RSS

Author Archives: mohammedabuzaid

About mohammedabuzaid

شاعر وصحافي مصري

محمد أبو زيد: قصيدة النثر ليست نهاية المطاف.. وهناك تطور قادم

 

حاوره: علي رزق

الغربة والفقد.. تيمتان شعريتان طالما أثريتا المنجز الإبداعي لعدد كبير من الأسماء اللامعة، لكنهما عند الشاعر محمد أبو زيد عماد مشروعه الشعري الذي ولد مكتملا أو شبه مكتمل مع ديوانه الأول “ثقب في الهواء بطول قامتي”، لتأتي أعماله اللاحقة لتؤسس للمشروع ولفرادة الصوت الشعري.

لأبو زيد ـ بخلاف تجربة وحيدة في الرواية “أثر النبي” ـ تجربة شعرية للأطفال “نعناعة مريم”، ويواصل أبو زيد خطواته الشعرية راسماً مساراً يخص الذي لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد، كما يقول في إحدى قصائده.

التجديد على مستوى “المفردة” كان سمة ملازمة لكتابات أبو زيد، وصولاً إلى منطقة قد لا يخاطر الآخرون بارتيادها، فهو الأزهري الجنوبي المثقل بالموروث اللغوي الذي يكتب قصيدة بعنوان no news is good news ، وهو الذي يختار المفردة القرآنية “مدهامتان” عنوانا لقصيدة وديوان، ولا يتورع بعنونة قصيدة “أعلق صورتي على الحائط وأكتب تحتها wanted.

خطا أبو زيد سريعا على طريق الغياب ليترسخ حضوره الشعري في مشهد صاخب، ولتكتسب تجربته الكثير من الأهمية رغم وحدته، في القصيدة وفي الحياة العامة

 

**أبوزيد ..متي خلعت زيك الازهري ..وما الذي بقي منه في قصيدتك؟

لم أخلع زيي الأزهري بعد. ربما لأنه منحني اللغة والفهم العميق للتراث والقراءة المتأنية لتاريخ الأدب العربي. ستجد ذلك كله في معظم دواويني، ربما قلت وطأته قليلاً، لكنه لا زال موجوداً. في ديواني “مدهامتان” وضعت صورة تعريفية لي على الغلاف الداخلي، وأنا بعد طفل أرتدي الزي الأزهري، ربما تصلح هذه الصورة التي استعدتها أن أقول أنني ممتن لهذا الزي الذي منحني الكثير، وربما كان أيضاً رغبة في الاشتباك معه، وهو ما جعل الديوان يقفز بين أنواع القصيدة الثلاث (العمودي ـ التفعيلة ـ النثر)، اسم الديوان نفسه “آية من القرآن الكريم”. إذن ربما لم أخلع زيي الأزهري، لأنني أرى أنه أفادني كما أنه يميزني، لكنني سعيت ـ وأطمح أن أكون نجحت ـ في أن أطوره عبر الاشتباك تارة، والقفز عليه تارة، ومحازاته تارة أخرى

 

**قلت في واحدة من شهاداتك ان “صدمة المدينة ” لم تستوعبها الا قصيدة النثر ” رغم سابق كتابتك للقصيدة الخليلية والتفعيلة ..ما هو الفضاء الذي وجدته في قصيدة النثر ولم تجده في غيرها ..وما الذي بقي في القلب من صدمة المدينة ؟

الكتابة ـ أياً كان شكلها ـ تتغير وتتطور، لأنها مرآة للزمن. ولن يكون منطقياً أن تتوقف القصيدة ـ شكلاً ومضموناً ولغة ـ عند زمن معين. وهذا الكلام ينطبق أيضاً على قصيدة النثر،التي لن تكون الشكل الأخير للقصيدة، هناك تطور قادم، هناك محاولات مختلفة في اتجاهات متباينة، شاهد مثلاً القصائد التي تكتب عبر حسابات التواصل الاجتماعي، تويتر على سبيل المثال، عدد كلماتها، آليات كتابتها، وحتى آليات تلقياتها. عندما جئت المدينة أول مرة قفزت قفزة هائلة عبر الزمن يدركها كل من انتقل من قرية فقيرة إلى عاصمة لا تسكن أبداً. لم تكن القصيدة التفعيلية بغنائيتها صالحة لهذا الصخب، بل كان صراخ قصيدة النثر هو العكاز الذي أستند إليه في مواجهة وحوش تختلف تماماً عن كل ما رسمته مخيلتي من أحلام. لكن مع مرور الوقت، ومع اعتياد القلب على الهزائم الأسمنتية، تصبح القصيدة هي حائط الصد الوحيد، بعد أن تعتاد غربتك، بعد أن تتآلف معها، وبعد أن تجرب غربة أخرى، في المكان والزمان، في بلاد أخرى، لا تتبقى إلا القصيدة التي تجبر شيئاً يتحطم فيك كل ما انتقلت من زمن ومكان إلى آخر.

 

** عندما تلجأ الي مفردة قرآنية او تراثية ..فهل يعني هذا غلبة “سفر التكوين ” علي الشاعر المتمرد ..وكيف هي علاقتك بالمفردة الشعرية اجمالا؟

هذا تراثي وأنا أعتز به وأحبه، وأفضل أن أطوره على أن أتركه مهملاً، هذا لا يعني أنني أحضر مفردات معجمية مهجورة من التراث وأضعها كما هي، بل أحياناً أستخدم مفردات مهجورة لأنها شديدة الاستخدام، أو لأنها “أكليشيه”، وأعيد وضعها في النص في سياق مختلف. لا أرى أن هناك أي مفردة ـ سواء كانت عامية أو فصحى أو حتى بلغة أجنبية ـ لا تصلح للشعر، لكن السؤال هو كيف يتم استخدامها.

 

** مازلنا مع المفردة ..والسؤال عن تطعيم الجملة الشعرية بمفردة عامية “قلبي مربوط برجل الكنبة ” أو انجليزية مكتوبة بالأحرف اللاتينية وهذا كثير في شعرك

أهتم بتشكيل النص عموماً، بمعنى أنك لو نظرت لكل ما كتبت من بعيد، ستجد أن هناك نصوصاً في الدواوين المختلفة مرتبطة ببعضها، وشخصيات تظهر في الدواوين بصفة متكررة، ولو نظرت لكل ديوان على حدة، ستجد اهتماماً ببناء الديوان ككل، سواء عبر التقسيم أو الترقيم، أو الهوامش والإشارات والمراجع، ولو نظرت إلى كل نص على حدة، ستجد اهتماماً بالعناوين بصفة خاصة، وبإعادة تقديم المفردات المتداولة بشكل شعري، أو بدمج العامية مع الفصحى، وتقديمها بشكل شعري، وأعتقد أن المفردة ـ وهي أصغر وحدة في النص ـ ينطبق عليها كل ما سبق، فهي بمثابة اللبنة التي تكون بجانب لبنة أخرى جملة مختلفة مميزة. لا أقول إن كل هذا مقصود عند كتابة القصيدة، لكني أعتبره جزءاً من مشروع كبير أعمل عليه.

 

..شاعر يفقد ذاته ..بضعا تلو الاخر

** في القصيدة وفي بعض الحوارات تحدثت عن معاناة الفقد المتتالي ..فهل تراه ــالفقد ــ وحشا صارعك فصرعك ، أم حفرة وثقبا اسود يبتلع الاحبة وينعكس في القلب ؟

لم تعد هناك وحوش تخيف. أعتقد أنني فهمت لعبة الموت مبكراً، ربما بسبب رحيل الأحبة في عمر مبكر، فلم أعد أخافه، ورغم حضور الموت ـ والفقد بالتالي ـ في كل الدواوين، بداية من الديوان الأول ـ ثقب في الهواء بطول قامتي ـ إلا أنه لم يحضر بصفته وحشاً، بل بصفته صديقاً، أتحاور معه، ربما يمكن اعتبار الأمر خدعة، كي لا يخطف أحبة آخرين، ففي كل مرة يفعل ذلك يترك ندبة سوداء كبيرة في القلب، لا تلتئم أبداً، لكنها تجعل الأيام أثقل وأكثر سوداوية، وتجعل الموت ذاته رفيقاً دائماً، لا تخافه، لكنك لا تأمنه في الوقت نفسه.

 

**هل يعتاد المرء الفقد يوما ؟

في أحد نصوص الديوان الأخير أقول إن “الصدفة تأتي في موعدها كل أسبوع”، أعني أنك حتى لو اعتدت الفقد سيظل فقداً، يؤلمك، ويحفر جرحاً عميقاً في روحك، ربما تعتاد الجراح، لكنك ستظل تتألم. لكن أقسى ما في الأمر أن كل هذه الأشياء/ الأشخاص الذين تفقدهم يكوّنون ذاتك، حكاياتك، أيامك، فتكتشف أنك تفقد نفسك يوماً بعد الآخر، حتى تتلفت يوماً فلا تجد أحداً حولك، وإذا ما نظرت في المرآة فلن ترى شيئاً.

 

** كيف تري الفارق بين الفقد كواقع تراجيدي وبين الغياب كونه حالة إنسانية ؟

الغياب قد يكون اختيارياً، أن تختار أن تنسحب من العالم، قد يكون رد فعل يائس أخير على الفقد..

..شاعر لا يحيي الموتي ولا يبريء الاكمه

** انتهت ــ او لعلي اري هذا وحدي ــ لعبة الأجيال الشعرية فكيف تري ما قد يكتبه تأريخ الشعر عنك وعمن يكتب الشعر منذ بداية الالفية الثالثة ؟

أعتقد أن مفهوم الأجيال ـ أو هكذا أتصوره من وجهة نظري ـ مرتبط، بعلاقة الكتابة بالزمن، وبالمتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية واللغوية وانعكاسها على الكتابة، حتى لو لم يبد ذلك محسوساً بشكل كلي، بمعنى أنك سترى آثار نكسة 67 في كل دواوين جيل السبعينات، حتى لو لم يكتبوا عنها صراحة. بالنسبة للجيل الذي أنتمي إليه، أعتقد أن الأمر تغير بشكل كبير، فمفهوم الجيل أصبح يتجاوز المحلية، وأصبح عربياً وعالمياً بسبب انتشار الإنترنت والانفتاح عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، واستخدامها في الترويج، والتواصل بين شعراء من دول عربية مختلفة عبر فيس بوك أوتويتر، وهنا يمكنني أن نطلق على هذا مصطلح “عولمة الشعر”، ورغم ما له من فوائد مثل الاطلاع على تجارب أخرى في بيئات أخرى، إلا أنه يسمح بظهور ظواهر غير حقيقية. ويُغيّب الخصوصية الثقافية في بعض الأحيان، ولهذا تجد قصائد كثيرة متشابهة، أو تستخدم مفردات أو صور متشابهة تظهر في بعض الأحيان، وكأنها “موضة” شعرية، لكن بالنسبة لي لا أعرف ما الذي سيكتبه تأريخ الشعر عني، لكن بالنسبة للجيل الجديد، فأعتقد أنه سيحدث نقلة نوعية في الشعر، تشبه تلك التي حدثت في الستينات مع الانتقال من التفعيلة للنثر، وإن كان في اتجاه آخر.

 

** ما الذي يدفع شاعرا لارتياد تخوم السرد والدراسة والنقد أحيانا ؟

عندما تتأمل تاريخ الأدب العربي، لن تجد تلك الفوارق الحادة في الكتابة، بل كان الكاتب الموسوعي هو المثال، يعني ستجد العقاد يكتب الشعر والنقد والدراسة والرواية، وكذلك المازني، وحتى في التراث العربي ستجد الأمر ذاته عند الأصفهاني الذي كان كاتبا موسوعياً على سبيل المثال. ولا أرى ضرراً في التنقل بين أصناف الكتابة، بالنسبة لي أو لغيري ، ما دام الكاتب يملك أن يفعل ذلك بشكل مقبول.

 

**الي أي مدي قد تشعر بالضغينة تجاه من يقسمون علي تراجع المنجز الشعري المصري مقارنة بنظيره العربي مع تسيد قصيدة النثر للمشهد

بداية، لا أشعر بالضغينة تجد أحد، لكن يمكن القول إن هناك رؤى مختلفة حول هذا الأمر، ورؤيتي أن الشعر المصري يتقدم كثيراً على يد الجيل الذي تلاني، الذي استغل وسائل التواصل الاجتماعي للانتشار والتواصل عربياً، وقراءة الترجمات، وتداول الكتب إلكترونياً. هناك أسماء شعرية مهمة، وهناك حركة شعرية نسائية مصرية لافتة بالمناسبة، وعاد الشعر على يد هذا الجيل ليحتل مكانته بعد أن ظل نقاد الجيل الماضي يرددون أن هذا زمن الرواية، أراهن أن الجيل الجديد من الشعراء سيصنع نقلة كبيرة في الشعر، والزمن خير شاهد. أما بالنسبة للحديث عن قصيدة التفعيلة أو النثر، فأعتقد أن هذا حديث تجاوزه الزمن والعالم منذ زمن، ولا أرى من يجددون الجدال حوله إلا يعيدون ما قيل، دعوا “الشاعر” يكتب، واستمتعوا بالشعر، ثم احكموا.

…………

نشر في جريدة القاهرة

 

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 10 نوفمبر 2017 in غير مصنف

 

محمد أبو زيد: مواقع التواصل أوجدت عشرات الكُتّاب المزيفين

القاهرة: رحاب عبد العظيم

محمد أبو زيد كاتب تنوعت إسهاماته بين الرواية والشعر والنقد والمقالات الصحفية؛ حيث يثبت تميزه في كل منها، بدأ الكتابة منذ عامه الأخير في الجامعة، حين صدر له أول دواوينه: «ثقب في الهواء بطول قامتي» عام 2003، ليواصل كتاباته وتميّزه في «قوم جلوس حولهم ماء» عام 2006، كتاباته تواصلت في الشعر للكبار، وللصغار أيضاً، ككتابه في شعر الأطفال «نعناعة مريم»، كما طرق باب الرواية ب «أثر النبي» عن دار شرقيات عام 2010، وأخيراً كتابه النقدي «الأرنب خارج القبعة». هنا حوارنا معه.

*ما الذي دفعك لكتابة «روشتة الفشل في الكتابة» في كتابك الأخير «الأرنب خارج القبعة»؟

– الضد يظهر حسنه الضد، كما قال الشاعر القديم. في ظني أن «روشتة الفشل في الكتابة»، تكشف عن أحد أسباب ضياع أجيال كاملة من الكُتّاب، أو اختفائهم، رغم أن بعضهم ما زال يكتب، لكن بلا أثر يذكر. «روشتة الفشل في الكتابة»، هي رسالة إنذار لنا جميعاً ككتاب، حتى لا نتوقف عن الكتابة، أو حتى لا نكتب شيئاً لا يمكن أن نسميه كتابة جادة بأي حال من الأحوال. عدد من الأصدقاء – ممن كانوا يطمحون أن يكونوا كُتّاباً في زمن قبل أن تجرفهم تصاريف الحياة إلى الانشغال بالعمل قالوا لي، إن ما ذكرته في هذه «الروشتة»، ينطبق عليهم، وأن هذه الأسباب كانت بالفعل سبباً في ابتعادهم عن الكتابة. يمكنك أن تقولي إن «روشتة الفشل في الكتابة»، هي تحذير للكُتّاب، ولي قبلهم، حتى أتمسك بالحبل السري للحياة، ذلك الذي يُسمى الكتابة.

*هل ينافس الأطفال «المرأة» في عالم الإلهام أم أن لكل منهم أثره في ذهن الكاتب؟

– التجربة بشكل عام هي الملهم الأول، بعضهم تلهمه تجربة الحروب، وبعضهم الآخر يلهمه الحب، بعضهم قد تلهمه صورة، أو حادث، أو لا شيء، على الكاتب أن يستعين بأدوات الطفل في التعامل مع العالم، كي يتعامل مع كتابته؛ حيث اكتشاف العالم كأنه مخلوق للتو، كأنه قطعة من الحلوى، فضها خلسة دون أن يراه أحد، كأن كل شيء حوله لم يحدث من قبل، وأنه يصنعه بنفسه. هنا يمكن القول إن الطفل هو معلم الكاتب في كيفية صناعة عالم مثالي، لا يبارى في الكتابة.

*تحدثت عن أهمية الكتابة، فهل أنت راضٍ عن سيل الكتابات التي تشهدها دور النشر مؤخراً؟

– الزمن خير مصفاة للكتابة، لو أحضرنا جرائد الخمسينات والستينات، وتصفحنا صفحات الثقافة فيها لوجدنا عشرات الأسماء التي اختفت، ولم يبق إلا من يملك مشروعاً حقيقياً، ومن يستطيع الصمود في وجه الضغوط المجتمعية، التي تدفع كل فرد بعيداً عن الكتابة، ولو جربت مثلاً أن تتذكري أيام الدراسة الجامعية، لوجدت عشرات الزملاء، الذين كانوا يقدمون باعتبار أنهم شعراء الجامعة، في النهاية لا يبقى إلا الشيء الحقيقي الجاد، والمشروع الطموح. ربما ساهمت بعض دور النشر، التي تسعى للربح فقط، في الفترة الأخيرة، في زيادة الأزمة، عن طريق نشر كتب لكل من يريد أن يجمع أوراق مراهقته في كتاب، وربما ساهمت بعض المكتبات في ذلك بسيل حفلات التوقيع، لكن منذ متى كان النشر أو حفلات التوقيع، أو حتى الشهرة دليلاً على جودة الكتاب. قبل عقدين من الزمان، كان هناك كاتب وضع اسمه على معظم جدران شوارع القاهرة، ومنح نفسه لقب «أديب الشباب»، وباع آلاف النسخ، أين هو الآن؟ الحكم للزمن. ولن يطول الأمر.

*هل تسهم الصحافة الثقافية في أي حراك بالمشهد الثقافي الحالي؟

– وأين هي الصحافة الثقافية أصلاً في مصر؟ لا توجد صحافة ثقافية، لأنه لا توجد صحف تهتم بالثقافة، أول ما يفعله رئيس تحرير أية صحيفة عندما يعد ملفاً عن أي حدث، أو عندما يحصل على إعلان، هو أن يقوم بإلغاء صفحة الثقافة، بل كادت صفحات الثقافة ألا تكون موجودة طوال الخمس سنوات الماضية، بسبب الأحداث السياسية، أما إذا كنتِ تتحدثين عن المجلات الثقافية، فيمكن عدها على أصابع اليد الواحدة، ولا أعتقد أنها ستحدث أي تأثير وسط هذا العدد الكبير من المبدعين، الذي نراه كل يوم، هناك مواقع ثقافية إلكترونية، لكن معظمها يتعرض للإغلاق، بسبب ضعف التمويل. المشكلة أن الجميع ينظر إلى الثقافة كرفاهية، من مسؤولين إلى صحفيين إلى قراء عاديين، لا يعرفون أنه لا يمكن إصلاح هذه البلاد إلا بإصلاح وتنوير عقول شعبها ومسؤوليها.

*هل تراجع الدور الذي تلعبه المدونات الإلكترونية؟ وما البديل الذي طغى عليها وعلى دورها؟

– كنت من أوائل الذين لجأوا إلى المدونات للنشر، ولإيجاد مكان بديل لكي نقول فيه شيئاً مختلفاً، كان ذلك قبل 11 عاماً تقريباً، وخلال هذه السنوات أستطيع أن أقول إن المدونات كاد ينتهي تأثيرها تماماً، ما زالت موجودة، لكنها غير مؤثرة، لأن المدونين لجأوا إلى منصات إلكترونية أخرى أكثر تأثيراً أو تخصصاً، سواء كانت للتدوين القصير ك«تويتر»، أو تدوين الصور ك«إنستجرام»، أو تدوين الفيديو ك«يوتيوب»، أو كتدوين اجتماعي مثل «فيسبوك»، وأعتقد أن ما حدث هو طبيعة الحال، فالمدونات نفسها ظهرت على أنقاض ما كان يعرف بالمنتديات، لكن الحقيقة أنها كانت تمنحنا مساحة للبوح أكبر من التي تمنحها المنصات الجديدة، كما لم يكن هناك أي اهتمام كبير بالكتابة من أجل «اللايك»، أو رد الفعل، أو المزيد من الإعجابات والمتابعات. كانت الكتابة المفتوحة في بدايتها، بكراً، لم يلوثها هوس الإعجابات، هناك عودة من قبل بعضهم للمدونات، ممن أدركوا ذلك، وممن يبحثون عن الهدوء، والخصوصية، والأرشفة أيضاً، بعيداً عن صخب وجنون «السوشيال ميديا”.

*ما نقطة التميز التي حملتها مواقع التواصل الاجتماعي للكُتّاب، وهل تسهم في وأد بعض الأفكار لدى أصحابها؟

– نقطة التميز، التي حملتها بشكل عام، أنها أعطت المساحة لكل شخص ليعبر عن ذاته، أن يكتب، أنها ساهمت في إيجاد مساحة لعدد كبير من الشعراء والكُتّاب الجيدين، ربما لم تكن ستتوافر لهم لو انتظروا النشر الورقي أو الحكومي، أنها قربت بين الشعراء في الأقطار المختلفة، لكنها في المقابل أوجدت عشرات الكُتّاب المزيفين، ممن ظنوا أنفسهم من الكُتّاب المجيدين لمجرد أن عشرات الإعجابات تنهال على ما يكتبونه من أصدقائهم؛ لذا فالفرز مهم. وهو أيضاً متروك للزمن، ولإدراك الكاتب ألا تسحبه دائرة الكتابة للدائرة الضيقة، التي تحييه على كل ما يخطه، سواء كان غثاً أم سميناً. أما سؤالك حول إذا كانت تساهم في وأد بعض الأفكار لدى أصحابها، فهذا يتوقف على الكاتب نفسه، وهل يستخدم هذه المواقع كبوابة للنشر، أم كحائط يعلق عليه كل ما يقوله، وهو ما يحوله في النهاية إلى بحر عملاق يسحبه إلى الداخل، يشبه إلى حد كبير كتاب المقاهي وسط البلد، الذين تسحبهم إلى عالم النميمة فيغرقون فيها، ويتحولون إلى جنرالات للمقاهي، يطلقون الأحكام، وينسون الكتابة.

…………..

*نشر في صحيفة الخليج

 

 
أضف تعليق

Posted by في 10 نوفمبر 2017 in غير مصنف

 

محمد أبو زيد فى “سوداء وجميلة”.. قصائد برعشة الحنين

سوداء-وجميلة-coverبقلم :حسام وهدان

من الألم ينطلق الإبداع.. هذا ما يأخذنا إليه شعر محمد أبو زيد فهو يخاطب أعماق الروح الإنسانية بملامسته للألم فيقترب من منطقة النبوءة والكشف عندما ينظر للحياة بعيون نسر يحلق فى السماء.

بداية يبدو عنوان الديوان وكأنه إجابة عن سؤال ما أو كإعلان عن موقفه من الحياة سمراء صفة للحسن وهو الاحمرار الذى يميل للسواد مع وجود بياض أصيل أما السواد ففيه قتامة وحزن ولو قال سوداء جميلة لكان الجمال صفة للسواد، ولكن استخدام حرف العطف أعطى سوداء قيمة أكبر فكأن السواد قيمة فى حد ذاته يضاف إليها الجمال «سوداء وجميلة». والديوان يرفع رايته فى وجه العالم صارخا معلنا جماله حتى وإن أنكره واقع زاف، إنه دعوة لتمجيد الحياة، دعوة للهجرة إلى مدينة الروح الساحرة، وإعادة رسم ملامح الإنسانية المتلاشية.

يبدأ الديوان برسالة للقارئ فى عالم تلاشى فيه كل شيء ولم يعد يبق فيه سوى القارئ والشعر فقط حيث لم يتمكن الواقع بكل قوته من إفنائهما فى عالم فنى فيه كل من فقد فى داخله بريق الحياة «مات الكهول فى الجنازات» والحياة فقدرت قدرتها على الميلاد «انفجرت الأجنة فى أيدى الأطباء» ثم يرثى لحال القارئ «ماذا ستفعل وحدك يا قارئى المسكين؟”.

قسم الشاعر الديوان لأجزاء وقد بدا التقسيم وكأنه شهادة الشاعر على الحياة، أو كأنه يكتبه بعد هدوء أعاصيرها داخله. فالقصائد تشهد على العالم والحياة دون أن تتورط فى حماقاتها. بدأ الديوان بالهوامش والهوامش فى اللغة هى حاشية الكتاب للتعليق ما جاء فى المتن وإيضاحه وكأنه يمهد نفسية القارئ لتلقى المتن ويشير إلى أننا فى فوضى هذا العالم لا يمكننا استكشاف أنفسنا والآخرين بشكل مباشر، كل شىء يلفه الضباب وكأن الشاعر يمنح لقارئه أجنحة يحلق بها عاليه ليتعرف على عالمه الشعرى وتخيله وفهمه وكأنه يستكشف مدينة ما من نافذة طائرة قبل الهبوط عليها مما يثير غريزته للفهم والتأمل ويبدو الديوان وكأنه صفحة أخرى من كتاب نبوءة يحمله الشاعر إلى قارئه ويقر الشاعر بداية أن هذا العالم يحمل داخله عوامل انهياره وفنائه وأن عدم فنائه للآن ليس لقوة فيه ولكنه يرجع ذلك لأسباب تحمل سخرية من الحياة «كتعطل المنبه/ أنتم تعرفون البضائع الصينية الرخيصة» وربما لعجزه حتى عن ادراك نهايته «ربما توقف قليلا فى الطريق ليريح قدميه من آلام الروماتيزم» وربما أيضا لوجود بقايا انسانية داخله «يلقى لقمة يابسة فى جيبه لقطة تأملها شاردا» أو «دندن مع عبد الوهاب فنسى نفسه» ولكن مهما كانت الأسباب فهى غير قادرة على إنقاذه من مصير يستحقه فالعالم نفسه يأس من ذاته وصار عاجزا عن مواصلة الحياة بل صارت سعادته الوحيده هى فناؤه «ثم يدفع كرسيه المتحرك إلى الأمام بأقصى طاقة مبتسما فى سعادة»، «قصيدة دروس ضرورية لاحترام الوقت» وفى جزء الهوامش يحدد لنا الشاعر ملامح انسانة كما يتخيله فما زال قادرا على الاحلام «كيف يجرؤ أحمق مثلى/ أن يترك الباب مفتوحا هكذا/ وقلبه مربوط فى رجل الكنبة» ويؤمن تماما أن الجمال فى الجوهر وأن ظاهر الحياة لا يستدل به على قيمتها أبدا فيقول مخاطبا سكارليت جوهانسون رمز الأنوثة والجمال «صدقينى كل شىء سينتهى/ جمالك هذا سيذوى/ ستصبحين عجوزا/ تسكنين قرية مهجورة» كل شىء سيفقد حرارة الروح ولن يكون هناك مكان لرعشة الحنين والشعر وستطغى قوانين المادة حتى على الشعر «دعه يعمل/ دعه يمر» ويقول «لن تكون هناك مشاعر/ ولا حكايات» إنسان فى مواجهة أعاصير الحياة امتلك الحلم «كان يمكن أن أمد قدمى فألمس الماء/ كان يمكن أن أمد ذراعى فتصافح السحاب/ كان يمكن..» ولكن للأسف كل شىء يذوى وعاد مهزوما من ملكوت الأحلام «لكننى هنا الآن/ حيث لا شىء/ سوى طنين الصحراء فى الخارج» الانسان اللاهى عن مصيره من الازل للأبد «أشخاص يشربون الشاى ساخنا/ وهم يتطلعون إلى النافورة» وعندما أعاد كتابة القصيدة بعد عشرين عاما «كان الناس يصوبون كاميرات هواتفهم كالبنادق/ وهم يتبادلون النظرات/ فى انتظار وصول الجثث» هو الانسان اللاهى المغيب عن مصيره منذ القدم ويؤمن الشاعر أن ما مضى لا يستحق ولا يمكن أبدا أن يستمر «فلا شىء يستحق أن يدخل التاريخ/ لا الدمار ولا القتلة ولا تحيات الملوك» ويؤمن أن الخلود يكمن دوما فى التفاصيل البسيطة ولكنها تحمل النقاء والبراءة وفتنة البكارة «ليس إلا قطعة شوكولاتة/ متروكة فوق باب سيارة/ سر فى قصيدة لا يعرفه سوى اثنين/ دقات الثانية صباحا/ وشوارع المدينة خالية/ إلا منى/ كأن من فيها/ أكلتهم الحرب» وهو يرثى للأزمنة القديمة حين كانت تقودها الاحلام «فتاة تدلى شعرها ليصعد العشاق» ويبكى لزماننا الأجوف «لم يعد بإمكاننا سوى أن ندمع ونقول «حكايات رخيصة» ويتملكه الاحساس بالضياع اللانهائى فى فراغ لا محدود يلتهم الكل ويصبح الرابط الوحيد لهؤلاء الغرباء الذين التقوا صدفة عابرة فى إشارة مرور هو الغربة وهو ينظر إليهم من وراء حجاب فلا سبيل أصلا لتواصل بشرى حقيقى «فى إشارة المرور أنظر من خلف الزجاج إلى سائق صينى فى سيارة مجاورة/ فيدير وجهه إلى سائق هندى/ يدير وجهه إلى باكستانى/ يدير وجهه إلى الفراغ../ الفراغ الذى يلهمنا جميعا» ونأتى للجزء الثانى وهو «كتاب الإنسان.. الذنوب الكاملة» وكأنه يتأمل مسيرة الإنسان فى الحياه بعد انتهاء أعاصيرها وصراعاتها وهو لا يريد منها سوى إطلالة عليها وحيدا هادئا بعيدا عن حماقاتها«يكفينى من الحياة شرفة/ أشرب فيها الشاى على كرسى هزاز» ويقول «شرفة معلقة فى الهواء/ مثل طائرة صغيرة بدون طيار/ أطل منها على الناس فى الشارع» والحياة سوى ذلك لا تملك ما تمنحها له «أدلى السلة إلى بائع/ لا يبيع شيئا» والخوف من المصير وبما يدفعنا للتفكير فيه رحيل من نحب «أرمق الأفق الذى يقف خلف البحر/ كأننا رجلين فى حلبة مصارعة/ ينتظر كل منا أن يبدأ الآخر» وتتجسد مأساة الحياة الحقيقية حين ندرك عبث كل ما عشناه وبعد أن يمر العمر ندرك الحقيقة وأن ما اعتقدنا أنه سيكون زاد أيامنا القادمة هو ما سيقتلنا «تتراكم الأشياء/ تنمو وأتضاءل/ تسد باب الحجرة/ تتجمع حولى/ فى يد كل منها سكين» وبعد أن خاض معارك الحياة بكل ما فيها من سخرية وبعد أن ضاع العمر فى معارك الهياء أدرك الحقيقة «اشتريت العتبة وبرج إيفل/ ركبت الحمار باتجاه القمر/ خسرت معاركى مع الذباب»، «وفى النهاية عرفت أننى/ لست إلا بالونا فارغا/ يهوى من أعلى إلى أسفل» الحياة تفقدنا أجمل ما نمتلك وبفقد الطفل الساكن كل منا أن يعيد لنا اكتمالنا وبراءتنا «يركب طفلى جسدى/ لكنه أبدا ملا يعثر على القطعة الناقصة» وفى الجزء المعنون «كتاب الحيوان» قصيدة متصلة تشبه بكائية حزينة للذات لإنسان لم تهزمه الحياة ولكنها هى الحياة من لا تستطيع أبدا أن تستوعب براءته وجسارة قلبه على أن يحلم هى الحياة من تعجز على السمو لقمته العالية وهو الحياة من تبدو ضئيلة أمام قمته العالية.

…………………

نشر في جريدة القاهرة

 
أضف تعليق

Posted by في 7 يناير 2017 in غير مصنف

 

سوداء وجميلة

سوداء-وجميلة-cover

عن دار شرقيات للنشر والتوزيع بالقاهرة، صدر ديوان”سوداء وجميلة”، للشاعر المصري محمد أبو زيد، والذي يعد السابع في تجربته الشعري.

يتكون بناء الديوان من ستة أقسام، بدأها بـ “الهوامش”، وأنهاها بـ”المتون”، بالإضافة إلى أقسام “كتاب الحيوان”، و”كتاب الإنسان ـ الذنوب الكاملة”، و”القصائد الفرنسية”، و”جثث لترويع القلب”.

وصدر للشاعر المصري من قبل ستة دواوين، بدأها في 2003، بديوان “ثقب في الهواء بطول قامتي” عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و”مديح الغابة” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2006، و”قوم جلوس حولهم ماء” عام 2005، و”طاعون يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء” عام 2009 ، و”مدهامتان” عام 2011، ، و”مقدمة في الغياب” عام 2014 عن دار شرقيات، كما صدرت له مختارات باللغة الفرنسية بعنوان “قصيدة الخراب” عن دار المنار الفرنسية، عام 2014، كما صدر له ديوان للأطفال “نعناعة مريم” عن كتاب قطر الندى، ورواية “أثر النبي” عام 2010، عن دار شرقيات للنشر.

ومن أجواء الديوان:

معظم صوري مع أشخاص لا أعرفهم

في القطار

أو مركبة الفضاء

يوقفنا رجل غريب صفا واحداً

ثم يأخذ وجوهنا في كاميرته وينصرف

ليسلي نفسه فيما بعد، بتعذيب أرواحنا في وقت فراغه

أما الذين يحفرون خنادق لهم في قلبي

وينامون فيها

فنهرب من الكاميرا

باتفاق مسبق غير معلن

حتى إذا مِتُّ

ظلت المحبة عالقة في الهواء في كل الأماكن

كذبابة زرقاء

تغلقون عيونكم فترف

تفتحونها فأختفي

 
أضف تعليق

Posted by في 28 يوليو 2015 in خبر

 

الأوسمة:

محمد أبو زيد.. اللاأحد في صرخة المغادرة

safar2

عبد الله السفر

في علم النفس الوجودي، ثمة مفهوم عن “انحلال حدود الذات” بمعنى الشك في الوجود الشخصي والتعيّن في العالم على نحوٍ محدّد ماثل يمتلك المعنى والجدوى والعلاقة مع مفردات هذا العالم بكيفيّة إنسانية تزهر في الاتصال وتخلع طابعاً قارّاً من الانسجام والمساحة المشتركة. بهذه الخلفية يمكن لنا قراءة الشاعر محمد أبو زيد في إصداره الأخير “مقدمة في الغياب” (دار شرقيات، القاهرة – ٢٠١٤) الذي يتبدّى نصّاً واحداً وإن جاء في أربعة أقسام وفي عشرات النصوص بوصفها زوايا ومنظورات تحفر في الاتجاه نفسه بملمح تكراري تراكمي – لا يتخلّى عن صبغته الجماليّة – يشي بالمأزق الوجودي الذي ينخرُ في بناء الذات ويصدّعُها إلى أشطارٍ لا تلتئم؛ محض نثارٍ يأتي متخفّفاً عن العالم ومنزاحاً عنه إلى هاويته التي لا يبصر غيرها؛ تطلبه ويسعى إليها.

الانسحاب من الحياة والانسلاخ من صورة لا تدلّ عليه ولا تعبّر عنه. ما يراه الآخرون ليس هو ولا تلك الصفحة المشرقة. كائن خرِب بغطاء برّاق صنعتْهُ عينٌ خارجيّة لا تخصّهُ ويبرأ منها، وقد آنَ له أن يخرج من حفلة الضجيج وأن يرمي بالقشرة الملتمعةِ بزيفِها. خلخلةُ الجسد وانفراطُ معناه. جسدٌ لا يصلح للحياة ولا تصحُّ معه معاشرة وأحرى به الانصراف عن المشهد: “لو دقّقتم أكثر/ لشاهدتم مستعمرةَ الجذام فوق وجنتيّ/ قلبي الذي يعجبكم تفانيه في حبّكم/ اشتريته من بائعٍ متجوّل/ يدي التي تصافحكم بحرارة/ انظروا../ إنها من البلاستيك/ وجدتُها في القمامة/ أصابعي التي تلوّح لكم/ قضبان زنزانة/ وضحكتي التي تجامل نكاتكم التافهة/ شريط كاسيت مسجّل).

الجسد هو ما يثقل على الذات ويجعلها منسحقةً تحته. الحضور البائس الفارغ يلطّخُهُ الحزن وتفدحُ به الغربة؛ مهمازٌ مسنون ينخسُ ويحثُّ على التعجّل بتفكيك هذا الجسد وجعله أشلاء تذهب في الأرض ويستحيل تجميعها بما يعني تشييد الغياب على قنطرة الجسد؛ الامّحاء الكامل الخالص؛ التذرير الذي يوجب النهاية، ويحلّ العبء الذي يعمل مثل مطرقةٍ تثبّتُ الذات إلى جدار عذابها وشاهدها الناغل بالذكريات تلك المطحنة التي تقول كم هو غريبٌ وتالف. لا يسندُهُ ماضٍ ولا يهشّ له مستقبل. وجودٌ غَفْلٌ يحدُّهُ الجسد ويتقفّصُ عليه؛ ينتظر صيحة الخروج وفكّ الأسْر. يتحيّن الضربةَ الماكرة المشتهاة وهي تنزل تشطره وتلاشيه وتعلن غيابه؛ معافاته من عالم الاضطرار والقيد؛ عالم الصور الثابتة المتكررة التي هي في المحصلة “لا شيء” ومن العبث الانجرار إلى دائرة إنتاجها. فليبطلْ هذا الجسد ولينلْ الضربة: “بعد خمس دقائق سأتشقّق. لن أنتبه وأنا أسير إلى السيف الذي يقسمني نصفين مثل تفاحة، لن ينتبه أحد إلى نصف جسدي الذي ركب القطار وغادر، ونصفي الآخر الذي لا يزال ينتظر في محطة الباص./ …/ عيني سأتركها تبكي هذه المرّة كما كانت تريد، تنزف ما تبقّى مني، قد أمنحها لطفلٍ يريد أن يكمل مجموعته من البِلي، أو أسند بها كوكباً كاد أن يتهاوى. عيني الأخرى سيقول الباعة أنها مستعملة ولا تصلح إلا طعاماً للسناجب./ قدمي اليمنى ستسير إلى ما لا نهاية علّها تعود بالحقيقة الغامضة، أمّا اليسرى سأتركها لبائعٍ يريد أن يسند بها مظلة خضرواته الكسيحة”.

مخلوقُ التعاسة؛ ربيبُ الكوابيس؛ الدائخُ المعلّق في مروحة الندم.. يتخلّصُ من إهابه ويفرُغُ من حياته؛ الشبهة التي أفسدت ما فات وتتربّصُ بما يلي. ينهضُ معانقاً هباءَهُ حاتّاً أثرَهُ وكلَّ متعلقاتٍ تشير إليه. هو الذي بلا وجود. اللاأحد متجسداً في صرخة المغادرة؛ نافراً من اللاشيئية؛ نافذاً وذائباً في العدم: “أرفعُ صوتي/ وسطَ ملايين الآذان/ وأطلقُ صرخة../ صرخةً واحدةً طويلة../ لا تنتهي// أنا../ لا أحد”.

……………………

*نشر في صحيفة الوطن

 
 

الأوسمة:

مقدمة في الغياب‮:‬ تمارين ‮ ‬لمقابلة الموت

05122014065606

ياسمين مجدي

الكتابة بوصفها وصية أو سجل يخلد الشاعر فيه نفسه..هي أحد أغراض الكتابة.. لكنها تبقي مجرد محاولة للبقاء.. في رحلة يبدو الرحيل فيها هو الجزء الأقوي والأكثر تأثيرا. يمكن للكتابة كذلك أن تكون تجربة لمقابلة الموت في عدد من النصوص الشعرية بديوان الشاعر المصري محمد أبو زيد “مقدمة في الغياب” الصادر هذا العام عن دار شرقيات.

يأخذك ديوان “مقدمة في الغياب” بإهدائه “إلي جدتي”، إلي منطقة مملوءة بالحنين والدفء العائلي ولحظات الزخم والونس الذي يقاوم كل ما يسير به الزمن من وحدة ومسئوليات. يركض الزمن لدرجة أنك حين تقلب الصفحة تكون كهلاً وقد وصلت للحافة، حيث نص ” كهل علي الحافة”.

ذكريات زمنية ومكانية

الرحلة لدي محمد أبو زيد.. هي معني مزدوج.. الأول هو الرحلة في الزمن..والتي يكون هاجسها طوال الوقت الموت.. الرحلة الثانية هي الرحلة في المكان بسفره خارج مصر.. ويكون هاجسها الذكريات. باجتماع الرحلتان في الديوان، نجد أنفسنا أمام كم هائل من الذكريات في مواجهة الموت..تركيبة غاية في التضاد..حيث الذكريات التي تمثل الحياة في مواجهة الموت. تتكرر علاقات التضاد الشديدة، لنجد “حي شعبي في مدينة طاردة للسكان”.. كيف يكون الحي الشعبي بكل ما يتسم به من دفء في مدينة باردة كارهة للناس.. هو بالتأكيد حي شعبي به “أصوات باعة الخضار…. تشبه صوت البكاءين”.

من وحي فكرة التضاد نجد الشاعر لا يلجأ للحنين بل بالعكس يوغل في الكتابة عن البعد.. سواء البعد عن الوطن بحديثه عن جماليات في الغربة، أو بالبعد عن الحياة بمرافقة الموت. يبدو الديوان كأنه ديوان المراوغة.. ديوان يقاوم الاستسلام للحنين ويقاوم الارتباط بالمكان، فيقول الشاعر أنه رفض إدخال قطة إلي شقته حتي لا يصنع ذكريات.

أبطال النصوص في الغالب مفردات أو أشياء، لكن البطل الإنساني غير واضح غالبا. وبملاحظة ذلك يبدو المعني الذي يمنح قيمة الأشياء غير موجود، الأشياء والكائنات متراصة وفي أماكنها لكن شيئًا يغيب، مثل يد الشاعر التي تكتب القصيدة ولا يجدها، مثل علب العصير الموجودة في الثلاجة إلي جوار بعضها البعض لكنها لا تحس شيئا تجاه بعضها. المفقود هنا هو البطل الإنساني، لأن كل الأشياء الحاضرة هي الأشياء الهامشية، لكن حضورها أقوي لإحساس الشاعر دائمًا بالموت أو الغياب. وعبر تلك الأشياء يمارس جنونه، ويبتكر علاقات غير مألوفة “في سفينة تشق البحر/ أضع إصبعي في عين حوت”.

العالم في المواجهة يلح بمفردات تشعل الحنين، فيكتب الشاعر كيف أن أصوات الطيارات تتحول مع الوقت إلي منبه يذَكِّره بصوت القطار في قريته ثم صوت وابور الطحين. هل يجب دائمًا أن نغيب لكي نستعيد الأشياء. الهوية والنافذة ومفردات كثيرة يستخدمها الشاعر محمد أبو زيد للتأكيد علي الحالة:

يبدو ديوان “مقدمة في الغياب” مثل محاولات وتمارين لمقابلة الموت.. هل الحديث عن الأشياء بكثرة يبطل الخوف منها.. يجعلها حقيقة واقعة نتقبلها.. يبدو الموت لدي محمد أبوزيد أنه الأصل في مواجهه بضعة أحداث يمكن تسميتها “الحياة”.. يعترف “أنا ميت”. ويُعطي تصورات  متعددة حول تجربة مقابلته للموت. يصبح الموت الرفيق الأقوي علي مدار الصفحات. تظهر بذلك الحياة بوصفها مجرد مقدمة للمتن الذي هو الغياب. كأن رحلة الحياة هي رحلة في أساسها لمقابلة الموت “كان بداخلي طفل””أريد أن ….أخرج/ تاركا كل شيء خلفي/ كما رأيته أول مرة”. ماذا لو كان في إمكان الشعراء كتابة وصية عامة في ديوان، كما يذكر أبو زيد: “بمجرد عبورهم من أمام قبري/ لا يبقي في ذهنهم/ سوي هذه القصيدة/ التي أحاول أن أحشر فيها خلودي/ قدر الإمكان”.

بالنسبة لزمن الفعل في النصوص، فيكون الفعل الماضي هو المستخدم في الحديث عن الموت.. قد يريد الكاتب بذلك الاعتراف بأن الموت حاضر منذ البدء، وأن الرحيل هو التجربة القديمة الثابتة. علي الناحية الأخري نجد الفعل المضارع في النصوص التي تتحدث عن مفردات العالم وعن محاولة الشاعر طوال الوقت لتغيير العالم ورقيًا وابتكار علاقات جنونية بين مفرداته، كأن الشاعر بالفعل المضارع يقول للقارئ كن موجودًا بينما أحاول تغيير العالم ورقيًا.

الحس الساخر حاضر في النصوص ، حتي التي تتحدث عن العنف وتشويه العالم، ولا يخلو الأمر من رسائل يوجهها الشاعر لأشخاص بأسمائهم، نساء ورجالا.

يبقي أن الذين يسافرون يتركون أشياء وراءهم: “كجارتي اليونانية التي سافرت ولم تعد/ تاركة حبات الفيشار ترقص من يومها علي النار/ دون أن توقف الموسيقي”. وكل الذين يشهدون سفر الأخرين، يكبرون، تمضي بهم الأيام ،تغيروا وتغيرت سماتهم وقست قلوبهم: “سرنا وراء الجنازات وقست قلوبنا”، “كما أن الطريق إلي المدرسة تغير كثيرًا، أكثر منا”. لذا سيبدو الموت هو الرفيق للذكريات الماضية ولذكريات قادمة في نصوص محمد أبو زيد.

 
أضف تعليق

Posted by في 7 ديسمبر 2014 in مقدمة في الغياب

 

الأوسمة:

الغريب الذي ينتظر نهاية العالم!

Bassem_Lodeveباسم المرعبي*

عبر ديوان “مقدمة في الغياب” ـ دار شرقيات 2014، يبدو نص الشاعر المصري محمد أبو زيد قابلاً لأكثر من توصيف سواء ما يتعلق بتصنيف هذا النص وردّه الى مدرسة أواتجاه ما، أو بمصادره من ناحية أو طبيعة ما ينطق به من ناحية ثانية. فهو يتنوّع بتنوّع الثيمات التي ينطوي عليها وإن بدا “أرق” الشاعر واحداً، أي الهاجس والدافع لكتابة نصه وما يستند إليه من رؤية أو موقف ازاء الذات والعالم، وهو ما جعله محتدماً في كتابته، حدّ الاتقاد، إذ ليست الكتابة طريقة للعبث بقدر ما هي تعريض بعبث العالم واختلاله ولهذا اتّسم الديوان، عموماً، بالقتامة والسوداوية، والغضب في ذات الوقت.فقاموس الشاعر يزدحم بمفردات وظلال من مثل، الموت، الاغتراب، النهاية، القسوة، الوحدة، الخسارة. لكن ذلك يجيء ممتزجاً بروح السخرية والمفارقة. من هنا بدا النص مليئاً ولافتاً وهو ما يشير بقوة، أولاً، إلى أن لدى الشاعر ما يقوله والأمر الثاني، وهو الأهم، اشتغاله على أسلوبية أو طريقة قول تحاول أن تكون جديدة، متحوّلة ومتماهية مع ما تحمله من مدلولات وبالتالي جاذبة للقارىء، وهو أمر يخص صلب الكتابة وماهيتها فما هذه، بالمحصّلة، إلا الأسلوب إذا ما سلّمنا بالرأي النقدي “اليائس” الذي يفيد بأن كلّ شيء قد قيل حدّ استنفاد المعاني.

وانسجاماً مع وعي الشاعر بضرورة خلق هوية دالة عليه، وهو ما تمكن من تحقيقه لينجح، تالياً، في الإمساك بالقارىء وإشراكه معه في ارتياد عوالمه التي أقامها بالرصد والمفارقة والحزن والألم والهجاء، حتى بدا الشاعر محترفاً في إنهاض قصيدته من ركام عالم لا يتوانى عن نقده وانتظار نهايته. هذه الثيمة الأخيرة التي هي في صلب ديوان”مقدمة في الغياب”، منوّعاً ومضيئاً عليها في أكثر من موضع من قصائده وعبر أكثر من حركة  وصورة، ليلوّح بمشاهد قيامية تقع في النص بوصفها انتقاماً أو خلاصاً:

“عندما يهوي النيزك/الذي سيدمر الأرض،/ الذي ينتظره العلماء منذ سنوات/الذي يقول للمنجمين:/ ـ كم كنتم صادقين/ النيزك الذي سينهي الخلاف/ بين امرأة وحماتها/ على رائحة البصل في المطبخ/ الذي سيريح عاشقاً خذلته حبيبته/ الذي سيحل أزمة أب/ لا يستطيع دفع ثمن حذاء طفلته/ الذي سيضع حداً لأسرى الحرب/ وموتى المجاعات وأطفال الشوارع/ والقصائد السخيفة”. قصيدة: أعتذر للأطفال فقط، أما أنتم.. 78. لكن بالمقابل وبحس المفارقة الآنف الكلام عنه يكتب عن “اللحظة” ذاتها:

في موقف الباص/ انتظرتُ نهاية العالم. 76

في الوقت الذي يناور في موضع آخر على التسمية:

حتى وصلت إلى نهاية العالم/ بدا مثل سور قصير أملس/ يدفعني كأنني كرة مضرب/ خلفه هوّة بلا نهاية.

فهو هنا يستخدم “نهاية” العالم بالمعنى المكاني لكنه في القصيدة  ذاتها

لا يلبث أن يعود إلى لازمته القيامية بالمعنى الزماني، اليوم الأخير للعالم:

 أفكر في رد على “نهاية العالم”:

لماذا تأخرت؟ 32

نهاية العالم، هنا، هاجس صميمي  لدى الشاعر، هاجس يتردّد في العديد من القصائد، كما أشرنا، حتى أن هناك قصيدة تحمل عنوان: “قصيدة تنتظر نهاية العالم”، وهو ما يشير إلى الانشغال بما يؤرق إنسان عالمنا ويستنزفه لهذا تحفل قصيدته بالتفاصيل، مثلما تحفل بالعناوين الكبيرة، وهي قصيدة واقعية، من مناح كثيرة، يومية في بعض ملامحها، وإن خالطتها هواجس ونزعات غرائبية كثيرة مما يمكن إدراجه ضمن المنحى السريالي من خلال أمثلة عديدة في الديوان، كما في نص “محاولة لتقديم خدمة إنسانية جليلة”، على سبيل المثال: “بعد خمس دقائق سأتشقق. لن أنتبه وأنا أسير إلى السيف الذي يقسمني نصفين مثل تفاحة، لن ينتبه أحد إلى نصف جسدي الذي ركب القطار وغادر، ونصفي الآخر الذي لا يزال ينتظر في محطة الباص. يدي التي تسير في الشارع ستربّت على رؤوس اليتامى، تمسح زجاج نظارات كبار السن، تسند سلماً كاد أن يسقط، توقف التاكسي لقط تائه يريد العودة الى المنزل”. 72

قد يذكّر النص الآنف، لناحية التفصيل في الجسد والتسميات، بنص الشاعر الروسي “دانييل خارمس” واسمه الحقيقي “دانييل يوفاتشيف” المولود العام 1905 الذي اتهم بالعبثية في الكتابة ليقضي جوعاً في سجون ستالين العام 1942. والنص المذكور بعنوان: الدفتر الأزرق رقم عشرة:  ومطلعه: “عاش رجل أشقر، لم تكن لديه عين و لا اذن. ولم يكن لديه شعر، ولذلك فان تسميته بالأشقر كانت افتراضياً. وكان عاجزاً عن الكلام، فلم يكن لديه فم، ولم يكن أنف لديه كذلك….”. واذا ما كان نص خارمس هذا قد أُدرج تحت ما هو معروف بالاتجاه الدادائي، إلا أنّه بالمقابل لا مجانية في ما يذهب اليه محمد أبو زيد في كتابته مهما تعدّد لديه القول أو أساليب توصيل هذا القول، ومهما بدت عليه أو تلوّنت به جملته، إذ إن الشاعر ازاء مهمة قاسية تجعل “الدموع تحفر نفقاً… (حتى) تصل العظام” 86. فهو يطفو وحيداً في سِفر مصنوعة مادته من الغربة والوحدة والخوف والذكريات، حدّ أنه لا يتوانى عن التصريح، على الرغم من المفارقة في الأداء التالي: “أدس رسائل تحت عقب باب منزلي وأقرؤها حين أعود”. 26

من هنا فإنّ ديوان “مقدمة في الغياب” عمل يخوض في راهنية إنسان عالمنا باغترابه واشتباكه مع محيطه، بلغة غير متكلّفة ومتخففة من بلاغات لا تؤدّي شيئاً، وهو على صعيد آخر عمل داخل الكتابة، بمعنىً يحرز هويتها كإنجاز، لذا فهو يتبنى أكثر من مقترح خلالها وفيها. وفقاً لذلك هي كتابة تتجه الى المستقبل لما تقدَّم من أسباب ولأنها، أيضاً، مخلصة لعالمها ولهواجس الانسان وشواغله بوصفه مرجعية أولى.

  • شاعر وكاتب عراقي مقيم في السويد
 
أضف تعليق

Posted by في 7 ديسمبر 2014 in مقدمة في الغياب

 

الأوسمة: