق الاوسط، صدر له مجموعتين شعريتين “ثقب في الهواء بطول قامتي” و”نعناعة مريم”، أبو زيد يكتب قصيدة النثر التي يرفض البعض اعتبارها شعراً على حد تعبيره، والجدير بالذكر أنه كتب الشعر بأنواعه حيث بدأ صغيراً بكتابة القصيدة العمودية، ثم كتب القصيدة التفعيلية، ثم قصيدة النثر، وبالرغم من ذلك هو مبهور بشاعر العامية المصري “فؤاد حداد” وبشكل خاص بالشاعر السوري الراحل “محمد الماغوط” واللبناني “وديع سعادة”، والفلسطيني “محمود درويش” وغيرهم.

الحزن حالة جيل بأكمله:

وما يلفت النظر في ديوانه الجديد أنه يحمل كماً من الحزن والاستسلام…فهو لا يرى ما يبهج في الحياة…ويقول الحزن هو حالة جيل بأكمله، تتوالى عليه الهزائم النفسية، جيل بلاعمل، بلا مستقبل، بلا تحقق حقيقي، بلا حبيبة، بلا أصدقاء، جيل يهاجر لأنه أصبح بلا وطن، جيل يكتب في الوقت الذي انفض فيه الناس عن القراءة، جيل يكتب وكأنه يلهو، لأنه يدرك جيداً أن أحداً لن يقرأه!! فالقارئ لم يعد يفهمه.. ولا يرغب حتى في ذلك، وربما نجحت الأجيال السابقة في أن تفضه تماماً عن القراءة!! يعتبر أبو زيد أن جيل الشباب.. جيل مهزوم نفسياً، هزيمة أقسى من هزيمة جيل 67، ويوضح أن الحزن الذي في الديوان لا يتعامل معه كعدو، بل كصديق يستسلم له، فلم يعد يخافه، بل يلاعبه، ويضحك معه، ويجلس معه على المقهى، ويحتسي معه القهوة، يقول…الحزن أصبح تفصيلة عادية تماماً في حياتي، وفي قصائدي، أفكر كيف أتعامل معه، ما الذي يرضيه، ما الذي لا يجعله لايغضب مني، لا كيف أتخلص منه، لقد ألفته لدرجة أنني صرت أخاف انفضاضه عني!

ينادونني في الشارع يا ميت:

الديوان مقسم الى 4 أجزاء الاول “كأننا والماء من حولنا” والثاني “كم جناحاً لك يا ميرفت” “جثث قديمة” والرابع “سوف أهذي” كتب من خلالهم أبياته الشعرية عن المدينة وظلمها وحنينه للقرية وصورة العائلة وشجنه للحبيبة..وانكساره وحزنه على قيم الماضي والحاضر… وبدا ذلك في قصيدته “ينادونني في الشارع يا ميت”…سوف نكبر..ونصبح مثل الذين نأسى لهم الان…سنخاف على أولادنا.. وسيكرهون ذلك.. لن يقوم لنا أحد في الباص.. لن يساعدنا أحد في صعود السلم.. ولن يدعو لنا أحد بطول العمر.. ستختفي العصي.. ونسقط من دونها.. ستضحك المراهقات بعنف من صلعاتنا.. ويدفعنا الشباب لكي نكح.. حين يمر كعب عال، وعن هذه القصيدة يقول أبو زيد… كتبتها حين أكملت عامي الرابع والعشرين، قد لا يكون هذا حدثاً مفصلياً في العالم، لكنه كذلك بالنسبة لي، وجدتني فجأة في لحظة منفصلة عن العالم، استعدتني صغيراً، وبعد فترة من الزمن، لأكتشف أن العالم يزداد سوءاً، لذلك النص تتبادل مقاطعه الحديث بين صوتين، صوت يتحدث عن المستقبل، وصوت عن الماضي، لأكتشف في النهاية أنني ميت، وأن أربعة وعشرين عاماً أكثر مما يجب.

قوم جلوس حولهم ماء:

يرثي أبو زيد كل ما حوله في قصائده..ذاته طاغية على شعريته..ذات يائسة..هاربة من واقعها المؤلم، ففي قصيدة فستان حمل لسيدة شبه متزوجة يقول… لماذا أصبحنا قساة الى هذه الدرجة، لا نضحك لاشارات المرور..ننهر الفئران في أطباق الطعام..نركب المترو بلا رحمة..-وفي أبيات اخرى-.. كلما اكتسبت صديقاً…أجد دمي يلطخ الحائط..ويعرف أن البحر بلا قوارب نجاة..لم نعد بشراً بما يكفي.. سنصطدم في زحفنا بالدمامل والقيح.. سنأكل جثث الذين مازحونا..حتى التي غادرها زوجها..ستبدي كراهية مبيتة لفيروز..ستضحك من أظفارها حين يعود الورثة الى الشقة، وهذا الواقع الذي يرثيه الشاعر أبو زيد هو الواقع الذي يعيشه، وهو يستحق الرثاء والشفقة معاً على حد تعبيره، يقول.. الواقع أصبحت الكتابة فيه أختاً للعنقاء والرخ، فكيف تكتب!! ولمن تكتب!! ولماذا تكتب!! أسئلة موجعة بحق، الأصح قاتلة، الكتابة في هذا الواقع أصبحت بالنسبة لي بديلاً عن فعل الموت، حينما أصل إلى حافة اليأس الإحباط، أكتب قصيدة، هرباً بها، الكتابة إذن مهرب مناسب لذوات يائسة، كتابة قصيدة جديدة أيضاً أصبح معناها هزيمة جديدة، أما قصيدته “قوم جلوس حولهم ماء” يوضح بان القوم هم الذين يجلسون ينظرون في ذهول حولهم لا يعرفون ماذا بإمكانهم أن يفعلوا، هم الذين صمتوا حتى حاصرتهم المياه، وتكاد أن تغرقهم وهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا، هم نحن، هم أيضاً الذين يجلسون يتأملون مصيرهم بهدوء وجنون غريب، لذلك تجده يرثي ذاته، يرثي الاصدقاء والحياة والاطفال، ويقول…أرثي حكايات لم أستطع كتابتها، قصص حب لم أعشها، أحلاماً أجهضت، قصائد لم تكتمل، أرثي مجتمعاً بالكامل يسقط، يسقط باستمرار، يسقط بإصرار غريب، كل ملامحه تضيع، أرثي عبد الناصر وعصره، الحلم الذي لم يكد يتبلور حتى فاجأته النكسة، ثم عصر الانفتاح، ثم الخصخصة، أرثي حلم وحدة عربية  فشلت في أعوامها الأولى.

ـــــــــــــــــــــــ

نشر في إيلاف

 
 

الأوسمة: ,

شعرية التغريب و الكولاج في قوم جلوس حولهم ماء

 
طارق إمام

قوم جلوس حولهم ماء هو عنوان المجموعة الشعرية الثالثة لمحمد أبو زيد ,الذي يصدر نصوصها بنوستالجيا خاصة كلا تخلو من دلالة _هي أشبه بتصدير يحيلنا لسؤال شهير هو طبيعة الشاعر و دوره و جدوي وجوده : حزين لأني لا أبريء الأكمه و لا الأبرص ولا أحيي الموتي, لا أخبيء الديناصورات في حقيبتي من العواصف ,ليس لي جيوب أربي فيها المطر ,ولا عيون أعيرها للعمي… تبدو مفارقة الشاعر لدوره النبوي, لقدرته علي الإتيان بالمعجزات , لاختلافه عن بقية البشر وقد صارت مدعي للرثاء و للخيبة ..رغم أن الشاعر الحداثي و ما بعد الحداثي قد أعلن دوما أنه صاحب تلك الجفوة وصانع ذلك الخصام الذي أعاده لنسبيته و أعاد القصيدة لديمقراطبتها. بقدر ما يحمل لنا تصدير الشاعر مفارقة أولي ,بقدر ما تؤكد القصيدة الإفتتاحية مفارقة أخري.. رمال ميتة /موج نذل /مراكب محطمة / صيادون غرقي / هلب تخنقه الطحالب / أسماك مسممة / سفينة مشروخة / جثث بحارة فقراء و عمال عمي / نفط سائل يلتهم أحشاءك / غربان تنعق فوقك / و قمر يخيفك بفضته / كل هذا / و تقول إنك وحيد يا بحر؟ . المفارقة إذن ستسم كافة نصوص هذه المجموعة ,الذات الشاعرة تخاطب قوي الطبيعة كثيرا في هذا الديوان مستعيرة سمت الشاعر الرومانتيكي القديم, غير أنها هنا كو هذا هو الفارق ك لا تتغني بجمال تلك الطبيعة بقدر ما تبرز قسوتها التي تتحد مع عبثية العالم الراهن لتسحقا الذات. في هذا السياق تأتي المعارضات التهكمية لكافة قصائد الحب و تراثها : قصائد الحب تبدأ عادة بقمر يخنق حديقة /بعنكبوت يموت اكلينيكيا /بدمي يجر دبابتين / علي أسنان دراكولا.. .

كولاج……..

قصيدة محمد أبو زيد تتحقق من التكوين الكولاجي الذي يشكل تكوينات بصرية بعيدة عن سياقها الإتصالي الأصلي و هو ما يمنحها قدرا كبيرا من التغريب. و أحب أن أشير إلي أن هذه الطريقة في التكوين الشعري خافتة جدا في قصيدة التسعينيات و ما بعدها التي يقوم عالمها في جزء من فلسفته علي اعتماد اللغة التداولية مع استبعاد التركيب لصالح النزوع الي الحكي .السمة الأخري الجوهرية فيما أري هي استدعاء العالم الطبيعي بكثافة في هذه النصوص ,العالم الأسطوري للخرافة و الحكايات الشعبية و الذي يستدعي المخيلة الطفولية التي عاشته. لذا يتحول الكولاج في كثير من الأحيان إلي نصوص سيريالية تتآلف من مفردات متنافرة متباعدة تحيل النصوص لعوالم حلمية : يهوذا في درعه الواقي /يتسلق الأكسجين / ينظر ليوسف شاهين و يقهقه / يركل المطر بأظفاره /المطر الذي لم يجد من يمشط له شعره / وحله قاس و مدبب / يده تمتد إلي وجهي / فلا أجد عيني / فقط دمائي تتقاطر / ولا سمك يتعلم العوم . إن خبرات الثقافة و الموروث الإنساني و الجمالي تتواشج في عجينة ثقيلة تشكل هذه النصوص. العالم , في إحدي استقراءات النصوص المحتملة ,هو حشد من التفاصيل المبتورة التي و إن قدمت معان جزئية إلا أنها تظل غير قابلة للفهم ناهيك عن التصديق .و نصوص هذه المجموعة تخاصم المفردات المتعينة و الماثلة كخبرات تجريبية تشير لمرجعياتها خارج الأداء الشعري. من اللافت أنه حتي تلك النصوص التي تقترب من اللحظات القريبة اللصيقة بالشاعر , مثل إنني أتحدث عن ميرفت عبد العزيز بالتحديد , تخذلنا تماما..فهي متتالية من الإبجرامات البارقة التي تكثف عبرها الذاكرة الإستعادية للشاعر تلك اللحظات مراوحة بين ضمائر الأنا و الأنت الأنثوية , و الغائب و الأنتم الذي تتوجه عبره الذات بخطابها للمجموع. بهذه الطريقة تتخلص القصيدة من الخصوصية الثنائية لقصة حب عابرة و تحولها إلي مشهد درامي رمزي موغل في المجاز: كانت تخفي الإسفنج في عينيها / و كان وجهها يشبه البحر بكوفية خضراء / …/ قلبها يبين تحت البلوزة / به شوارع / و آباء يتامي / و مراكب من أوراق الصحف . التغريب هو حيلة هذه القصائد الأكيدة و مغزاها أيضا علي اعتبار أنه طريقة في رؤية الجود و منحي في قراءته.

المدينة

ظلت المدينة لعنة شعرية عند الشاعر الكلاسيكي ,نقيض للبكارة و الفطرة, غير أن المدينة كمؤسسة معقدة كانت المعادل الطبوغرافي لقصيدة النثر بقدر ما كانت الموازي الضروري لنشوء فن مثل الرواية. المدينة بناء درامي يقلق بالضرورة القصيدة الغنائية التقليدية كصوت مفرد و كبناء آمن من الإيقاعات القائمة سلفا. المدينة فضاء قائم طوال الوقت في القصائد . الشاعر الذي صدر ديوانه بإحباطه لهجره رداءه القديم, يبدو غنائيا حيال المدينة, المدينة التي لا تنبت عن شكل قصيدته الجديدة و التي أنتجت عالم القصائد المتشظي المفتت. يواجهها الشاعر فردا منسحقا , و طرفا في مواجهة ثنائية بين غريمين ينتظر كلاهما طعنة غادرة من الآخر. أيتها المدينة التي تخاف مني / أنا خائف منك / من عيونك التي بلا نوافذ /من عروق يديك التي ترتجف حين تصافحني / من أظفارك المطلية بدمي / لذا سأغزو الهواء لأصل إلي عينيك وحيدا.. . المدينة تستدعي لحظة أمان غادرت للأبد, و هي سؤال لا تقل أية إجابة عنه عدمية عن الأخري. المدينة في القصائد تطل برأسها عبر لافتاتها الكبيرة : أسماء مقاهيها و منتدياتها الثقافية و شوارعها, الباصات و عربات المترو و دور السينما و البارات. أيقونات زائفة تخفي خلف وجوهها الخواء و الموت. المدينة تتكالب كل مفرداتها لتحرم الذات حتي من إلقاء نظرة علي الحبيبة : المصعد الذي تعطل / لم أكن أستخدمه / لأنه منذ زمن / لم يرد علي تحية المساء / أو يدعوني إلي منزلي/ سرق معطفي / طعام قطتي/ و أوصي التاكسي/ الذي لا يسير/ أن ينطلق بسرعة هذه المرة / حتي لا أري عينيها خلف الزجاج’.

المدينة لا تكتسب بعدها الإنساني بإضفاء الحياة علي مفرداتها الصامتة إلا لكي تأتي علي الذات و تنال من عالمها الفطري و الطبيعي. الذات تصنع بالتالي نصها الذي يحاكي المدينة كشبكة علاقاتية و تفاصيل مبتورة, بقدر مايقدم عبر متاهته تلك خياله الخصب الذي ينقض طبيعتها البراجماتية و عالمها المادي. و ربما اكتسب العنوان الذي يلم شظايا هذه القصائد: قوم جلوس حولهم ماء قدرا من دلالته في اعتماده عبارة تحيل لعالم لا يخلو من بدائية يحيل إلي طمأنينة ما..حتي لو اعترفنا أنها محض خدعة لن يكتب لها أن تحيا طويلا.

ــــــــــــ

* نشرت في أخبار الأدب

 
 

الأوسمة:

عين طفل تتجول بين فضاءين، قراءة في ديوان ” قوم جلوس حولهم ماء” للشاعر محمد ابو زيد

جمال القصاص
عالم من فانتازيا الواقع، ولغة نصلية حادة، مفعمة بمشاعر الوحشة والفقد والألم، يظلل مناخات قصائد ديوان “قوم جلوس حولهم ماء” للشاعر : محمد أبو زيد، الصادر حديثا عن دار شرقيات بالقاهرة.
يتوزع أفق الرؤية في الديوان  بين فضاء المدينة بصورتها الجهمة وتناقضاتها المميتة وناسها الخبثاء الأشرار، وبين فضاء القرية مخزن الأحلام والشهوات الأولى، وصورة العائلة التي تتراءى  كبقايا غيوم منطفئة. وبعين طفل يتحرك الشاعر ما بين الفضاءين حاملا عذاباته وقلقه الفطري ، يموهه أحيانا بنثارات لدلالات وجلة و مرتعشة ، وأحيانا يحجبه منحازا إلى نور حنين يشع في داخله، تاركا لنا على الصفحة ظلا ساجيا لروحه، وحلما محبوسا في اندفعات شرايينه على لوحة العالم والواقع التي لا تنز سوى الحزن والكآبة.. يجسد ذلك قائلا:
“أحيانا
أنفخ في زجاج المترو
حتى يجيء البخار
فأكتب اسمي 
واسم قريتي بحروف منمنمة صغيرة
ترتجف من الصقيع
أحيانا أربت على المراكب الراحلة
وأنا أغمس عيني
في أكواب البكاء”
يواجه الشاعر مدينته بحزمة من التعبيرات الصارخة الصادمة، وتشيع في القصائد التضادات المتوترة، كما تنتمي الصورة الشعرية لغويا وبلاغيا لمفارقات  النتوء والشروخ والحافة.وتبدو القصائد أشبه بمرثية لشيء اختفى ، أو اندثر، أو ضاع، أو على وشك  أن يصير كذلك،ولكنها مع ذلك  تظل سلاحه الأعزل الوحيد حتى لصيانة هباء الذات. 
 في هذا الجو يعيد الشاعر الاعتبار إلى القيم المذمومة، فتطل دلالات ورموز الاحتقار، والابتذال والتقزز والاشمئزاز والقبح، ويوظفها في سياقات وصياغات ذات حيوية خاصة .. إنها مدينة تشبه الخرافة والمقبرة والأشباح حين يخاطبها الشاعر ويتحداها ويبادلها خوفا بخوف يكتشف أنها مجرد “قبور ملونة تصلح للدفن” بل إن عيون مصابيحها مفقوءة من كثرة “الجراد الذي يتجشأ الأرصفة” من كثرة “الأطباق التي امتلأت بالجماجم” وفي مرآتها دائما يرى نفسه “وحيد بما فيه الكفاية كدودة قز في فم ثعبان”.. ولا غرو إذن أن يخاطب ناسها الغرباء، بل يستعطفهم “أيها الغرباء/ أحسنوا/ ضيافة حزني/ فهو طيب كحمامة/ هادئ كصنم/ مسالم كميت”.
في هذا الجو يتكشف إيقاع المفارقة، ويتخذ شكل الضربات الخاطفة الواخزة، وتستحضر  الصور الشعرية الآخر بضمير الأنا المفرد، والعكس صحيح. ونلاحظ أن هذا الإيقاع- في الغالب الأعم- ينبع من شبكة العلاقات والدلالات والرموز التي تفيض عنها القصائد، كما أنه ليس شيئا ناتئا أو خارجيا مقحما عليها، وهو ما يكسب المفارقة حرارة السؤال الملتبس المتعطش لما وراء الأشياء والعناصر، ويعصم في الوقت نفسه، الرصد المشهدي من التململ فوق حافة الحالة، ويشده إلى فضاء أكثر عمقا، تومض فيه الطبيعة كمقوم فني وإنساني، له جمالياته، بل فوضاه الخاصة، وهو ما يعبر عنه الشاعر في إحدى القصائد موحدا ما بين حزنه والبحر قائلا:
” رمال ميته/ موج نذل/ مراكب محطمة/ صيادون غرقى/ هلب تخنقه الطحالب/ أسماك مسممة/ نفط سائل يلتهم  أحشاءك/ غربان تنعق فوقك وقمر يخيفك بفضته.. كل هذا وتقول إنك وحيد يا بحر”.
وفي استعادته لأجواء القرية، يميل الشاعر إلى الممازحة واللعب، ويتخفف من نبرة السخط والاستغراب في مواجهته المدينة، ونحس بأنه لم يعد غريبا محبوسا في وحدته، أو حتى قصيدته والتي تتخفف بدورها من التضادات المتوترة، وتبدو مغمورة برزاز فانتازيا رشيقة، ووعي شقي، كما تتري المفارقة بروح كاريكاتورية عذبة.. في هذا الإطار يلملم الشاعر ظلال بورتريه لجدته قائلا:
” جدتي منذ أن مات جدي تخشى الظلام
مع أنها في غارات هتلر لم تصرخ
عندما سقط الشباك صريعا تحت قدميها
ولم تخف طوال عمرها من الفئران والصراصير
والذين سرقوا بقرتها في السبعينيات ندموا كثيرا 
لانها قرأت عليهم “عدة ياسين”
أحدهم وجدوه منتحرا
والثاني لم يجدوه أصلا”.
ولا يتوقف أفق الرؤية في الديوان عند هذين الفضاءين، لكنه يشتبك ويتقاطع مع قضاءات أخرى، سواء في رموز أشخاص بعينهم مثل: سلفادور دالي،ويوسف شاهين، ونجيب الريحاني ، وسعاد حسني ، ومحمد منير ، وغادة نبيل .. وغيرهم.أو في إشاعة جو من التناص الشفيف مع  أشخاص مفترضين مثل شخصية ميرفت عبد العزيز. والطريف أن الشاعر لا يستحضر كل هؤلاء الشخوص من قبيل الفذلكة الشعرية، وإنما ليوسع مدار رؤيته بجعلهم نوافذ رحبة يتلصص منها على ذاته، ويفرح بلحظات شطحها ونزقها، حين تستعصي الرؤية أو تضيق العبارة عن احتواء ما يمور بداخله.إنه يشعر حينئذ بأن ثمة ورطة شعرية رشيقة وشجية تنعقد خيوطها بينه وبين هؤلاء الشخوص ، وليس مهما أن يفككها، بل المهم أن يلعب على خيوطها ،ويتلوها على نفسه كتميمة ضد الموت وشبحه الذي يسكن دائما خطاه، ويجعله يتخيل نفسه عجوزا ، يتسند بعكازه الهش على عتبته، منتظرا أن يلفظ الصرخة الأخيرة  في وجه حياة تزداد كآبتها كل يوم .وهو ما يجسده بتهكم وسخرية  في قصيدته ” ينادونني في الشارع : يا ميت ” حيث يناجي نفسه على هذا النحو :
” قل لي :
لماذا لم تنم منذ أسبوع
لماذا أنت محني الظهر 
بلا صديق أو حبيبة 
بلا عصا تدلك على الطريق 
بلا أسنان تصنع الابتسامة 
بلا هاتف يرن ليطمئنك أن في الحياة خيرا 
أم أن أربعة وعشرين عاما أكثر مما يجب ؟ “
من الأشياء المهمة في هذا الديوان الوعي بإيقاع المشهد، واختزاله في خطوط وومضات لغوية خاطفة أحيانا ، وأحيانا أخري تنداح رأسيا في تكثيف سردي محكم ،  يطرح الأشياء والعناصر في شكل سؤال مفتوح دوما على البدايات والنهايات ،لا يبحث عن إجابة أو يقين، وإنما يوحي لك بأن تعيش رقة المشهد وتتفاعل مع تداعياته وتعبث بظلالها، وتتحسس فيها حريتك وشهوتك الأولى .. يقول في إحدى القصائد:
” لم يكن يعرف يوسف شاهين 
ولا يحب الزيت في الطعام 
ولم يردد يوما كصوفي :
 ” لا تعترض فتنطرد ” 
لذا.. حين رأى الباب مفتوحا 
مرق خالعا حذاءه 
حتى لا يسمع نحيبه أحد “. 
يعضد هذا الإيقاع تعامل الشاعر مع المكان ونظرته إليه ككائن حي يتنفس الأزمنة والبشر والعناصر والأشياء ، وليس مجرد حيز ومساحة وجغرافيا،  إنه مرآة يتأمل فيها عزلة الإنسان ووحدته ، ومرثيته لذاته وواقعه  ، وهو ما تشير إليه قصدية التشكيل المراوغة في عنوان هذا الديوان الجميل، وما توحي به كذلك من سكونية مشمسة .
ــــــــــــــــ
نشر في جريدة الشرق الأوسط
 
 

الأوسمة:

قوم جلوس حولهم ماء بين أفق القصيدة و تقنيات النص

يسري عبد الله

تمثل قصيدة النثر تياراً تجريبياً يحوي مواضعاته الفكرية و الجمالية المائزة، و التي تعد علامة على منحى شعري لا يعرف الاستسلام للجاهز و الموروث و القبلي، حيث ثمة مغامرة جمالية و موضعاتية حاضرة في المتن الرؤيوي و التقني المتكئة عليه هذه “القصيدة”… و لعل اللافت للأمر أن “قصيدة النثر” لا يمكن التعاطي معها باعتبارها كتلة صماء، أو النظر إلى ما خَلقَتهُ من تجارب و رؤى بوصفها كُلاً مصمتاً، فثمة تنوعات داخل هذه “القصيدة”، تحوي فرادتها حيناً، و “نزقها” حيناً آخر، و غوايتها على اجتذاب جمهرة من “المتشاعرين” في بعض الأحيان، بيد أنها تبقى شاهدة على انقتاح النص الشعري على أفق مغاير، يعيد للقصيدة العربية عافيتها، و يمنحها ما يمكن أن يسمى ب “حيوية الاختلاف”.

في “قوم جلوس حولهم ماء” نحن بإزاء عنوان شعري دال، يعارض من حلاله الشاعر “محمد أبو زيد” بيتاً شعرياً قديماً، عدتهُ علامة عدم الإتيان بجديد بيد أن الشاعر يرى في القبح- حسب توصيف السابقين- جمالاً، فيفعل هذا البيت الشعري “الركيك” مضفياً عليه من طزاجة الراهن المعيشي/ و المتدثر بعباءة جديدة، تتأسس شعريتها على أنقاض الرؤى القديمة عن “الشعر”، خاصة فكرة (الشاعر/النبي) و التي تمنح الذات الشاعرة “وهم” القدرة على تغيير العالم، وفق تصوراتها الخاصة:

حزين لأني لا أُبرئُ

الأكمه و الأبرص و لا أحيي الموتى

لا أخبئ الديناصورات في حقيبتي من العواصف

ليس لي جيوب أربي فيها المطر

و لا عيون أعيرها للأعمى

و لا مقاعد فارغة أهديها للعاشقين

ليس لي حبيبة، و لا أصدقاء

و لا قصائد راقصة

إذن ثمة علائق متشابكة بين استخدام الشاعر لعنوان يستحضر فيه بيتاً شعرياً قديماً، ثم التأسي على أنه لا يملك أية سمات خارقة، و ليصيح هذا التصدير ممهداً لشعرية هذا الديوان، و المحتفية بنقيض قكرة (الشاعر/النبي)، و المسكونة بالهامشي و الشخصاني و المعيشي.

في قصيدته الأولى “كأننا و الماء من حولنا” نصبح بإزاء نص قائم على إمكانية الوصل و الفصل معاً، حيث يمكن قراءة هذه القصيدة موصولة كالتالي: (كأننا و الماء من حولنا/ رمالٌ ميتةٌ/ موجُ نذلُ/ مراكب محطمة/ صيادون غرقى…) حيث تصير “رمالٌ” خبر كأن مرفوعاً بالضمة، و وفق هذه القراءة القائمة على “الوصل” يصير العنوان (كأننا و الماء من حولنا) جزءاً من بنية القصيدة لا مجرد دال على فحواها… و كذلك يمكن قراءتها كما وردت في متن الكتاب، بحيث يصير العنوان منفصلاً عن جسد القصيدة:

رمالٌ

موجٌ نذلٌ

مراكب محطمة

صيادون غرقى

هلب تخنقه الطحالب

أسماك مسممة

سفينة مشروخة

جثث بحارة فقراء و عمال عمي

نفط سائل يلتهم أحشائك

غربان تنعق فوقك

و قمر يخيفك بفضته

كل هذا

و نقول إنك؛ وحيد يا بحر؟!

و في كلا الحالين (الوصل/الفصل) نصبح بإزاء عالم مهشم تسكنه المراكب المحطمة و الصيادون الغرقى، عالم لم يعد يؤنس وحشة أحد سوى هذا البحر (المحيط بنا)- و هذا ما يدعم دلالة الوصل في هذه القصيدة.

و في قصيدته الثانية (حبل غسيل مصلوب يُنقط دمه على المارة) يستعير الشاعر آليات الحكي الشفاهي: (مرة. تهت/ و مرة: لم أجدني في صفحة الوفيات).

ثمة حالة من التماهي بين الذات الشاعرة (الباكية) و “حبل الغسيل” الذي يُحدث نفس الفعل “التنقيط”، و تشير دلالة (الصلب) هنا إلى حالة “التشيؤ” التي تتم لهذه الذات الشاعرة…

لا توجد روابط سببية بين الجمل الشعرية، و إنما توجد حالة من التداعي غير المجاني، ففي المقطع التالي:

كنت أصفف شعري

أما الآن

فسأقاطع الجرائد

و الأجنحة

و سهرات القناة الأولى

نرى في هذا المقطع هذه الذات “التقليدية”- التي تصفف شعرها من المنتصف- في محاولتها الراهنة عبر صيغة (الآن) من أجل تأسيس وعي جديد/ مفارق عن السابق و مغاير له… في هذه القصيدة نلمح صيغة شعرية قارة في بيئة الشعر التفعيلي تحديداً (أقول لكم)، بيد أنها هنا لا تطرح خطاباً غنائياً أو إنشادياً، لذا فلم يكن تالياً لها أسلوب إنشائي مثلاً، أو حتى أسلوب خبري مؤكد، حيث يحكي الشاعر بعدها عن الذات المهمَشة و المهمشة فب الآن نفسه:

أقول لكم

منذ ثلاثة أيام أريد أن أبكي

لكنني تحجرت

و لم أعد أميز بين التوائم

يضفر الشاعر الأغنية الشعبية في متن قصيدته، و ربما يصنع تماساً حميمياً مع المتلقي: (”الورد جميل”/ “جميل الورد”/ فلا تبتسموا و لا تغنوا). في قصيدته (فستان حمل لسيدة شبه متزوجة) نرى رصداً لحالة الاغتراب عبر شعرية تستدعي لغة محايدة لا تعرف الانفتاح الدلالي السابق، و هذا ما يبرز في المقطع الثالث من هذه القصيدة- على سبيل المثال- نرى تنوعاً في استخدامات ضمائر الحكي الثلاثة: (المحاطب/أنت)، (الغائب/ اسمها)، (المتكلم، أنا)، و ربما يحدث انقتاحاً نصياً يتكئ حيناً على “اللعب مع التاريخ”: (أسكب دمي على يديك/ فتضحكين كالقشتالين)، أو عبر المراوحة بين الماضي و الراهن، لتتحقق شعرية محتفية بالمفارقة، و مؤسسة على جماليات (التجاور) و (التنوع):

هنا بالضبط

عبر ماجلان على دراجته

قاصداً الشهر العقاري

يصفر للعربات فتتبعه

للبنات في البلكونات فيطرن خلفه

للقلوب

فتهجر الموتى و تجرد دمائها في وهن

لي

فأتمطى حتى تصطدم رأسي بالسماء

في قصيدته (كم ضاحاً لك يا ميرفت) نصبح بإزاء مجموعة من التنوعيات المشكلة للمتن المركزي للقصيدة، و كل تنوعية تحمل عنواناً فرعياً دالاً و يعد في الآن نفسه جزءاً من بنية القصيدة… في (التنوعية/ القصيدة) الأولى: (سيقول الأشرار إنني أتحدث عن ميرفت عبد العزيز بالتحديد) نرى استخداماً دالاً لتقنية الجمل المدهشة، و التي ينهي بها الشاعر المقطع، فيما يشبه التوقيعة الأخيرة و الحاملة لشحنة شعورية و انفعالية تحوي قدرة النفاذ إلى سيكولوجية المتلقي:

لم أحك لكم أمس عن ميرفت

و لا عن أعظم “قصة حب فاشلة في التاريخ”

و لا عن ملائكة بلا جناحين

لم أحك لكم بالأمس عن القتل و الدم و الجماجم

و الأحبة

لأنكم لم تكونوا هنا

تحمل التنوعية الثانية عنوان (ثم سيتساءل الأشرار و من هي ميرفت عبد العزيز؟) و قراءة العنوان تطرح إحداث مقاربة تأويلية في هذا السياق تتكئ على دلالة (الترتيب و التراخي) التي تمنحها (ثم)، و في التنويعة الثالثة/ الأخيرة (حتى يرتاح الأشرار) يبدو النص ثرياً بالدلالات، يحمل مقطعه الأول قيمة (المساءلة)، و الثاني معارضة الموروث (الصبر لم يعد مفتاحاً لأي شئ)…

و قي قصيدته المركزية (قوم جلوس حولهم ماء) يبدو (البحر) كدال يشي بالخلاص: (هل ابتعدنا عن البحر عن أنت السبب)، بيد أنه الخلاص الوهمي، و كيف السبيل إليه وسط حالة من الألم و الاختناق!! هنا تصير الكتابة تشكيلاً للوعي، و يصير جزءاً من جمالياتها قراءة الواقع على نحو مغاير، و تصير الاستخدامات المغايرة للعة أفقاً واعداً لتخليق صيغة شعرية مفارقة…

ـــــــــــــــــــــــ

نشر في مجلة مقدمة

 
 

الأوسمة:

قوم جلوس حولهم ماء.. ديوان السخرية الأليمة … محمد أبو زيد غارقاً في جماليات القبح

فاطمة ناعوت    

«قومٌ جلوسٌ حولهم ماء» هو الشطرُ الثاني من بيت شعريّ شهير أطلقه أحد الناظمين ارتجالاً حين سُئل أن يقول شعراً في قارب. أما شطره الأول فهو: «كأننا والماءُ من حولنا». واتُخذ البيتُ كطرفة للسخرية من تفسير الشيء بنفسه، فجاء من يقول: «فسّرَ الماءَ بعد طولِ الجهد بالماءِ!». والشطر أيضاً هو عنوان الديوان الثالث للشاعر المصري الجنوبيّ محمد أبو زيد وصدر حديثاً عن دار «شرقيات» في القاهرة. وتساءلتُ عن سرِّ العنوان الغريب، وهو الجملة الوحيدة الموزونة خليليّاً في الديوان النثري! ثمة رسالة يقصدها الشاعرُ حتماً وراء هذه العتبة. أتراها رسالة «فنيّة» يناهض بها فكرة قيام الشعر على التفعيلة بقوله: هاكم جملةٌ موزونة خليلياً سوى أنها لا تعني شيئاً؟ ويؤكد هذا الاحتمال قوله: «في الماضي كنت أصفف شعري من المنتصف.» وكأنه يسخر من القصيدة العمودية المقسومة نصفين. أم تراها رسالة «فلسفية»، يقول عبرها إن الحياة/ الديوان في مجملها عبث مثل هذا البيت الشعري الفارغ من المعنى. ويؤكد هذا الاحتمال أن الديوان يضمّ خمس قصائد طويلة عنوان الأولى هو الشطرُ الأول: «كأننا والماء من حولنا»، وعنوان الأخيرة: الشطر الثاني: «قوم جلوس حولهم ماء»، كأنه يقول: حنانيك يا قارئي، فكلُّ ما بين دفتي الحياة قشٌّ وهواء. وأميل إلى أن الشاعر يقصد الرسالتيْن معا. والحق أنني لم أقع على ديوان أكثر عدمية وسوداوية من هذا الذي افتتحه الشاعر بتناص مشهديّ معكوس مع معجزة السيد المسيح: «حزينٌ لأنني لا أبرئ الأكمَهَ/ ولا الأبرصَ ولا أحيي الموتى…» الشاعرُ حتى لم يضع كلمة «أنا» قبل «حزين» كي يصدمَ القارئَ رأسًا بحزنه من دون فواصل منذ اللحظة الأولى. والشاهد أن حال الحزن والكآبة ستتلبسك بالفعل بدءاً من الكلمة الأولى وليس انتهاءً بالأخيرة، بل سيمتد وجعك بعد أن تغلق الديوان وتلقيه من النافذة لاعنًا الشاعرَ والشعرَ والحياة. وهذه تحديداً هي الحال التي يرجوها الشاعر لقارئه. إذ يسترسل: «والدم الذي تقرأونه الآن/ سال من عيني/ من فمي/ من أصابعي/…» ويبدأ شاعرنا يومه بالحزن: «حزني أكتشفُه عادة مع دقات المنبه». ثم يرفض إلا احتكار الوحدة لنفسه: «لستِ وحدكِ إذن/ أنا فقط وحدي.» ثم يوغل في تشويه كل مفردات الحياة، حتى الجميل منها، مما اعتاد الشعراء اعتبارها منهلاً عذباً للفتنة: «رمالٌ ميتة/ موجٌ نذل/ مراكبُ محطمة/ أسماكٌ مسممة/ سفينةٌ مشروخة/ جثثُ بحارةٍ فقراءَ وعمالٍ عمي/… وقمرٌ يخيفك بفضّته». حتى الورد يذكره بالموت، وعينا حبيبته تشبهان السفن الغارقة، حتى أفراح الطفولة في أعياد الميلاد كانت زائفة: «القطنُ الذي أقنعونا أنه ثلج يناير!». ويلح الشاعر على فكرة تقبيح الكون من طريق قرنه الجمال بالبشاعة: «ملائكة بلا جناحين – هددتْ بالغناء – البنتُ البيضاءُ ككفن – وجهكِ يا مرجانة كالغولة – الوطن أقسى من الموت»، حتى رمز العذوبة في عصرنا: فيروز، أردف بها مفردات من قبيل «الغدة الدرقية – الجثث – الدمامل والقيح – كراهية…». انها تيمة «استاطيقا القبح» التي اعتادها الشعراء الشباب في مصر الآن، سوى أن شاعرنا بالغ فيها حدَّ العذاب. والتقطتِ الفكرةَ الفنانةُ المصرية هبة حلمي فجاء الغلاف مزاوجاً بين وجه فيروز الحالم وقطة دميمة تبرز أنيابها بوحشية لتكريس معادلة: القبح = الجمال، ومن ثم ينفتح عنوان الديوان، وهو: تفسير الماء بالماء.

يلعب الشاعرُ على التراث: «سبع سنبلات خضر – سفينة نوح – نساء القرن الخامس عشر- تفسير الماء بالماء»، وعلى الميثولوجيا: «قرينة العالم الآخر»، وعلى التناص الكامل أو المنقوص بالحذف أو التغيير: نقّلْ فؤادَك حيث شئت من الهوى/ ما الحب إلا (للقتيل) الأول» – «فيرونيكا تقرر أن (تحب السينما)» – «حكيم روحاني حضرتك – الصبر لم يعد مفتاحاً لأي شيء»، ونصادف العديد من الأسماء والأعلام التي جاءت أحياناً مقحمة: إيزابيل الليندي – فاتن حمامة – علي الشريف ماركس – هتلر – القشتاليون – ماجلان – سلفادور دالي – جوليا روبرتس – دراكولا – رمسيس – غستابو – إبراهيم أصلان الخ. ويمارس الشاعر أحياناً لعبة الالتفات في الضمائر، أي التحول المفاجئ بالضمير: «أنتِ فيروز تخرجين الآن من أيقونتك كعاصفة الصحراء…/ اسمُها فيروز تدخل إلى عزلتي تغير لي ملابسي وصوتي وغدتي الدرقية/ أنا فيروز أسكبُ دمي على يديك فتضحكين كالقشتاليين». يتحوّل الضميرُ من المتكلم إلى الغائب إلى المخاطَب. وتقوم بعض القصائد على فكرة التداعي الحر والتوازي الأفقي للصور الشعرية بحيث لا تتراكم رأساً لتقدم صورة واحدة متنامية ومتماسكة، ويكون على القارئ أن يلملم شظايا الصور تلك ليكوِّن صورته الكلية الخاصة، مثل قصيدة «سيتساءل الأشرار من هي ميرفت؟»: «البنطلونات الجينز/ حذاء سندريلا الأحمر/ الوطن المعلق على الصدر/ العيون التي تبكي حين تضحك/ الشعر الذي يراقص الهواء فيكسره….» ويقدم لنا تشبيهاً جديداً حين يقول: «الشياطينُ التي تشبه البشر»، وفي بلاغتنا العربية نشبه الأدنى بالأعلى للمدح، والأعلى بالأدنى للذم، لكنه هنا شبّه الأدنى بالأعلى من أجل ذمِّ الأعلى.وعلى رغم عدمية الديوان السافرة لن نعدم بعض الصور السوريالية الطريفة التي قد ترسم شيئاً من الابتسام الساخر على وجوهنا الكابية بالقراءة: «حزام الأمان الذي قسمكِ نصفين/ ترك نهدَكِ الأيمن وحيداً ينهنه»، «هنا عبر ماجلان على دراجته/ قاصداً الشهر العقاري/ يصفر للعربات فتتبعه…»، «تركتُ الماء يغلي حتى يستغيث»، «عينٌ واحدةٌ تبكي والأخرى تتفرج عليها». أو أن يقول: «ماجلان ليس هو الأعرج في القصيدة السابقة». ونعود لنراجع القصيدة السابقة، ونحن نشك في أنفسنا وفي ذاكرتنا المثقوبة، فلا نجد أعرج ولا ماجلان! وأما أحد أجمل مقاطع الديوان حقًّا فيقول: «كان لي وجهٌ/ ويدان/ وشرايينُ وبنكرياسُ/ كان لي قفصٌ صدريّ/ وبيتٌ/ ودارٌ للأوبرا/ كان لي أصدقاءْ.» والجميل فيه هو ذكر «السَّلب» عن طريق «الإيجاب» الماضي. فالفعل الناسخ (كان) يفيــــد غياب كل ما يليه، وهو وحـــده الذي رسم الصورةَ النقيضَ لماضٍ كان جميلاً. أما الجملةُ السهم في هذا الديوان الكابي فهي: «الوطنُ أقسى من الموتِ يا ميرفت.»

ـــــــــــــــــ

نشر في جريدة الحياة  9/12/2006

 
 

الأوسمة:

قــــوم جــلوس حـولــهـم مـاء لمحمـد أبو زيـد.. دم شــــعــري هــــادئ

محمد العشري
الدم الشعري الهادىء الذي يكتب به الشاعر المصري الشاب محمد أبو زيد قصائد ديوانه الجديد، “قوم جلوس حولهم ماء”، الصادر منذ أيام لدى “دار شرقيات للنشر”، بعد مجموعتين شعريتين، “ثقب في الهواء بطول قامتي” في 2003، و”نعناعة مريم” في 2005، يبث في القارىء حالاً من الهدوء النفسي، ويجعله يجلس بلا حراك، متأملاً أجواء القصائد القريبة من متناول يده، يداعبه صوت سردي، هو في الغالب “موقت”، لأنه غير قادر على فعل شيء، سوى أن يستسلم للحزن. يتقمص دور الراهب، ويحوّل زهده ونسكه قصائد، تطير مع الروح، تاركة الجسد بلا حياة: “حزين لأني لا أبرىء الأكمة/ ولا الأبرص ولا أحيي الموتى/ لا أخبىء الديناصورات في حقيبتي من العواصف/ ليس لي جيوب أربي فيها المطر/ ولا عيون أعيرها للعُمي”. يقسم أبو زيد ديوانه ثلاثة نطاقات شعرية، في النطاق الأول: “كأننا والماء من حولنا”، يجرب أن يمسك باللحظة الراهنة، ويمزج ذاته فيها، يحركها ويوجهها أينما شاء، محاولاً القبض على الشارد منها، وإرغامه على ارتداء القصيدة من دون أن تفلت منه جزالة الشعر، وهي قصائد تختلف تماماً في مضمونها ومحتواها عن قصائد النطاق الثاني من الديوان، “جثث قديمة”، والتي ألبسها الشاعر ثوب الماضي، واعتبرها من الأموات، حين تهب عليه رائحتها من وقت الى آخر، يغض الطرف عنها، ويواريها التراب. لذلك لا ينسى أن يضع عليها شاهد قبرها، وتاريخ موتها، فيذيلها بالتاريخ (1999 – 2000). على عكس القصائد الأولى، التي تسكنها الرغبة في اقتناص الحياة، وممارستها بكل نزقها، وإن كانت بعيدة المنال: “أقول لكم/ منذ ثلاثة أيام أريد أن أبكي/ لكنني تحجرت/ ولم أعد أميز بين التوائم”. لكن الرغبة شيء، والفعل أو الإقدام عليه شيء آخر، سنجده يقف متحجراً، عاجزاً بلا أطراف تحمله خارج صمته. يجرب محمد أبو زيد في قصيدة “فستان حمل لسيدة شبه متزوجة”، أن يجلس في قلب المشهد، يزرع عينيه في تفاصيل دقيقة، تبدو بلا ملامح للوهلة الأولى، يتفحص حال السيدة، التي مات زوجها في الغربة. وهنا أظن أن القارىء سيقف ليتساءل من أين يأتي الشعر؟، وهل يخلق الموت ملائكته؟، وقبل أن يخرج من باب التساؤل، يدرك أن لا شيء يحدث بترتيب مسبق. فقط تتوارى المرأة في خلفية القصيدة: “سافرت/ تاركة خلفها/ ثلاجة كريازي/ ونقوداً مستوردة/ ومحبة مصابة بالسكر”، لتصبح القسوة عاملاً مهماً في تشكيل أعمدة القصائد، وتزداد الذات الشاعرة تفتتاً وانقساماً، بين رغبتها في الخروج من أزمتها، وصراعها من أجل أن تتمسك بروح إنسانية، تمنحها القدرة على تذوق طعم الحياة، من دون أن تتحول إلى ملاك: “لم نعد بشراً بما يكفي/ سنصطدم/ في زحفنا بالدمامل والقيح”. في هذا النطاق يكشف أبو زيد عن الوجه، الذي حرره من انغلاقه على نفسه، ومنحه الرغبة في الجموح، والقبض على الجذوة مشتعلة. إنها ميرفت عبد العزيز، وسيتساءل: “كم جناحاً لك يا ميرفت”، وسيتساءل الأشرار عنها، ويتبعون خطاها المنقوشة بحذاء سندريلا الأحمر، في ممرات الأوبرا، ومسرح الهناجر، وشارع وادي النيل، وأفلام يسري نصر الله: “لم ينادوها يوماً (يا ميرفت)/ وكنت أسميها المائية/ قلبها يبين تحت البلوزة/ به شوارع وآباء يتامى/ ومراكب من أوراق الصحف”. هكذا يعرّفها لهم الشاعر في نهاية قصيدتها: “التي نادتها إيزابيل الليندي/ يا بولا” .في قصائد النطاق الثاني، “جثث قديمة”، بنى محمد أبو زيد قبوراً للأرواح التي تتلبسه وتهيمن عليه، أو لروح الشاعر القروي المتصادمة مع المدينة، وحالة العزلة التي تتقمصه وتطبق عليه بشراسة، ليذكّرنا بقصائد صلاح عبد الصبور في “الناس في بلادي – 1957″، وأحمد عبد المعطي حجازي في “مدينة بلا قلب -1959″، مع اختلاف واضح بين مفردات جيلين شعريين وثقافتهما، يفصل بينهما ما يقرب من نصف قرن، تبدلت الحياة تماماً، وأمعنت الروح الشاعرة في غربتها وتشظيها: “فقط أريد أن أشتري/ بعض الخبز لفمي/ وبعض التثاؤب/ كي أستطيع أن أرقد/ على أرصفة/ لا تشتهي العصافير”.يترك أبو زيد مساحة واسعة للهذيان، في النطاق الثالث للديوان، “سوف أهذي”، ليفتح مجالاً لأن تتحقق رغبته العارمة في ممارسة الحياة بحب، من خلال تحرر الروح والجسد، على الأقل في داخل القصيدة، ليخلق عالماً متوازناً، يحتل فيه الموت صدارة المشهد الشعري، في ما يواجهه الشاعر من أزمات، مثل: قصة الحب الفاشلة مع ميرفت، بعدما هيأت كل حواسه للحياة، وتركته وحيداً يقتات الذكرى، ويمارس حبه الشارد في جسد القصائد: “تذوقت لسعة الحب/ وثقبت قلبك/ حتى تفرغه تماماً من النبض”. ويلقيه تحت قدميه جثثاً بلا روح، حتى أن البعض ينادونه في الشارع “يا ميت”، فتدرك الذات الشاعرة أن أزمتها مع نفسها، فتحاول أن تستعير من الشعر جناحيه، كي تتجاوز محنتها، ويعصر الموت ويقطر منه بعض قطرات مياة، يبلل بها مساراته، وفضاءه الواسع، وإلا لماذا إذاً يكتب الشعر؟
ــــــــــــــــ
*نشر في جريدة النهار اللبنانية
 
 

الأوسمة: