RSS

Category Archives: ثقب في الهواء بطول قامتي

من جماليات قصيدة النثر، ثقب في الهواء بطول قامتي .. نموذجاً

عبد الجواد خفاجي

محمد أبو زيد شاعر مصري شاب من مواليد سوهاج ، آثر أن ينحو بتجربته الشعرية صوب النثر ، وقد أصدرت له مؤخرا سلسلة ” إبداعات ” ديوانه الأول ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” في عددها ( 164 ) .

ومن الحقائق التي يجب أن تنطلق منها لدراسة قصيدة النثر أنها ليست تمثيلا للواقع ” وصفا أو سردا ” وأنها على العكس من ذلك إبداع وموضوع مستقل ، ما إن يستقى عناصره من الواقع الخارجي حتى ينفصل عنه ليبحث عن حقيقة العضوية الخاصة … هذه العضوية الخاصة ستكون إلى حد ما تركيبا لعالم غريب نستشعر فيه الغربة أيضا كما لو كنا مسافرين على كوكب آخر باستخدام المواد الاعتيادية جدا والحقائق اليومية ، وتعبيرات وكلمات المواقف العادية ، والألفاظ التي تدل على المبتذل من أشياء ، وعلى الشعر ها هنا ألا يتدفق من جمال التعبير ، أو رصانة العبارة ، أو إيقاعها بقدر ما يتدفق من صيغة الرؤية أ نحن إذن بإزاء تحطيم فكرة اللغة النبيلة ، وبإزاء بلاغة رفض لأية بلاغة ، ولكل صنعة لفظية ، أو كما يقال : جمالية الحد الأدنى التي هي في الواقع القاعدة في قصيدة النثر ، وربما في قصيدة الشعر ـ على حد تعبير سوزان برنار .

في ديوان ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” تجميع لكثير من الأشياء المبتذلة والاعتيادية ، وكلمات التعاملاليومي والتعبيرات الشعبية ، بالتجاور مع المفردات الأجنبية ، والعربية الخالصة ، وغير ذلك منها ما هو مكتوب بالأحرف الأجنبية ، ومنها ما هو مكتوب بلهجته العامية حتى وإن استعار له أبجدية الفصحى .هذه التشكيلة المتنوعة تجمعها صور تعتمد أساسا على التقاء ما لا يلتقي من الناحية المنطقية بما يعد توسعافي استخدام المجاز ، أو التقاء ما لا يلتقي على المستوى اللغوي الواحد ، وإن كانت من خلال عملية الرصف والتوليف والانتقاء تشكل صورا بديعة مدهشة ، يبدو للذهن دوره في ترتيب عناصرها وفق منطق خاص جدا. ويجمل بنا أن نقول إنها صور تقوم على التقاء حقيقتين متباعدتين إلى حد كبير ، أدرك الذهن وحده علاقتهما ، وبالنتيجة فإن الصورة هي إبداع ذهني صرف ، هذا المفهوم لدور الصورة هو إحدى محصلات الشعر الجديد ، فالصورة والاستعارة لم تعودا زخارف إضافية مكرسة لتجميل النص الشعري ، بل هما وسيلتا خلق وإبداع ، ولنا أن نتأمل هذه الجماليات الخاصة بقصيدة النثر في نصوص محمد أبو زيد ، لتفجأنا هذه الصور البكر : “فالشمس مسدلة الغيوم اليوم / شارع عبد الخالق ثروت / منحنى اليوم هزيمة جديدة / هزيمتين / ثلاثا / المطر كان يرتعش من البرد / والغيوم القديمة كالصحراء / كانت تخلع منظارها الطبي ” . صـ 28 … ماتت جدتي .. / بعد يسوع بأقل من ألفي عام / وكانت تقول / إن صالة المغادرة تتأهب لتوديع أناس جدد / فأصرخ : جبار أنت أيها الموت / أريد أن أهزك / وأخنقك من ر بطة عنقك / الأنيقة / كمشنقة … ص 26 … كانت القطة أسفل المنضدة تموء / وجان دارك أمام طبق الفول / نصف صامتة تبصرني / أتوقف في الشارع أمام السيارات / أعجز عن الطيران في ميدان الأوبرا / أفلت من عيون أصدقائي / لأكتب نصف قصيدة / وأظل هكذا إلى الأبد / بنصف يد … ص 94 .

ثمة تجميع لمستويات تعبيرية متفاوتة الرصانة ، وثمة ميل إلى لغة الحياة اليومية والتقاء ما لا يلتقي كالجمع بين جان دارك وطبق الفول ، والقطة في مشهد يبدو حيا وآنيا يمارس اعتياد يته مع الذات الشاعرة ، هذه الاعتيادية التي تحاول الصورة أن تدخلها في عقولنا ليست إلا تجنيحا في أفق فوق اعتيادي ، ميتافيزيقي إلى حد كبير ، لأن جان دارك في عداد الموتى .وبما يعد توسعا في المجاز أيضا أن يرتعش المطر من البرد ،وأن تخلع الغيوم منظارها الطبي ، وأن يكون للموت ربطة عنق أنيقة ، ولا أظن أن هذه التشكيلات اعتباطية مطلقا فقد سبق أن قلت إنها وفق منطق خاص له رؤيته المخصوصة ،فمثلا عندما ننظر في التشكيل الصوري الأتي :

اتركيني، أرقص وحيدا أمام هيرودوت / فأخرج من التاريخ / وأدخل في فناجين القهوة / دعيني أفضفض /سأعلق مشنقة في رقبتي / وأدعوها ربطة عنق / أغرس سكينا في فمي / وأدعوه سيجارا / أعانق الكهرباء وأسميها الحبيبة / أخرج ذاكرتي بيناير ص 68 .

هذه مجموعة من الصور المترابطة في بعض المواضع والمتجاورة في مواضع أخرى تتحد بموجب منطق خاص جدا يبدأ بالرغبة في الخروج من التاريخ ، على عكس كل البشر إذ يحلمون بدخول التاريخ ، هذا التاريخ يبدو مرفوضا لقذارته ولا إنسانيته حسب وجهة نظر الذات الشاعرة ، وما الذي يجبر الذات على الحلم بدخول تاريخ آثم شرير ؟ !

ربما لهذا تحفل الصور بأشياء كثيرة مميتة ، أشياء يجفل منها البشر ، لأنها تجتث حياتهم مثل ” سكين ـ مشنقة ـ الكهرباء ” هذه الأشياء المهلكة للجسد يخشاها الواقع المادي ، لكنما قد لا تخشاها الأرواح الهائمة التي تخرج من التاريخ المادي غير آسفة عليه ، وربما لهذا تنتاب الشاعر رغبة غسل ذاكرته أولا بأول ، بداية كل عام ( يناير)..

يغسلها حتى يطهرها من فواصل ومحطات هذا التاريخ المرفوض .

يبقى أن يباكت راقصا هذا التاريخ أمام أبي التاريخ “هيرودوت ” … يباكته خارجا فيما يشبه الفرح والرقص ، خارجا من عواصف التاريخ إلى عواصف أخرى قد يسميها هذا التاريخ المرفوض ” زوابع في فناجين ” هذه الزوابع قد توسم بهذا الوسم ، لها ما يبررها ، وعلينا أن نطالع الأسباب في مجمل تجارب الديوان ، فمهما كان الشاعر متمردا إلا أن تمرده له ما يبرره ، ولو تتبعنا تشكيلة الصور السابقة لوجدنا تشكيلة أخرى تشف عن مبررات الرفض والتمرد ، نقرأ منها :

ذراعي التي كسرت من الكتابة إليك / لم يفعل أبي معه شيئا / فقط علقها كتمساح محنط ، في مقدمة البيت / الأصدقاء قلبوا البحر طحينة … ص 69 .

إنها صور تنم عن السلبية المحيطة تدعو إلى الرفض المقابل ، وتمتد الصور الشعرية التي تعكس تجربة الذات في هذا الواقع على نحو : ليس لي حبيبة ولا أصدقاء ولا قصائد راقصة ، أعبر بها ـ كبساط ريح ـ جثة الطغاة . / وأسرة الأمراء / والطحالب في أفواههم . ص 70

وفي تشكيل صوري آخر :

كل يوم / أقف على ناصية جسدي / أقزقز السحابات / المارة / وأرص البيوت المنشورة / على أحبال الغسيل

في جيبي / وأنتظر ني / لكنني دائما لا أجيء . ص 18

لم يعد له غير جسده الذي هو الكون الذي يدس فيه فضائح وأسرارا لم تعد سرا … يعيش كجسد يبحث عن مساحة للتعايش الروحي التي لم يعثر عليها ، ربما هو يلجأ إلى الأساطير عله يجد روحه المفقودة :

جدتي قالت / الذباب الأزرق / هو أرواح الموتى .. / وهكذا أسير / مفتشا عن روحي ص 53 .

وثمة صور أخرى تعكس لنا صورة السماء التي تترصد الذات التي لم تعد تملك من واقعها شيا سوى صورة المحبوبة ، وليس المحبوبة نفسها ، وكأن كل ما يربط الذات بواقعها جماليا وليس حسيا ، وإن كان مرئيا على نحو غير حقيقي ، بيد أن السماء استكثرت على الذات حتى صورة المحبوبة فخطفتها ، في الوقت الذي لم تعد الذات عابئة بهذه العوارض ، وهي التي تشتاق لبهجة أعظم خلف سجفه الفيزيقا ، أو هذا العالم المرئي :

لأنه كان يشتاق / لصفصافة زرقاء الروح / بصورة مبهجة / فلم يهتم برائحة الشواء / التي اغتالت الشارع

الحافي / ولا بطعم معجون الأسنان في فمه / ولا بالسماء التي / مدت يدها / وخطفت صورة / للحبيبة / فقط

بكى عندما غنى محمد منير / ( قابلت في الطريق عيون كتير بريئة / أعرف بشر عرفوني لأ لأ ما عرفونيش ،

قابلوني وقابلتهم ،بمد أيدي لك طب ليه ما تقابلنيش ) / فقط .. / أبكي كثيرا / حتى أضحك بلوزات بنات الكورنيش الضيقة / وبوابات الجريون ” ص 20 .

في كثير من الصور تتحول الحياة إلى قبر ، فيما تتعامل الذات مع هذه الحياة في الخارج كما لو كانت هي الحياة الآخرة ، وفي لحظات الضيق تتساءل إن كانت قد أخطأت اختيار القبر الملائم :

” فهل هذه المسافة / كافية للهرولة .. / أم أن عيني لم تستطع اختيار القبر الملائم / أيتها الخناجر / بإمكانك تمزيق الأفئدة والقصائد / ومناشر الغسيل / بإمكانم .. / فتح كل الأبواب / والإنصات جيدا للكلام الهامس بين مساحيق الغسيل / والقلوب .. ص 11 .

إن نداء الخناجر / أداة التمزيق والقتل يمثل قمة غضب الذات : إذ تستدعى هذه الأداة الحادة لتمزيق القلوب والقصائد معا .. إن الرابط بين القلوب والقصائد من شأنه أن يوضح العلاقة بين الشعر والعاطفة التي تحفل كثيرا بقيم الغناء في واقع ليس غنائيا ، بيد أن الطيور نفسها تستحق القتل أيضا لا لأنها شريرة ، بل لأن قتلها يمثل قمة الرحمة بها وقد أضحت بغير دوحتها ، وهكذا نجد دعوة الخناجر لها مبررها ، فيما أضحت ها هنا قيمة إيجابية ، ومن ثم تأخذ مفردة خناجر دلالتها في هذا اللون الجديد من القصائد التي تخلق عالما على نحو مخصوص يتفق ومنطق الذات .

ما يعنينا من وراء رصد هذه المجموعة من الصور السابقة أن نرى كيف اجتمع فيها المبتذل والعادي ، وكيف أنها بعدت عن الرصانة إذ حفلت بالاقتباسات العامية عندما ساق نص أغنية محمد منير ، كما حفلت بالتعبيرات الشعبية مثل : مناشر الغسيل ـ مساحيق الغسيل ـ علب الفازلين ـ أحبال الغسيل ـ فرشاة الأسنان ـ معجون الأسنان ـ براد الشاي ـ قماش الكنب ـ بلوزات البنات ـ كورنيش النيل .. إلخ ، بجانب ألفاظ أجنبية المنشأ مثل : بروفيل ـ تاكسي ـ بلوزات ـ الأوبرا ـ سجائر ـ الجريون .. إلخ ، وثمة احتفاء بتوافه الأشياء من عينة : طحينة ـ فازلين ـ معجون ـ طاولة ـ رابطة عنق ـ أحبال ـ مناشر ـ إلخ ، تتعاضد بلغة أكثر رصانة من عينة : الأفئدة ـ استرق السمع ـ يركلني الفلاحون ـ يهجوني الأطفال ـ عيون معلقة على البحر ـ بساط الريح ـ الشمس مسدلة الغيوم ..

إلخ ، وكثير من أسماء الأعلام والميادين والشوارع ، والحقيقة أن الديوان حافل بمثل هذه التشكيلة القاموسية والتعبيرات ذات المستوى المتباين ، والتي تمت إلى شرائح المجتمع ومستوياته الثقافية كافة ، حتى اللغة الاصطلاحية لم تخل النصوص منها ، فهناك حشد مباه بتواجده من عينة : جامعة الدول العربية ـ الماركسيين ـ رومانسي ـ متوالية هندسية ـ متوالية عددية ـ حمض الكبريتيك .. إلخ ” .

اللافت للنظر أن النصوص حفلت بكثير من أسماء الأعلام الموتى ، وتعاملت معهم في إطار التجربة كأشخاص لا يزالون يمارسون الحياة ، واللافت أيضا أن هؤلاء الأعلام يمتون إلى أزمنة مختلفة ومجتمعات متباينة ، ولعل ذلك له ما يبرره أيضا فالتجربة تسعى إلى استيعاب البعد الإنساني الذي يستوعب التجربة الإنسانية عامة وعلى مدى التاريخ الإنساني ، وربما أن ذلك كان واضحا من تنوع الأعلام ما بين مصري وأجنبي وعربي وفي حقب زمنية مختلفة ومتباعدة ، وفي الإطار نفسه استخدم عبارات بلغة أجنبية مثل ما هو وارد في قصيدة ” هل فنجان يتيم من القهوة السادة يكفي لرتق كل هذه الهموم ” إذ وردت عبارة :فhe death is what death does t ص 21 بجانب نصوص متضمنة من القرآن الكريم مثل : أصلها ثابت ، وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين ص 12 ، وإن كان الشاعر قد أخطأ في النقل وكتبها : جذرها ثابت ، يتواشج ذلك مع بعض التعبيرات الدارجة في الشارع مثل : تحاسب التاكسي ص 15 ، وقلبوا البحر طحينة ص 69 ، مع كثير من صور الرصانة التي وردت بشكل عارض ، هذه التشكيلة تحاول أن تكون شاملة ومستوعبة للبعد الإنساني والاجتماعي والتاريخي متمثلة التجربة الإنسانية في عموميتها .

أما بخصوص الأعلام الموتى وخلطهم بالأحياء فله ما يبرره أيضا على صعيد التجربة التي تعلن موت شاعرها إذ يبدأ في ممارسة حياته الاعتيادية ، وغير ذلك فإن له حياته فوق الواقعية التي تهجر هذا العالم الخرب الشرير الحي الميت ، أو لنقل الميت بالحياة حسب وجهة نظره ، أما الحياة الحقيقية بالنسبة للذات الشاعرة فهي هناك فوق هذه الحياة / الواقع ، مع الأرواح حيث الرحابة وحيث الحاضر الأزلي ، وحيث التسامح الحقيقي ، لنقل الخلق البديل الذي صنعته لتوها الذات الشاعرة ، حيث الاتصال الحر و الحوارات واللقاءات بكل الأعلام الذين رحلوا أو من هم على دربهم من الأحياء ،بعضهم حقيقي مثل : محمود المليجي ـ محمد منير ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ جان دارك ـ المسيح ـ النجار ـ يهوذا .. إلخ،

وبعضهم أسطوري مثل سانتا كروز وغيره ، الملاحظ أن أسماء الأعلام تنتمي إلى حقول إنسانية معرفية وفلسفية متنوعة ، وإن كانوا جميعا ساهموا في هندسة الحياة الروحية للبشر .

إنه عالم غريب يختبط فيه الأحياء بالأموات ، والأموات بالأحياء ، إذ ينهار فيه حاجز الزمن تماما بمعناه التقليدي ، ليصبح معبرا عن سرمدية اللحظة ،ومن ثم يسقط التسلسل الطبيعي للزمن وتتداخل فواصله لتشكل عجينة واحدة فوق واقعية ، ولعل الذات وهي تصنع عالمها هذا مجتازة الوعي ألحصري ، والتقنين والتسييس والاعتيادية ، تعي أنها تجتاز عالما له تسلسله الطبيعي ، من جهة أخرى تعي أنه عالم مسيج بالخيال المرضي ، وهذا يمثل بالنسبة للذات الشاعرة خضوعا للوهم إذ لا مكان أساسا لتواصل رومانتيكي حقيقة ، ولا فرصة لممارسة الغناء الحقيقي على نحو ما يفعل الرومانتيكيون ،لا فرصة في واقع كئيب مادي شرير ،والقول بغير هذا يعني خضوعا للوهم ، المرضي الهروبي ، ومن ثم إذ تتخلى الذات عن السقوط في دائرة الوهمي هذا تجتازه على ما هو حقيقي بالنسبة لها وهو العالم المتخلق لتوه فوق منطقها المخصوص .

في نص ” أكمام قصيرة لا تصلح لرداء منزلي ” صراع بين لحظتين ، إحداهما تشد الذات نحو اعتيادية الحياة والعلاقات ، والأخرى تشدها نحو لحظة متفلتة من إسار الاعتيادية ، قد تكون اللحظات الرومانسية أحيانا واقعة ـ رغم بعدها المحلق في الخيال ـ ضمن المشاعر الاعتيادية التي ألفها هذا الواقع الممجوج ، أحيانا تبدو الرومانسية تقليعة مضحكة تمارسها أفلام السينما على سبيل التمثيل لا الحقيقة في عالم كهذا تبدو الذات نافرة من الواقع بما يحويه من اعتيادية الحلم الرومانسي إلى أفق يسكنه الحلم الصوفي المتفلت من جبلة الواقع ومنطقيته وكوابيسه ، ورومانسيته المزعومة والمريضة ، هذا الحلم الصوفي وحده يجعلها إلى حد ما ملامسة للحقائق اللا زمانية :

يالله/ هذا المشهد لم أره من قبل/ لكن أصابع الوقت النحيلة كثعبان رضيع/ أحاطت بعنقي/ وأزعمتني على البكاء / ما يذكره الشعراء في هذه الحالة/ سيكون رومانسيا/ وأنا أحاول أن أبدو بقميص ينادم شجرة بلا نهود/ حسب التسلسل الطبيعي للأحداث ساترك خيالي/ ليرسم على السطح حمامتين/ وعلى السطح جثتين/ وفي الطريق عربتي إسعاف . ص 76

إذا كانت اللحظة الحاضرة سياجا يحيط بالعنق ، ويرغم على البكاء ، فإن الحالة مناسبة شعريا للتحليق في أفق رومانسي مرفوض هو الآخر، إذ ما جدوى البكاء في عالم فيه ” الشارع تابوت طويل ” ص 76، التساؤل الأكثر وجاهة : ما جدوى الغناء ؟! لماذا يغني العالم وقد أضحت حتى اللحظة الرومانسية التي يمكن أن تكون مجالا للتحليق الروحي … أضحت غباء مصطنعا تمارسه الأفلام على سبيل التمثيل لا الحقيقة :

” ألم يكن من الأنسب أن نعير ضحكاتنا بعضا من الاهتمام / أن أعيد تلوين وجهي وأنا أقول ط أحبك ” / فتنبت في كفي سنبلة وقصيدة عمودية / سنجر الشوارع خلفنا كقط أليف/ لتتأهب القطارات بأغنياتها / فكم الوقت الآن / العاشرة إلا خمس دقائق / هذا مناسب تماما لأن أرتل في حضرتك ” أحبك ” / أن تفر تفاحتان من وجنتك / في الأفلام عادة / سينتهي الفيلم بقبلة طويلة . ص 74

ولعلنا قد أدركنا أن تمرد الشاعر على الواقع والمحتوى التاريخي ، يحوي في زوبعته تمردا على المعطى الثقافي واللغوي والبلاغي أيضا ، ولعل ذلك ما جعله يرفض الأسلبة التقليدية ، فلم يكن ملتزما في رصف عالمه وهندسته إلا بمنطقه المخصوص ، ولم يكن معنيا إلا بالحرية التي تؤهله لأن يكون كالنحلة التي تقف أينما شاءت فوق كل ألوان وأنواع الزهور أيا كانت ، فوق زؤابات الجبال أم في السهول ، في البوادي أم في الوديان والمروج ، هكذا كانت تجربة الشاعر التي تبغي الوصول في النهاية إلى العسل ، وإلى هندسة عالم له مذاقه وطابعه المخصوص .

من اللافت للنظر في نصوص الديوان أيضا بجانب رفض البلاغة التقليدية ـ غياب اللوازم المرورية في الكتابة ، مثل علامات الترقيم ، فلم تعد كلمات الجملة أو أجزاء الفقرة مترابطة نحويا ، ولم تعد الروابط بينها مؤسسة على منطق السببية المعهود أو أي منطق خارجي ، إنها صورة تشكلها كلمات كل ما يجمع بينها أنها متحدة وفق منطق مخصوص ، أو خاص بقصيدة لها درجة من الكثافة التي تجعلها إلى حد كبير مكتنزة بالإيحاءات والدلالات 

Advertisements
 

الأوسمة:

هاجس الموت في شعر محمد أبو زيد

صافي ناز كاظم*

شاعر شاب من مواليد 4/ 5عام 1980 ،  يصدر له ديوانه الأول بعنوان ” ثقب في الهواء يطول قامتي ” ، ولا يغادره هاجس ” الموت ” في صفحة واحدة .الحزن من أدوات الشعر المعروفة ، خاصة عندما يكون الشاعر في مقتبل العمر ، لكن لماذا “الموت ” ؟

الحزن في الشعر احتجاج ، ولعله من دلالات الحياة القوية ، لكن  “الموت ” شيء آخر  هذا الشاعر الشاب محمد أبو زيد أقرأ له لأول مرة . طبعاً لا بد أن يكون ” لأول مرة ” ، فهو “كله” لم يتعد الثالثة والعشرين . في مثل عمره كنت حزينة  ولكني كنت أسمي حزني : ” الحزن الأخضر ” لأنني كنت غاضبة من “الموت ” ، من الأوراق الذابلة التي تزحم الطريق وتقف عائقا أمام “انطلاقات ” الشباب . صحيح أنني كتبت مرة ” قلبي يحدثني بقرب منيتي ” ولكني أعترف أنها كانت كلمات ملفقة عن هاجس لم أستشعره حقا وأنا في تلك السن التي كنت قد بلغت فيها السابعة عشرة . لكن “محمد أبو زيد ” جاد في مصاحبة ” الموت ” ومرافقته ومطاعمته وارتشاف القهوة معه وهو يسأله :

”  هل فنجان يتيم من القهوة السادة يكفي لرتق كل الهموم  ؟ ” ، ” محمد أبو زيد ” زاهد في الترف ، ولا يكترث كثيراً بفروق الطبقات فهو يحب أن يسير في البرد بقميص خفيف على البدن ، وسعيد بكونه من أحياء القاهرة العريقة ، نعم انه لا يعير ملاحم الحقد على المتخمين  بالثراء والدفء أي اهتمام ، هو فخور  بأنه غير متخم وغير متدثر ، لكن ثمة افتقاداً ميرا  ً يسحبه تجاه التكلم بـ ” الموت ” الذي هو لغته الأم ومفردات ” حياته ” اليومية التي يقول فيها : ” كل يوم ، أقف على ناصية جسدي ، أقزقز السحابات المارة ، وأرص البيوت المنشورة ، على أحبال الغسيل في جيبي ، وانتظرني لكنني دائماً لا أجيء ” . ثم يكمل في فقرة ثالثة  : ” عليك أن تموت جيداً ، في المرة القادمة ، فيما جامعة الدول العربية ، تفتح عينيها وتصرخ مرهقة ، ذا  دث  إز  وات دث  دز  ….. ” ، والسطر مكتوب في ديوانه بحروف اللغة الإنجليزية ويعني ” الموت هو ما يفعله الموت “! إنه يمضغ كلمة ” الموت “

بلذة من وجد في ذلك حريته : ” شارع عبد الخالق ثروت ، منحني اليوم هزيمة جديدة ، هزيمتين ، ثلاثا . المطر كان يرتعش من البرد ، والغيوم القديمة كالصحراء ، كانت تخلع منظارها الطبي ، وتحدق في ترقب ، وثمة هزيمة جديدة ، تتدحرج على الأرض ، تتسلق بنطلوني الأزرق . بلا أصدقاء كان الشارع ، وكنت أنا وحيداً ، فسرنا معاً ، إلى صحراء نائية ، وهناك سفك دمي ، العفاريت ضحكوا حتى أدموا الرمال ، والثعابين التي تزورني في كوابيسي ، وأخشى أن أحكي عنها ، مازالت تتسلل إليَ من تحت الوسادة آهٍ يا … ، يا من ؟ ، ؟؟؟؟ !! ثمة هزيمة جديدة قادمة إليَ ، لا داعي لأن أشد المعطف على صدري فهي الآن نائمة في نخاعي الشوكي ، المقاهي وحيدة ، ترتعش كحشرة مقلوبة ، الفناجين تبتسم في بلاهة ، النادل ….، معلق في ميدالية المفاتيح ، حتى أنا لا أعرف ،…. كيف أتم هذه القصيدة ؟! ”  كتبها وهو في العشرين هكذا يؤكد التاريخ عام 2000 ، كل جملة تنتهي بفاصلة من عندي هي عنده جملة في سطر ، هذا ما يسميه بعض النقاد

” قصيدة النثر ” وأرفض المصطلح بشدة لأن ” الشعر” لا يتم تعريفه بالنثر ، كما أن ” النثر ” لا ينتحل لنفسه لقب “الشعر ” . ما يكتبه محمد أبو زيد هو ” الشعر” . بلا أي تردد من جانبي . حين أعطاني ” ديوانه ” أو ” كتابه ” هذا قلت له ربما أجلت قراءته بعض الوقت ، وعندما حاولت أن أجسه قبل التأجيل وجدتني قد التهمته وقد رفَت على وجهي ابتسامة ، فقد نجح في أن يزيح عن “الموت” الجهامة والكآبة ويجعله صديقا وحتمية متلطفة تنقلت معها عبر 17 قصيدة بعناوين : ” أخطط لاغتيالي “، ” هل فنجان يتيم من القهوة السادة … “، ” إضاءة خافتة بعض الشيء “، ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” ، ” عائشة ” ، ” هل ثمة داع لأن يمر الهواء من هنا ” ، ” أين هاميس يا بابا نويل”، ” البعيدون “، ” المطر بمحاذاة البكاء “، ” هزائم تليق بي “، ” أكمام قصيرة لا تصلح لرداء منزلي “، ” ابتداء من اليوم الثالث عشر بعد انفجار الموسيقى “، ” ليس حتماً … لكن أحياناً “، ” حزن يلائم النعناع “، ” أُف … “، ” نصف تاريخ أزرق ” .

هذا الفتى الشاعر ، بهاجس الموت ،سري عني رغم صعوبة هذه الأيام ، حتى وهو في ” أُف … ” أذهب عني الغم وهو يقول : ” دائماً دائماً ،تسألني إشارات المرور ، وصحف المعارضة ، وكلية التجارة ، كيف حالك ؟ ، أرد ميتا لم أمت بعد “، وهو يقول : ” أتحسس حافظة نقودي ، عند مروري ، أمام البنك المركزي ، دائماً دائماً ، ….،….،….،يااااااه ، كل هذا الملل ؟ “، وهو يقول في ” حزن يلائم النعناع ” : ” هل كان يجب أن أرحل ، حتى أدمن الحبوب المنومة ، والموت ، وأم كلثوم المذابة في الشاي ، حتى أساوم الأرض عن جاذبيتها ، لأطير هكذا ، بلا جناحين ، في الضباب الملائم لموته رومانسية ؟ “

وهو يقول في ” نصف تاريخ أزرق ” : ” نهاية أخرى غير هذه النهاية ، أريد أن أبدأ بها القصيدة ، لكنهم ذهبوا ، ـ كعادتهم ـ في الصباح تركوا ملاءات السرير مبعثرة ، فناجين القهوة نصف ممتلئة ، البيض على النار قبل أن يسلق ، الخبز دون أن يمس نسوا مفتاح المنزل متعمدين ، وقالوا إنهم عائدون ، أنا   ــ الأحمق ــ  صدقتهم فلم أعبئ الهواء بأطيافهم ، لم اعلق أصواتهم على الجدار ، لم أشد على أرواحهم بحرارة ، وابكي ، فقط أهرول حتى الباب مندهشاً ، بجلباب أبيض …. فضفاض …………أفلت من عيون أصدقائي ، لأكتب نصف قصيدة ، وأظل هكذا إلى الأبد بنصف يد ، أختبئ من البيوت التي بلا سقف ، والأزواج الغائبين ، وعربات الاسعاف ، وقصر بطول ثلاث محطات مترو ، رحلوا في الصباح ، كان الموت يمر بكرش حكومي ، يترجرج أمامه كخضاضة ، وعينين حمراوين ، عصا سحرية ، خبط بها على الحناجر وصاح ، جلا …جلا ، فطار قلبي ، رحلوا في صباحهم في مسائي ، لأنتظرهم ــ بعد انتهاء القصيدة ــ أمام روحي ، بأردية خضراء زاهية ” .

ما اغرب الشعر الذي بإمكانه أن يصنع ــ حتى من ” الموت ” ــ جمالاً يغسل القلب بالعزاء .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر في جريدة صوت الأمة 2004

 

الأوسمة:

هاجس الطيران في ديوان ثقب في الهواء بطول قامتي للشاعر محمد أبو زيد

هاني عبد المريد

نسمع كلمة ” أبو زيد ” فيرد إلى أذهاننا دوماً صورة رجل كث الشارب ، طويل ، مفتول العضلات ، وعندما نرى الشاعر محمد أبو زيد ، نصدم في كل ما سبق ، فنرى شاباً مرهف الحس والجسد ، أحب أن أطلق عليه دوماً ـ دون مبالغة ـ مسيح العصر، لديه قدرة هائلة على التسامح والمحبة ـ المحبة الحقيقية ـ للبشر والحيوان والنبات ؛ المحبة التي تفيض فيوزعها على كل الأشياء ، فيحب الطقس أياً كان ، يسير ليلاً تحت المطر وحيداًَ مستمتعاً ، لا يستخدم المواصلات إلا في أضيق الحدود ، فيتجول بين أحياء القاهرة ـ على بعدها ـ سيرا ، متأملاً في وجوه الناس والأشياء ، وحبات الحصى.
هذا الحب الذي جعله يقول
” حضني يسع للكثيرين
أسير كالمتشردين
في أفلام خيري بشارة “

وجعله أيضاً يكون كراهية لعدوه الوحيد ، الذي يبعده عن الأحبة ” الموت “
وجدت كراهيتي
لليهود وللجنازات اللامعة
وللعربات المسرعة
وكلها دوال للموت الذي جعل الحزن هو الشعور الطبيعي والأثير لدى الشاعر فيحدث نفسه قائلاً :
أيها الأحمق كفى ..
كفى
فقط ابك
فشكلك ليس جميلا بالمرة
حين تضحك

ولكن سرعان ما تطغى طبيعة أبو زيد المحبة ، فلا يبقى على كراهية الموت بل يخلق بينه والموت ذلك الحد المسحور ، يقف في منطقة لا نعرف معها هل يواجهه أم يتمناه ..
هل يملك من المكر ما يداهن به الموت ، أم يتبع ما أتبعه أجداده القدماء عندما قدسوا كل
ما يخفيهم ؟
أبو زيد في ديوانه الأول ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” يغزل على وتر الموت .. وتر
وحيد ، لكنه استطاع أن يعزف عليه كل الألحان وهذا هو سر الفرادة في هذا الديوان ،
أنه استطاع أن يؤسس فعل الحياة من فعل الموت .
بعد هذا التقديم الذي يبد و طويلاً ، سننفذ إلى الديوان ، بل سنتوقف قليلاً أمام العنوان :
“ثقب في الهواء بطول قامتي ” .
هذا الثقب الذي حدث نتيجة لصعود جسد الشاعر ، مغادراً الأرض بكل ما فيها من نفاق
وفناء إلى رحابة السماء وصفائها ، وكأنه يود التأكيد على أنه المسيح الذي يرفع
مضحياً بنفسه من أجل سعادتنا ، وتعاطفاً مع :
” حزن القصائد اليتامى
والأطفال الرضع
وأبناء بائعي العرقسوس
وإن كان يبدو حزيناً لأنه منح عذاب وتصحيات المسيح دون أن ينا ل معجزاته فيقول
في قصيدة ( هزائم تليق به ) :
أنا حزين لأني
لا أبريء الأكمه ولا الأبرص
ولا أحيي الموتى
ليس لي جيوب أخبئ فيها المطر
ولا عيون أعيرها للعمى
ليس لي حبيبة
ولا أصدقاء
ولا قصائد راقصة
محمد يقبل على الموت بإرادة ووعي كاملين ، بل ويخطط لذلك ( أخطط لاغتيالي ) .
ومن مفردات الخطة اختياره للوقت المناسب للرحيل :

” ……. إن هذا الوقت
مناسب جداً لأن أحزن
مناسب جداً لأن أبكي
مناسب جداً لأن أموت
يفعل ذلك أيضاً بحب ، حتى أنه في لحظة صعوده ، سوف يلوح للملائكة ، ويعانق
النجوم ، والمارة .. غير ناقم .
ربما كان الموت أيضاً هو طريقة لتحقيق حلم الطيران الذي رواده على طول قصائد
الديوان ، حيث التحرر والانعتاق .
هل كان يجب أن أرحل
لأطير هكذا
بلا جناحين في الضباب الملائم
لموتة رومانسية
وفي قصيدة أخرى
” الآن وقد أصبحت طائراً “
وفي ثالثة
” ثم أصعد إلى أعلى “
هكذا ..
نعم هكذا ..
هكذا
يصعد / يموت ، دون أن يفقد الإرادة والقدرة على الفعل
“سأفك ذراعي المسيح “
وساقي يهودا
وفهم النجار
وعيني
أنصبني مصلوباً جديداً
لأتذكر أن محمود المليجي
في
آخر لقطة من فيلم الأرض
كان يجر أظافره على وجهي
ها هو / يصلب نفسه بكل ما يحمله الصلب من تضحيات مترسبة في أعماقنا وقد ربط بين
صلبه وفك عصابة عينيه أي أنه مع الصلب سيتحرر ويرى وينعتق ويفتح أمامه المدى .
ربما أيضاً يرحل من أجل وحدته ، وفقدانه للأحبة الذين ينتظرهم دوماً ولا يجيئون
فيقول بوضوح :
أن الهواتف الخرساء هي السبب
أن نوافذ البيوت القديمة المغلقة
هي السبب
وربما يصعد محمد لأن :
جامعة الدول العربية
تفتح عينيها وتصرخ مرهقة
.. Is what The death
death does

لأن كل شيء ـ كالعادة ـ ثابت ، ولا فعل حقيقي .
ومن خلال لعبة الترقيم التي مارسها الشاعر استطاع أن يقول الكثير ، ففي قصيدته ( أخطط
لاغتيالي ) كان ترقيم المقاطع ( 1 ،2 ،3 ،2 ،1 ،0 ) وكأنه يمثل الوضع الراهن بلا
منطقية ، وعدم استقراره ، من لقمة لقاع وفي القصيدة التي تليها كان الترقيم (1،0،0 ،ـ1 )
وكأنه أراد في هذه اللحظة أن يقاوم الفناء ، تبدأ برقم (1) ثم يثبت بتكرار (0 ،0 )
ولكن في النهاية يكون الفناء ب ( ـ أ ) .
استطاع أيضاً الشاعر محمد أبو زيد أن يمزج العام بالخاص دون أن يشعرنا بالإقحام بل وفي لحظة ما يقنعني أنه من المنطقي أن يقترن موت الجدة بموت عبد الناصر ومولد المسيح و. ……. يخلط أحزانه بأحزاننا فنبكي ونضحك معاً عندما يسأل عائشة ببراءة :
هل كان من الضروري أن
يكون اسمك عائشة ببراءة
لكي أظل وحيداً
ما أثارني بشدة في الديوان أنه رغم الموت الذي لا تخلو قصيدة من ذكره إلا أن الصور جاءت
تمتاز بالحياة بكل ما فيها من حركة وجموح وجنون :
” الشارع :
تابوت طويل يقطعه
بين الحين والآخر جواد
يهفهف فوق قميص يعرج
الموتى :
شجرة تساقطت أوراقها
فاتجهت إلى السماء لترقص
التانجو منفردة “
حركة وخيال صب ، تمتاز به القصائد التي تمتاز أحياناً بجماليات الصدق والبساطة .
آه ..
لو يعلم الذين فارقونا
كم نحبهم
وبالعمق والتأمل في كل الأحيان
الديوان مليء بالصور التي تخص أبو زيد وحده ، فيقول مثلاً :
عربات القطارات بريئة
كبنت لم تقبل
شفتاها أصبع الروج بعد
حزينة كجرائد المعارضة
صامتة كمومياء قمر
أو عندما يقول في قصيدة ” هل فنجان يتيم من القهوة السادة يكفي لرتق كل هذه الهموم : المطر كان يرتعش من البرد
والغيوم القديمة كصحراء
كانت تخلع منظارها الطبي
وتحدق في ترقب
إذا كان هذا هو الديوان الأول لمحمد أبو زيد فهو يحمل كل ما تحمله الأعمال الأولى من طزاجة
وإبداع حقيقي ، فيذكرنا بمدينة بلا قلب لحجازي ، وأرخص ليالي ليوسف إدريس ، والناس في
بلادي لصلاح عبد الصبور .
الديوان يحمل لواء النثر ، لكنه يعد من الدواوين النثرية القليلة التي استطاعت ألا تتوه بين
الأصوات الكثيرة ، ووجد لنفسه مكانه الخاص ، وصوته المنفرد ، ولم ينغمس في الغرابة والتغريب ، بل استطاع أن يقوم على الغموض الشفاف ، فكما قال الدكتور عبد القادر القط
” إن قدراً من الغموض ضروري للشعر الجيد ، على أن يكون غموضاً شفافاً ” .
الديوان عن عبد الناصر وجيفارا والاشتراكيين والحرية والعدل .. تحدث عن الكثير من الأشياء التي من الممكن أن يعلو الصوت فيها ، ولكن أبو زيد استطاع أن يقول كل شيء همساً ، في هذا الديوان قال وبكل قوة أيها العالم أنا موجود .. أنا هنا وحيد أحزن ، وأبكي ، وأكتب شعراً جميلاً ، فانتبهوا لي.

ــــــــــــــــــــــــــ

نشرت في مجلة الشعر 2004

 

الأوسمة:

الأسماء في ثقب في الهواء بطول قامتي

علاء الدين رمضان

من النقاط المهمة في ديوان ثقب في الهواء بطول قامتي للشاعر محمد أبو زيد،  ما نجده بسطوع ضاف في الشخصيات تيمتها التي يقدمها الشاعر ، ومن أبرز تلك الشخصيات : شخصية الذات / الشاعر ، وشخصية عائشة ..؛ وسأبدأ هنا بالحديث عن عائشة ..

1 – عائشة :

كنت منذ الوهلة الأولى عند مطلع التلقي ، منذ الإهداء أتوقع أن أجد شخصية إيمان من أكثر التكوينات الفاعلة في التجربة ، وأحفلها وجوداً في أجواء القصائد ومتونها ، فإيمان هي تلك الشخصية التي أهدى لها الشاعر نصف إهدائه ، مدخراً النصف الآخر لحالة من حالاتها ، فأهداها النصف الآخر أيضاً ، ولكن حين تبتسم ، فإيمان يشي الديوان مبشراً بها منذ الإهداء ، لكننا نفاجأ أن اسمها لم يتم طرحه ثانية ، بينما يطرح الشاعر اسماً آخر هو عائشة ، الاسم الذي جعله عنواناً لقصيدة قصيرة ، ثم جعل منه مفارقة بين الحياة والموت ، في القصيدة نفسها ، والحضور الآخر لعائشة كان في قصيدة المطر بمحاذاة البكاء ، في المقطع السابع من القصيدة ، يخبر الشاعر عائشة بأنه أحب ؛ في بنية بلاغية ولغوية مكثفة ودقيقة ، تبدأ بالزمن ( الآن ) ، ثم النداء باستخدام أداة لنداء البعيد ( يا ) ، ثم عائشة ( الشخصية التي توازي إيمان ولا تتقاطع معها )، أو بتعبير الشاعر نفسه ( بمحاذاة ) كما جاء في عنوان القصيدة : المطر ( المعادل الدلالي للرحمة أو الحب ) ، في محاذاة البكاء ( المعادل الدلالي للحزن والفقد أو الموت ) ؛ وكأن الشاعر يبشر عائشة بإيمان ، هذا إذا ما تصورنا أن عائشة هي الماضي تاريخياً ، وإيمان هي المستقبل تاريخياً ..

الآن يا عائشة

أنا أحب ..

ثم نلاحظ أن في تقديم عائشة على الحدث فرط اختصاص بعائشة وحصر للحديث عندها وقصر توجهه إليها في إشارة إلى أنه يقصد به عائشة وحدها ..، ثم يستخدم الضمير ( أنا ) ، وهنا تتجلى العلاقة الرابطة بين الشاعر وعائشة ، فعائشة إذن من المحتم أن يثير عندها هذا الأمر دهشة إيجابية لأن الأعنى لديها هو الشاعر لا ما أحدثه من فعل ، ثم يأتي الفعل في المرحلة الثانية ( أحب ) وكأن الشاعر يفاجئ عائشة بما تنتظره ويعلم أنها ستهش له وتسعد به ؛ أود أن أقول إن البنية اللغوية لهذه القصيدة جعلتني أعيد على مهل قراءة قصيدة عائشة ؛ ثم المقطع السابع من قصيدة المطر بمحاذاة البكاء :

هل كان من الضروري

أن يكون اسمك

عائشة  ..

لكي .. أظل وحيداً ؟!!

هاتان لحظتان في حياة شاعر ، لحظة حزن ، يبكي فيها وحدته ويستنبط مفارقة من اسم التي أدخلته الوحدة ، والتي عبر عنها تعبيراً لغوياً جديراً بالتناول والتأمل ( أظل وحيداً ) ، فهو هنا يعني الاستمرارية واتصال الحالة ..

أما اللحظة الثانية فهي لحظة الفرح العارم بأنه أحب ..، المفارقة في الأولى تكمن في أن التي جعلته وحيداً اسمها عائشة ووحدته لديها تشبه الموت ، فهي عائشة وهو ميت ، أما المفارقة الموضوعية ، هي أن الشاعر لجأ لعائشة نفسها ليخبرها أنه أحب ، فإذا أعدنا ترتيب أفكارنا تجاه تلك الشخصية في الديوان ، سنكتشف أن عائشة هي التي ماتت على الرغم من أنها لما تزل حية نابضة في وجدانه ، وأنه هو الذي فقد الحياة إثر موتها ، فدخل الوحدة التي تشبه الموت ..، الذي هو هدفه تجاه نفسه ، إذ وصل به للحد الذي يخطط معه لاغتيال نفسه .. ، أي السأم ..

هذه هي عائشة التي ذكرت صراحاً باسمها في الديوان ثلاث مرات ، مرتان في قصيدة عنواناً ومتناً ، ومرة في قصيدة أخرى ، لكنها احتلت في الديوان مساحة أكبر من هاتين القصيدتين القصيرتين ، لأن عائشة نفسها هي التي ثقبت الهواء بكائن يرى فراغه الشاعر في المرآة ، بينما نراه نحن في قلوبنا وقصائده جميلاً ، كأنه كوكب دري ..

سنكتشف إذن أن عائشة هي أمه التي ماتت دون أن تعلمه أبجدية الحياة ، وهي التي تركته وحيداً ( ص 32 – ص 36 ) ، وهي التي كتب من أجلها قصيدته ثقب في الهواء بطول قامتي ليرجوها ألا تموت الآن ، مضفراً في ثنيات قصيدته ( آناً ) تاريخياً ، زمناً مغايراً لأزماننا ، إنه زمن للفجيعة والفقد ، وكأن الزمن توقف عند موت أمه ، لكنه منذور للالتئام بعد أن أحب فإذا كان قد صاغ جملة الفجيعة على النحو الآتي :

لا تموتي الآن

والتي تكررت في قصيدة ( ثقب في الهواء بطول قامتي ) أربع مرات ، نجده يرتق تاريخه في المقطع السابع من قصيدته ( المطر بمحاذاة البكاء ) عندما يبدأ بشراه لأمه بهذا ( الآن ) التاريخي : الآن يا عائشة أنا أحب ؛ فإذا كان موت أمه وزعه صارخاً في كل الأنحاء ، ( إذ احتاج إلى تكرار جملة : ” لا تموتي الآن ” أربع مرات ) ؛ نراه في المرحلة الأخرى قد قرَّ وهدأت نفسه ، بعد أن أهداه الله مؤنساً يبدد وحدته التي دخلها بموت أمه ، لذا لم يحتج إلا جملة واحدة ، ( آناً ) واحداً ؛ ليعبر به عن دخوله للمرحلة أو التجربة التالية ..

وأود أن أشير إلى أن قصيدة ثقب في الهواء بطول قامتي ، بمفردها جديرة بدراسة مستقلة ، لأنها على الرغم من ضيق اللحظة الذاتية التي تقدمها إلا أن الصوغ جعلها أشد اتساعاً ، وبخاصة تلك التيمات التي حرص الشاعر على إضافتها في ثنيات القصائد ؛ أعود لأقول ربما حرص الشاعر على إضافتها ، نافياً القصدية ، لأنني لا أدري لماذا أظن دائماً ومنذ وقت مبكر جداً من فجر تجربة محمد أبو زيد الشعرية ، أظن أنه يملك فطرة هي التي تكتب القصائد دون أن يتدخل هو ، لأنه يصل إلى عقل القارئ وقلبه دون تمهل بعفوية بكر لم تلوثها اعتمالات الصياغة ..، ذاك هو الشرط الأول لنجاح الشاعر ، إنه الإبداع ..

 

الأوسمة:

حزن يلائم النعناع

هل كان يجب أن أرحل

حتى أدمن الحبوب المنومة

والموت

وأم كلثوم المذابة في الشاي

حتى أساوم الأرض عن جاذبيها

لأطير هكذا

بلا جناحين

في الضباب الملائم لموته رومانسية

يتيماً

أقف في الحجرة

الوطن يتأرجح من السقف مشنقة

وسعاد حسني في القبر

وموسيقى رأفت الهجان

تلوك خلاياي الرمادية

ذاكرتي سلة فارغة

يقلبها الغرباء بأطراف أصابعهم

ثم يحشونها بالريح

بالحيطان الطينية

بطائرة  ـ  وحيدة  ـ ورقية

سأتذكر هذا جيداً

الزوجات الآن يلعبن الجوكر

وسارتر يخرج من عقلي

ليمشي على هذه المنضدة بالتحديد

ولا يعود

الزهور حولي في كل مكان تشكني

أنا الذي

(علشان الشوك اللي في الورد )

أكره يدي

وأزرع الصبار في كراريس المحاضرات

الشرفة

سأزرع فيها ولداً

بذراع مكسور

وجلبابٍ متسخ

وجدٍ يهرول حافيا

يقسم أنه سيهد يني رخَا عند أوبته

فأدخل كفي في جيبي

تخرج زرقاء من غير سوء

فقط بعض الرماد والذكريات

الأزرق لوني المفضل

لكني أخاف البحر والسماء وأحبهما

سأتوقف ـ فجأة ـ لأستريح

بأحبة يكرهون الأجراس وقصيدة النثر

بقلم ميت .  .

       وعيون مغلقة

 

الأوسمة:

ظل لا يجيد الرقص

هم عادة يختارون القبرات

في الجلابيب

يقلعون بأنفسهم الورود التي

على قماش الكنب

يطلقون الرصاص ابتهاجاً

كلّما سقط ظل ينزف

لم يكتشفوا يوماً في دمي

مستودعاً للذخيرة

لم يخرجوا الطرق من جيوبهم

يمددونها أمامهم كميت

لأتابع السير بدون درابزين في الكف

ولا سلالم صمّاء

فقط

كانوا ـ بعد أن يتعبوا من الكراهية

يشعلون شعرهم بألوان مؤنثة

يساوموني

على الندى ـ العجوز ـ أمام فمي

وفراشة في شعر حبيبتي

فكيف أبيع دفئا لم أرثه

وأياماً لم تؤهلني

سأخرج بساعة بلا عقارب

وظل بلا خاتم في اليد اليمنى

بلا جبل ألوذ به

فكيف أبيح لهم الرقص

وتقديم العزاء ..

ـ وأنا لم أزل ـ

بلا أصابع ولا عيون

اسمعوووووا !

ليس الآن

لم أنم منذ خمس قصائد

لم يعد بإمكاني إحصاء كل هذه الدموع

الحزن راسخ

ـ كفونوغراف خرافي ـ

يدخل من أبواب متفرقة

الرخ الآن يجلس معهم على نفس المقهى

في مكاني السابق

سيقدمون له شاياً ليرفض

يقدمون له قهوة مثلجة

فيقوم .

يفكني من الظل الملقى

على الرصيف ..

بلا ملامح .. 

تقريباً

 

الأوسمة:

هل فنجان يتيم من القهوة السادة يكفي لرتق كل هذه الهموم ؟

(1)

كل يوم

أقف على ناصية جسدي

أقزقز السحابات المارة

وأرص البيوت المنشورة 

على أحبال الغسيل في جيبي

و أنتظرني

لكنني دائما

لا أجيء


(0)


لأنه كان يشتاق 

لصفصافة زرقاءالروح

بصورة مبهجة

فلم يهتم برائحة الشواء 

التي اغتالت الشارع الحافي

ولا بطعم معجون الأسنان في فمه

ولا بالسماء التي مدت يدها

وخطفت من جيبه

صورة للحبيبة

فقط بكى عندما 

” قابلت في الطريق عيون كتير بريئة

أعرف بشر 

عرفوني

لأ  ما عرفونيش

قبلوني و قبلتهم

بمد ايدي لك

طب ليه ما تقبلنيش “

فقط

بكى كثيرا 

حتى أضحك

بلوزات بنات الكورنيش الضيقة

وبوابة الجريون

والباب الخلفي لمنزل العائلة

ثم أخذ شهيقا 

قبل أن يلج

إلى أول صفصافة سوداء

قابلها


(0)


عليك أن تموت جيدا 

في المرة القادمة

فيما جامعة الدول العربية

تفتح عينيها وتصرخ مرهقة

The death is what death does

كل شيء كالعادة

فقط أنت من تغير 

أيها الطائر الأعرج

الورم الذي أصاب القبور

حقنة من اشتعال جدران حجرتك

بصنع الأرواح قد تشفيه

فقط على الحافلات 

أن تخلع أرواحها

قبل ولوجها إلى جرحك 

فالشمس مسدلة الغيوم اليوم


(-1)


شارع عبد الخالق ثروت

منحني اليوم هزيمة جديدة

هزيمتين

ثلاثا

المطر كان يرتعش من البرد

والغيوم القديمة كصحراء

كانت تخلع منظارها الطبي 

وتحدق في ترقب

وثمة هزيمة تتدحرج على الأرض

تتسلق بنطلوني الأزرق

بلا أصدقاء كان الشارع 

وكنت أنا وحيدا

فسرنا معا إلى صحراء نائية 

وهناك سفك دمي

العفاريت ضحكوا حتى أدموا الرمال

والثعابين التي تزورني 

في كوابيسي

وأخشى أن أحكي عنها

مازالت تتسلل إلي من تحت الوسادة

آه يا …..

………يا من ؟

         ……؟؟؟؟!!!

ثمة هزيمة جديدة قادمة إلي

لا داعي لأن أشد المعطف

على صدري

فهي الآن نائمة في نخاعي الشوكي

المقاهي وحيدة ……

ترتعش كحشرة مقلوبة

الفناجين تبتسم في بلاهة

النادل … 

معلق في ميدالية المفاتيح

حتى أنا… 

لا أعرف 

كيف أتم 

هذه القصيدة

 

 

الأوسمة: