RSS

Monthly Archives: أكتوبر 2012

في ‘أثر النبي’ لمحمد أبو زيد: متخيل الأزمة وأفق التغيير

د.محمد المسعودي*

(1)

توصلت برواية ‘أثر النبي’ من الصديق الشاعر والروائي محمد أبو زيد و’الثورة المصرية’ في بداية عنفوانها: يوم 1-2-2011. قرأتها في يومين متتاليين أثناء متابعتي المتواصلة لأحداث مصر، فكانت هذه القراءة من وحي هذه الوقائع، وبإيعاز من أجواء الرواية التي لا تبتعد كثيرا عن معالجة واقع الإنسان المصري والعربي خلال المرحلة الراهنة تخييليا.

ومحمد أبو زيد نموذج للشباب المصري المثقف الذي آمن بالتغيير كتابة وحياة، وبشر به في أعماله الشعرية التي حملت بذور الرفض والتمرد والحلم بآفاق ممكنة للحرية والكرامة والعدالة وقيم الخير والسلام. ونظرا إلى أن الروائي خرج من صلب الشاعر، ونظرا إلى العناية بالسرد التي لابست قصائد الشاعر منذ البداية كان لا بد أن نشير إلى تماهي الجنسين في كتابة محمد أبو زيد. ولعل هذا الامتزاج هو الذي أغرانا بالانطلاق من بعض نصوصه الشعرية لنقف من خلالها على خصائص متخيله الفني – الذي رصد أزمات المجتمع واستشرف التغيير- والكشف عن أبعادها الجمالية، قبل الخوض في روايته الأولى ‘أثر النبي’ للوقوف عند تجليات متخيل الأزمة فيها ومدى استشرافها للتغيير الممكن.

(2)

في ديوان ‘قوم جلوس حولهم ماء’ (دار شرقيات، 2006) نلفي صور الأزمة ضاربة بعمق في تربة المتخيل الشعري عند الشاعر، بحيث تستقصي كل مظاهر الاختلال وانعدام التوازن في شعرية شفيفة وجارحة. إننا أمام نصوص تقول الكائن وتبشر بالممكن في لمحات فنية دالة، وتعبر عن رغبة ملحاحة في الانعتاق من القيود وضيق أفق الحياة. يقول في مقاطع من نصه ‘حتى يرتاح الأشرار’ :

‘7’

‘الوطن أقسى من الموت يا ميرفت’

ليس هذا ما أريد قوله

منذ زمن طويل وأنا أعرف ماذا أريد

الموسيقى مصلوبة على جدران البيت

رأسها مطأطئ

والدموع تصعد إلى عينيها

وسعاد حسني في ‘الكرنك’

رفعت عينيها مستنجدة بالموسيقى

ولم ينقذها أحد

رفعت يديها فأغلقنا التلفاز.

8

الذين أحببناهم

لا يشاهدوننا في مراياهم

والذين أحبونا

غنينا لهم

‘يا مسافر وحدك

وفايتني’

رغم أنهم

لا يحبون عبد الوهاب.

9

لا داعي لأن تكرري: نحن إخوة

نحن كذلك بالفعل

أما الحب

فهناك أكثر من طريقة للتخلص منه:

1 ـ المشنقة

2 ـ مصادقة الأشرار

3 ـ إغلاق الأبواب

4 ـ هذه القصيدة

10

افتحوا الباب

لقد اختنقت'(ص.41-44)

تجسد هذه القصيدة بإشاراتها المكثفة واقع الحال الذي انعدم فيه الحب وانتكست المشاعر والقيم الإنسانية حتى العدم. وينص الشاعر على أن ما يربط الإنسان بالحياة والتجديد يشهد حالة من الرثاثة والقهر: الموسيقى باعتبارها مصدرا للبهجة والفرح صارت مصلوبة تبكي حزينة، وكذلك حال الفن بما يحمله من قيم التغيير والتحول (الإشارة واضحة من خلال فيلم الكرنك وسعاد حسني). ويصور الشاعر مصير الحب باعتباره أسمى مشاعر الإنسان في ظل ظروف مختلة: الشنق- السقوط في يد الأشرار- الخنق عليه وحصره- البكاء عليه شعرا. ولذلك يصرخ الشاعر في المقطع الأخير من القصيدة طالبا فتح باب الحرية حتى يتحرر من اختناقه، ومن قهره، ومن موت حبه في ظل شروط غير إنسانية. وبهذه الشاكلة يجمع الشاعر في متخيله بين تصوير مفردات الأزمة وتمظهراتها وبين الإفصاح عن رغبة الانعتاق والتحرر في نبرة شعرية تجمع بين التلميح والتصريح.

وهذه النغمة الرافضة المنتقدة للحال والأحوال نلقاها في ديوان ‘طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء’ (دار شرقيات، 2008) منذ عنوانه الذي يشخص الطاعون، طاعون القهر وانعدام الحرية، في شكل إنسان لامبال يجلس على كرسيه متطلعا إلى عوالم خاصة به ساهيا عن الدمار الذي يحدثه. أليس هذا العنوان تلخيصا شعريا شفيفا لفوبيا نظام طاعوني يجثم على صدر مصر وأهلها؟

يقول الشاعر في قصيدة ‘فضيلة النوم’:

‘ في النوم

الحياة أبيض وأسود

أحتمي بحيادي وأفتح فمي

تاركا الصوت يخرج في أجولة مفتوحة

في النوم

أهرب من طاعون

يحبو على الأرض

طاعون في طرقات المستشفى

طاعون في العناية المركزة

في السوق

في الحافلة

في استراحات المسافرين

في حقائب الديناصورات الصغيرة

في النوم

أضع للقساة النمل في آذانهم

أخفض صوت الرعد

حتى لا يقلق جدي في غفوته

أقابل أصدقائي الموتى في الحانة

وأستعيد البحر

الذي سرقوه مني

في غفوتي السابقة'(ص.78-79(

أمام استشراء الطاعون لا يجد الشاعر من مفر سوى الحلم والرغبة في استعادة صوته المقموع وفتح أجولة احتجاجه عن آخرها أثناء إغفائه. وفي الحلم أيضا ينتقم من الأشرار ويذود الأذى عن الأحباب ويقابل الأصدقاء الموتى في المكان الذي يحب ويرضى، كما أنه يستعيد في أحلامه البحر الذي سُرق منه. بهذه الشاكلة يعبر الشاعر عن ارتباطه بالتغيير ولجوئه إلى التخييل قصد بناء رؤياه لحاضره وآتيه. ولعل تشخيص ما يحيط به بهذه اللغة الشعرية الموحية هو ما جعله يكتب نصه الروائي الأول بهذه الروح الرؤيوية التي تقف عند الكائن وتستشرف الآتي.

(3)

إن الطقس الجنائزي والبناء الدرامي المتصاعد يبدأ من الفصل الأول في رواية ‘أثر النبي’ (دار شرقيات، 2010)، وهو الفصل الذي يعلن فيه السارد موت ‘عادل هياكل’ أحد الشخصيات المحورية في الرواية لتترى الأحداث ما بين الفصل الأول والأخير من النص في إيقاع سردي منساب يذهب بالمتلقي إلى أماكن عدة، وإلى حيوات شخصيات متنوعة لها صلة ببطل الرواية (الطالب الأزهري). حيوات تتقاطع فيها لحظات تراجيدية بأخرى كوميدية ساخرة. وعبر هذا البناء السردي المتوتر والمتشابك يستطيع السارد حبك عوالمه السردية المميزة. إن أول ما يطالع القارئ في الفصل الأول:’الدم’، هذا التركيب الجامع بين المأساة والملهاة:

‘ حلاق الجمعية الشرعية

ممنوع حلق اللحية’.

أتحسس الكلمات المكتوبة على الحائط بخط يحاول أن يبدو نسخا، أخطو أولى درجات السلم المظلم، قلبي يدق في عنف، مدركا أن عادل هياكل في الطابق العلوي يصارع الموت، أن الشرطة من الممكن أن تداهم المبنى في أية لحظة، أن عم رجب سيلقيني وحقيبتي من أعلى إلى الشارع، أنه لا أحد هنا، فقط: أنا.. وعادل.. ولافتة الحلاق الأعشى..'(الرواية، ص.11)

بهذا السرد المتوتر المنساب نجد أنفسنا في صلب حكاية عادل هياكل والطالب الأزهري الخائف من الشرطة ومن طرده من شقة الطلبة، وبهذا المفتتح نرى السخرية تقترن بالمأساة منذ البداية، وهي اللمحة السردية التي شكلت الرواية من خلالها رؤيتها إلى الواقع وتناقضاته، ومن خلالها بنت واقعها الفني المتخيل. وما بين هذه الافتتاحية التي تبدأ بالإعلان عن موت عادل هياكل غارقا في دمه وقيئه، وما بين الفصل الأخير في الرواية الذي يعود إلى نفس الحدث تتخذ الرواية البنية الدائرية في عرض الوقائع والتفاصيل والجزئيات التي تشكل متخيلها السردي. وعبر أحداث الرواية نجد أن محكيها المحوري يركز على حيوات شخصيات تتفاعل في سياق دار الطلبة التابع لحركة سياسية/دينية هي جماعة الإخوان المسلمين، وحيوات شخصيات أخرى تتقاطع معها في الزمان وتبتعد عنها في المكان، لكن تأثيرها حاضر عبر عملية الاسترجاع والتذكر (أم البطل، الجدة، الجد، الأب، وزوجة الأب)، أو عبر مناجاتها وتوجيه الخطاب إليها (زينب). إننا أمام قصص الشيخ سيد والقذافي وأبو العزايم ويوسف ومحمد خليل وحمدي وحجازي والبواب عم رجب وهشام وأدهم وعائشة، وشخصيات أخرى عديدة يتفاعل معها السارد، ولها حضور في حياته ووجدانه وفكره، وعبر حكاياها تتحدد القسمات الكبرى لمتن الرواية، وعبر تشابك مصائرها بمصير السارد وبما يجري في الحياة تتحدد علامات الأزمة التي تصورها الرواية، كما تتجلى لمحات من أفق التغيير الذي تنشده تلك الشخصيات ويتطلع إليه البطل/السارد.

نجد أغلب شخصيات هذه الرواية تتطلع إلى الهجرة خارج مصر، ولعل هاجس الهجرة كان أفقا للحلم والتخلص من وطأة الواقع المظلم وقهره. كما أن السارد يراوده، في يقظته ومنامه على السواء، الحلم بالطيران والتحليق أعلى، وهو الحلم الذي حقق بعضه في لحظة وجد صوفي نادر عندما شارك في حضرة صوفية أقامها أحد أصدقاء الشيخ سيد رفيقه في السكن، وهو شعور أحس به من قبل في حفل ذكر أحياه والده في البيت حينما أصيب بحالة كآبة عويصة إثر موت والدته، لكن حلمه بالطيران وحلم جميع أصدقائه بالهجرة وتغيير ظروف حياتهم ظل أسير قيود سياسية واجتماعية لم تفرج عنه أبدا.

ولعل الشدة ومعاناة القسوة والظروف الصعبة هي التي جعلت شخصية السارد والشخصيات الأخرى تنحو نحو الرفض والتمرد والسخرية بطرقها الخاصة التي يسردها الكاتب في براعة وإحكام، وخاصة الوقائع التي تدور في دار الطلبة، أو من خلال رسائل هشام… وقد كانت الرغبة في الخلاص من العزلة والوحدة، والرغبة في إرضاء الصديق القريب من النفس هي التي دفعت البطل إلى الاستئناس بأدبيات جماعة الإخوان، من جهة، ومن جهة ثانية، قبول الالتحاق ببيت طلبة الغورية حيث سيجد مهربا من عزلته ووحدته. وهكذا نرى أن بذرة التغيير انبثقت في وجدان شخصية السارد استنادا إلى أمرين:

-حب الآخر والعمل على إرضائه حفظا لأواصر الصداقة.

-الرغبة في الخلاص من واقعه الفردي المأزوم.

ولم يكن السارد يدرك حينها أنه سينخرط، بذلك، في واقع أشد إيلاما وأزمة سيجعله يتجاوز التركيز على معاناته النفسية الفردية، ليصبح الإحساس بالخوف والشعور بالمهانة والخشية من المصير المظلم المجهول أساس حياة يشترك فيها مع رفقاء سكنه من الطلبة ومع الشخصيات الأخرى التي عرفها وشكلت جزءا من كينونته ووجدانه. وقد ارتبطت هذه المعاناة بجو عام من القهر والإحساس بانسداد الأفق يصل إلى ذروته مع سقوط بغداد في يد الأمريكان في أبريل سنة 2003، بحيث يعلن محمد خليل أنه السقوط الأخير للعرب الذي لن تنهض لهم بعده قائمة. ووسط هذا الجو يركز السارد على تصوير وقائع تتصل بردود فعل الناس وطلبة الأزهر، وردود فعل من داخل مسكن الطلبة ذاته، كما يركز على تصوير إحباطه وتيهه، وتعرضه إلى الطرد من المسكن بعدما اكتشف الأستاذ أحمد اهتمامه بالسياسة، وهو الأمر الذي يقتضي نظام البيت أن لا يشتغل به الطلبة، وأن لا تحمل حقائبهم ومحتويات كتبهم ما يدل عليه. وتنتهي الرواية بمشهد دال يمتزج فيه صوت جمال عبد الناصر يعلن استقالته وتنحيه إثر هزيمة يونيو 1967، وصورة محسنة توفيق وهي تهرول صارخة ‘هنحارب..هنحارب’، مع هرولة البطل في شوارع ضيقة تزداد ضيقا، وهو يحمل حقيبته الثقيلة التي تمزق كتفه، والدموع تسيل من عينيه، وكل ما حوله كئيب أسود.

ولعل هذه النهاية التراجيدية التي اختتمت بها الرواية تنبع من صدق تصوير واقع الأزمة وصعوبة الانعتاق من قهر الواقع المتردي سياسيا واجتماعيا، وإذا كان صوت جمال عبد الناصر المنبعث من شاشات تلفزات المقاهي يقر بالخلل السياسي ويعلن الهزيمة، فإن الصوت الثقافي/الفني/العلمي ممثلا في احتجاجات الطلبة ومحسنة توفيق يؤكد الإصرار الشعبي على المواجهة والاستمرار، على الرغم من المشهد الكئيب الذي تختتم به الرواية، وفي ذلك استشراف للمستقبل وتأكيد على الرغبة في التخلص من الأزمة.

(4)

ينتهي قارئ هذه الرواية المكثفة القصيرة إلى أن صاحبها لا يقف عند حدود كشف المستور من وضع المجتمع المختل وإشكالاته العويصة، بل إنه يكشف، أيضا، عن مقدرة فنية/سردية لا تخلو من مكر روائي، ومن قدرة على تحقيق نوع من اللعب الفني الذي يستند إلى طاقات حكائية متنوعة، منها استدعاء الرسالة وتوظيف الخبر الإعلامي وصيغ المنشور السياسي والمحاكاة الساخرة لنقل مباراة كرة قدم… وغيرها من أشكال الخطاب بحيث تصبح هذه العناصر جزءا مكونا للنص الروائي وعوالمه المتخيلة، وعبرها تتشكل رؤيته الرافضة/ الساخرة لما يجري في الواقع الاجتماعي، واستشرافه للآتي من خلال تركيزه على تصوير تحولات المجتمع وصراع جماعة الإخوان مع الأمن المركزي ومعاناة طلبة الأزهر خاصة بما ينبئ عن تفجر الوضع وبداية انتفاضة الطبقة المتوسطة في المجتمع المصري، وفي المجتمعات العربية، وهي الفئات التي أصرت على المضي قدما نحو تحقيق التغيير والخروج من ظروف الأزمة التي أحكمت قبضتها على الواقع بكل معطياته. ولعل اختيار الإمكانات السردية التي ذكرناها، إلى جانب الميل إلى التكثيف السردي، والدقة في تصوير الأحداث وحالات الشخصية الوجدانية ومواقفها الفكرية، جعلت هذه الرواية الأولى لمحمد أبو زيد تتميز بطاقة شعرية في لغتها ومناحيها التعبيرية في الغالب، مما يؤكد ما أشرنا إليه في بداية هذه القراءة، وهو هذا التماهي بين السردي والشعري في كتابته الشعرية والروائية معا. وإنا ننتظر من الروائي محمد أبو زيد أعمالا سردية أخرى فاتنة ومنخرطة في معالجة اختلالات وضعنا العربي الذي لم يتخلص بعد من أزماته السياسية والاجتماعية والثقافية.. على الرغم من هذه الأحداث التي نشهدها الآن

ــــــــــــــــــــــ

*ناقد مغربي

* نشر في جريدةالقدس العربي

 
 

الأوسمة: ,

محمد أبو زيد: الرواية وثيقة تديننا أمام الأجيال القادمة

2012-12-21 18.23.08

حاوره: هدرا جرجس

بعد تميزه في خمسة دواوين جاءت الرواية الأولى للشاعر محمد أبو زيد التي تدور في أجواء صوفية متنقلة ما بين ابن الفارض وجلال الدين الرومي وحلقات الذكر، جاءت الرواية بأبطال كثيرين يعانون من الهزيمة، حيث تتجسد هزيمة جيل بأكمله نشأ في ظل نكسة عربية جديدة، وتتخذ الرواية الفترة بين احتلال العراق للكويت عام 1990، وحتى الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 فضاء زمنيا لها، ومن خلاله يرصد أبو زيد التغيرات الاجتماعية والسياسيو التي حدثت من خلال أبطاله المهمشين.

ـ لماذا اتجهت لكتابة الرواية؟

ـ أنا ضد التصنيف النوعي للأدب، ففي كل الأزمنة كان هناك أدباء يكتبون أشكالا متنوعة من الأدب، شعرا ورواية وقصة، وأنا مع النص الجيد حتى ولو كان تدوينا، بالإضافة إلى أنني بدأت في كتابة “أثر النبي” سنة 2003، وكانت كنص مفتوح أمامي طوال 7 سنوات، أكتب فيها حينا وأتوقف حينا.

ـ بمناسبة التدوين، أرى أن روايتك تشبه كتابة المدونات؟

ـ أنا من الجيل الأول الذي كتب في المدونات في مصر سنة 2005، ولكنني توقفت لأنني أرى أن التدوين الآن فقد غايته، فمن المفترض أن المدون يكتب عن حياته ويومياته وخواطره خلال التدوين، لكن التدوين فقد معناه، عندما صار كتابا مطبوعا، بالإضافة إلى غلبة القضايا السياسية على محتواه، وأصبح المدونون يسعون إلى نشر مدوناتهم في كتب، أكثر من اهتمامهم بنشرها على الانترنت، وبالنسبة لشكل التدوين الذي استفدت منه في الرواية فأنا أرى أن شكل الكتابة كان لا بد يناسب أفكاري وحالتي، فأنا عندما بدأت في كتابة الشعر كنت أكتب القصيدة العمودية ثم اتجهت إلى التفعيلة، والآن أكتب قصيدة النص، لأنها تعبر عن حالتي الآن، فقصيدة النثر تشبه الصراخ، ونحن الآن نحتاج إلى الصراخ أكثر من غنائية التفعيلة.

ـ هل ترى ذلك أيضا في الرواية؟ هل تراها منبرا للصراخ؟

ـ نعم، لأننا جيل مهزوم نفسيا واجتماعيا وسياسيا، ونحن كجيل لم نر مصر في الواقع كما كنا نراها في الكتب الدراسية، قرأنا عن القومية العربية والحلم العربي، وصدمنا عندما رأينا دولة عربية تحتل دولة عربية أخرى كما حدث بين العراق والكويت، فبدأت كل الأحلام والأيديولوجيات تنهار،  لذا أرى أن الكتابة وخاصة، كتابة الرواية، من الممكن أن تتحول إلى وثيقة، تديننا أمام الأجيال القادمة، أنا من خلال روايتي كنت أرصد آثار وعلامات الحياة والهزيمة  ولذلك أسميتها “أثر النبي”، لأنني اهتممت فيها بالأثر الذي نتركه في رحلة حياتنا.

ـ الآن، وقد أصدرت روايتك الأولى، ماذا عن مشروعك كشاعر؟

ـ لست مهتما بأن أكتب رواية أخرى، بل اهتمامي كله ينصب حول مشروعي الشعري، وحتى في الرواية ستجد الكثير من المقاطع الشعرية، التي كتبتها كنصوص شعرية.

ـ في روايتك “أثر النبي”، حس صوفي لافت، ما الذي قصدته بذلك؟

ـ الحس الصوفي في الرواية كان مقصودا به الإشارة إلى أن الناس تهرب دائما إلى الدين، سواء في شكله السلفي أو في شكله الصوفي، وهو في أغلب الأحيان يكون تعبيرا عن هزيمة، وحتى من لا يهرب إلى تلك الجماعات الدينية فهو متعاطف  معهما لأن الدين هو البوابة الوحيدة المتاحة، وهو ما حدث في مصر بعد عام 1975، مع صعود التيارات الدينية.

ـ ورصدت كذلك التفاوت الطبقي بين الريف والمدينة؟

ـ أنا من محافظة سوهاج، وسط الصعيد، وأعرف تماما إدراك الجنوب لحجم الفقر المغلف بالعادات والتقاليد التي تختلف تماما عن المدينة وعالمها، ولهذا بدأت أكتب قصيدة النثر عندما غادرت القرية وعشت في المدينة، لأنني ادركت أن القصيدة هنا تختلف عن تلك في الريف، فالمدينة تشعر الجنوبي أنه وحيد وفي غربة دائمة ويحتاج إلى الصراخ طوال الوقت وليس إلى الغناء، ففي المدينة أنت لا تعرف أحدا، أما في القرية فأنت تعرف كل من يمروا في الشارع.

ـ ولكن ألا ترى أن سبع سنوات مدة طويلة لكتابة رواية وخصوصا بهذا الحجم الصغير؟

ـ بدأت في كتابة الرواية بعد حرب العراق، ربما بسبب الشحن العاطفي للموقف، فلم أجد ما أفعله غير التفكير في الكتابة، وكتبت الهيكل الأساسي لها في 2003، واشتركت في مسابقة يحيي حقي التي ينظمها المجلس الأعلى للثقافة بها، وأنا في العام الدراسي الأخير لي في الجامعة، وفزت بجائزة، ثم أصدرت خمسة دواوين شعرية ، ولكن في السنة الأخيرة بدأت العمل عليها مرة أخرى، وأخرجت منها الشحنة العاطفية، واكلمت البناء الدرامي لها وقصدت ألا أغير في الشخصيات وأن أحافظ على السمة الأساسية لها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

نشر في مجلة الإذاعة والتليفزيون ـ يناير 2011

 
أضف تعليق

Posted by في 27 أكتوبر 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة: ,