RSS

القيء ـ فصل من رواية أثر النبي

19 يونيو

مات هياكل..

قال الولد للبنت: أحبك، فابتسم عامل البوفيه وهو يناولهما الشاي، دقت ساعة الجامعة دقتين، كان الجو حارا وخانقا، وكان الدكتور في المحاضرة يقول: ” أنتم الجيل الذي تغرب أباؤه في مدارس ومزارع ومستشفيات المغرب العربي والخليج، وعادوا ليشتروا شققا ويبنوا بيوتا في قراهم، سقطت في الزلزال أو غرقت في السيول، أو نصبت عليهم شركات التوظيف وسرقت تحويشة العمر، أنتم الجيل الذي لم يتعاطف مع تعامل الحكومة مع أهالي الجماعات الإسلامية وفضل تسلية أيامه بحكايات ليالي الحلمية والراية البيضا وأحلام الفتى الطائر ، أنتم الجيل الذي شاهد في طفولته الطيور وهي تغرق في بترول الكويت المسكوب في الخليج وشاهد انتهاء حلم الوحدة العربية على الهواء ، أنتم جيل فاشل ” ، ثم قاء في طرف قاعة المحاضرات دما، فتسللت أصابع الولد إلى أصابع البنت ، بينما عاد الدكتور ليرسم على السبورة سارية وعلما .

قال الولد للبنت: أحبك ، فتنهد شرطي المرور، وابتسم للسيارات والمارة والسماء الجديدة ، طارت حمامتان ، وحطتا فوق كتف سور الجامعة ، رشفت الشاي ثم سكنت عينيه ، نقش على الشجرة قلبا كبيرا بحرفين وسهما من لحاء الشجر ، وسكن قلبها ، كان تمثال نهضة مصر يردد مع الولد : ” أحبك ” .

مات عادل ..

بطرف أصابعه مسح دمعة أسفل نظارتها ، فأطالت النظر إلى شعره المهوش ، في الطريق إلى السينما الشتوية، ضغطت أصابع كفه وبكت، قالت أمها كلاما، وقال عبد الحليم حافظ وهاني شاكر وشهاب حسني كلاما آخر، حين قبّل البطل البطلة في آخر الفيلم ابتسمت لأول مرة، عدلت ياقة البلوزة ، تابع الدكتور” القضية ليست في انتمائك السياسي ، القضية إنت بتحب مصر قد إيه “.

استقلت الترام من رمسيس ، كان الفيلم رومانسيا أكثر مما يجب ، لوحت له من شباك الترام ، همست : ” أحبك “، فيما كان يقلد دون وعي هرولة الدكتور خلف الأتوبيس.

مات عادل هياكل..

سيقول عنها السادات: انتفاضة الحرامية ، وسيقول لطفي الخولي: انتفاضة الجوعى ، ويقول الدكتور بعد خمسة وعشرين عاما منها بينما يراهما في مظاهرة مشتعلة: ما فيش فايدة، وستقول هي: بلاش، لكنه سحبها من يدها وخرجا معا يهتفان، سقطت نظارتها من فوق أنفها، تحطمت، ناولها نظارته لكنها لم تر بها، أعيدت إلى المدرج وهي تفتش عنه ، كان صوته يصلها ببحة مميزة، حين زارته في مسكن الغورية رفض عم رجب دخولها حتى بعد أن ادعت أنها أخته، وحين سار معها في شوارع الدرب الأحمر غنى لها وسط دهشة المارة وباعة الخضراوات وساندوتشات المربى بالقشطة والكشري : ” على طول الطريق نقابل ناس، ونعرف ناس ، ونرتاح ويا ناس عن ناس” ، أمام جامع السلطان حسن غنيا مع حارس المسجد ” عدى النهار “، في القلعة رسم في غفلة من الحارس على السور سارية وتمثالا جديدا لنهضة مصر، ونسي أن يرسم حمامتين.

هياكل مات..

زعق سائق ترام المطرية ولم يتحرك، تجمعت في عيني عسكري المرور دمعتان ثم أوقف السيارات، كان المدرج فارغا وكان سور الجامعة وحيدا، والراديو يذيع وقائع دخول القوات الأمريكية إلى بغداد ، أدار عامل المقهى وجهه للناحية الأخرى ، حلقت حمامتان ثم هوتا في النيل .

حين رأيتها بعد ذلك وأنا أهرول بحقيبتي من أمام مديرية الأمن في باب الخلق ، صرخت في وجهها : ” عادل هياكل مات ” ، ثم تأملت مذعورا دمعتين كبيرتين تجمعتا في عينيها قبل أن تنفجر في الصراخ.

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 19 يونيو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: