RSS

Monthly Archives: يونيو 2012

محمد أبو زيد: الأيديولوجيا تتسرب ولا تطغى على النص

2012-12-21 18.23.08

عناية جابر

محمد أبو زيد شاعر مصري متميّز، له خمس مجموعات شعرية ورواية تحت عنوان «أثر النبي» صدرت في العام 2010، وتحمل هموم دواوينه الشعرية والإنسانية ذاتها، كشاب مصري عربي عاجز سوى عن التفرج على انكسارات وخيبات في مجتمعنا الكبير. الكتابة عند أبو زيد محاولته لإعادة ترتيب العالم حتى يصبح كما يروق له على ما يقول. معه كان هذا الحديث عن الكتابة، بالأخص كتابته الشعرية.

في قصائدك دائماً ذلك الشيء غير المتحقق، من هنا سر جاذبيتها؟

ـ التحقق هو النهاية، عندما أشعر بأنني قد وصلت سأجلس في بيتي، وأحادث أصحابي في فيس بوك وتويتر، وأتوقف عن الكتابة، الشاعر صوفي يبحث عن الله، عن الحقيقة، ويظل يبحث ويمضي العمر ولا يصل، الصوفي إذا وصل جن، أو كفر، أو مات، والشاعر إذا وصل فقد قدرته، لا يتبقى منه سوى كعب اخيل.

فيها أيضاً فن التعرية والتجريد من دون فقدان الوضوح المعماري للقصيدة على الصعيد الداخلي والخارجي؟

ـ كل ما كتبت منذ أول ديوان لي، وحتى آخر ديوان لي لا أعرف متى سيصدر، هو قصيدة واحدة، مختلفة المستويات، تتطور مع كل ديوان، قد تتكون هذه القصيدة من عشرة دواوين، ربما أكثر وربما أقل، أنا أعمل على «مشروع عمر»، أكتب وأنا أفكر في الدواوين المقبلة، والدواوين الفائتة، لذا فبعض شخوص الرواية موجودون في دواوين، مثل «عائشة»، أو «الشيخ أحمد عبد التواب»، وفي ديواني الجديد «مدهامتان»، الذي أعده للنشر قريبا، ستجدين إشارات لقصائد سابقة، وربما لاحقة، ما أريد أن أقوله هو أن لدي بناء معمارياً واضحاً لتجربتي الشعرية، أعمل عليه منذ ديواني الأول، أدرك أنني في كل عمل جديد أضيف لبنة جديدة فيه، عندما أضع آخر واحدة، سأتنهد ساعتها بارتياح وأقول: «حسنا يا رفاق، لقد انتهيت».

ما مصادر شعرك بمعنى ما هي قراءاتك ولمن من العرب والأجانب؟

ـ أقرأ لمن يكتب نصاً جميلاً، أحياناً أتمنى أن أستعيد مرحلة البدايات التي كنت أقرأ فيها كل ما يقع تحت يدي، من نصوص عربية أو مترجمة، لكن يبدو أنه مع الزمن وكثرة الإصدارات صار ذلك صعباً، لكن مع ذلك أحب دائما أن أقرأ النصوص الأولى لكتابها الشباب، دائما ما تكون ممتلئة بالطزاجة والبكارة، لكن قراءتي الأساسية، تبدأ من التراث العربي، وربما هذا ما يجعلني ألجأ كثيرا للتناص، أقرأ كثيرا في التراث الشعبي الإبداعي، أحب كتابة جيلي، وجيلي الثمانينيات والتسعينيات العربيين، أحب أدب أميركا اللاتينية، وأدب أميركا السوداء، أحب كثيرين، لكني أحب النصوص أكثر، النصوص هي التي تعرفني بالمبدعين.

المشهد متجمد

كيف ترى المشهد الشعري في مصر؟

ـ المشهد الشعري في مصر متجمد عند الخمسينيات، تمر الحياة ولا يمر، تجري السنون وهو واقف لا يزال يناقش قضايا انتهت منذ زمن، ما زلنا نناقش «هل هناك ما يسمى قصيدة النثر»، ما زلنا نتساءل «هل هي قصيدة أم نثر»، ما زلنا عندما نناقش ديوانا لشاعر نجد من يهب كعنترة وسط الندوة شاهرا سيفه في وجوهنا «تبت أياديكم، هل هذا شعر»، المشهد متجمد، ربما لأن الحياة نفسها متجمدة، ربما لأن التعليم يسحبنا إلى الخلف، ربما لأنه بعد ثلاثين عاماً من القهر لا زلنا نقف عند النقطة التي كنا نقف عندها، وربما لأن ناقداً خرج ذات يوم علينا بأن هذا زمن الرواية «فهرول الناس إلى الحواديت، وتركوا الشعر، ربما لأن أراوحنا صدئت ولم تعد تفهم الشعر، وربما لأن الشعر الذي يكتب لم يعد قادرا على إزالة كل هذا الصدأ عن الأرواح.

ثم هل تنقي الثورة الثقافة من شوائب عدة؟

ـ أعتقد أن الكتابة ستختلف بعد الثورة، أنا لا أستطيع أن أكتب بمعزل عن عالمي، والعالم تغير، العالم هو شارعي وجريدتي وقهوة الصباح و غرفة نومي وكتبي وجاري وضحكة طفلي وعبوس سائق الباص، كل ذلك تغير بعد الثورة، الثورة منحت العالم أسئلة جديدة لم يجب عنها أحد بعد، وأجابت عن كثير من الأسئلة التي كنا نطرحها من قبل، كان لدي نص طويل أعمل عليه قبل الثورة، لم أستطع استكماله بعدها، لأني شعرت بطاقة نور أضاءت النص كلها، وتركته معلقا، ربما يبقى على الثورة أن تنقي كما تقولين الثقافة من أمراضها، أن تخرج المثقفين من «الحظيرة» التي وضعهم فيها النظام السابق، على حد وصف وزير ثقافته فاروق حسني، أن تمنحنا الحرية في كتابة نصوص أكثر انفتاحا، من دون أسئلة تقليدية ظللنا ندور في فلكها خمسين عاما.

ماذا عن روايتك؟ لماذا الرواية؟

ـ لم أكتب الرواية عن قصد، وربما لن أكتبها مرة أخرى، في تعريفي على الرواية كتبت «شاعر مصري»، أقصد أنني شاعر كتب الرواية برؤيته، وهذا ليس انتقاصا من نوع معين من الكتابة، لكني أحب الشعر، ولذلك كنت أعطي الرواية لأصدقائي وأنا متردد وأقول لهم «أنا شاعر على فكرة يا جماعة».

هل تتيح المزيد من البوح الذي لا يتحمله الشعر؟

ـ الرواية لم تتح مزيدا من البوح بالنسبة إلي، بعض ما جاء في الرواية قلته في قصائد لي من قبل، لكن أريد أن أذكر بما قال الشاعر الإنكليزي «فيليب لاركن»، من أن الشعر يكتب الذات، والرواية تكتب الآخر، حسنا في الرواية كنت أريد أن أكتب الآخر، الرواية التي استغرقت كتابتها سبع سنوات، بدأتها في لحظة حاسمة في تاريخ الأمة العربية، وهي الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، كنا نرى الحرب على الهواء، الأطفال والنساء والشيوخ يصرخون وتسيل دماؤهم على الشاشات أمامنا، ونحن لا نفعل شيئا سوى أن نشرب الشاي واليانسون على المقهى ونتفرج، نخرج في مظاهرات ندرك أنها غير ذات جدوى، فالحكام تآمروا كي تسقط بغداد، كتبت همي هذا في قصيدة اسمها «يقول محمد: نقية لدرجة أنه من المؤكد اسمها مريم»، في ديوان مديح الغابة، لكنني في الرواية أردت أن أكتب هم الآخرين، الذين كانوا حولي، كان الهم أكبر مني، ومن الآخرين، الذين رأيتهم يشيخون، لأن العجز أقعدهم عن فعل أي شيء سوى الفرجة ووضع الخد على اليد، وستجدين عالم القصيدة والديوان عالما واحدا، بل ستجدين الشخوص واحدة أيضا.

«الدوغما»

هنا سؤال يرتبط بوجود الأيديولوجيا في الرواية لديك، ألم تخش من الاتهام بالمباشرة؟

ـ أقول دوما إنه لا أدب بدون أيديولوجيا، حتى الذي يكتب رواية ذاتية، فهو في ظني يكتب أيديولوجيته الخاصة، وجهة نظره وإبداعه، نحن في عالم عربي تزيد السعادة فيه في متوالية عددية، فيما يزيد الشقاء في متوالية هندسية، كما قال ماركس، في ظل هذا يكون من الصعب أن تنخلع عن عالمك، ربما تسخر، ربما تخبئ أيديولوجيتك، لكنك لا يمكنك أن تخلعها تماماً، ولا يمكنك أيضاً أن تشهرها في وجوه الناس، شعرة معاوية التي بين الاثنين هي التي يمكن أن تنقذ النص، أعمال ماركيز ويوسا وكونديرا والليندي وساراماغو وبوليستر لا تخلو من الأيديولوجيا حتى لو بدت كذلك، القضية كيف ينتصر الإبداع على الأيديولوجيا في النص، لا أن يقتله تماما، وفي الرواية كنت أتناول حدثاً مهماً، وملهماً وهو الاحتلال الأمريكي للعراق، تناولته من خلال تأثيره في مجموعة من الشباب يعيشون في عالم مغلق، تحاصره قيود الأمن والفقر والعوز والوحدة، فهل سيهتم هؤلاء المشغولون بقضايا وأحلام بسيطة، بالقضايا الضخمة، كان هذا أحد أسئلة الرواية.

هل هذا يعني أنك تكتب أدبا في خدمة الأيديولوجيا؟

ـ هناك فارق بين أن تكون لدي أيديولوجيتي الخاصة، وبين أن أكتب أدبا أيديولوجيا، بالنسبة إلي أفضل فكرة المثقف المستقل، البعيد عن أي حزب، أو تيار سياسي، فحزبه وتياره هو إخلاصه لإبداعه وإنسانيته، أرفض تماما فكرة «الدوغما» في السياسة، والأدب والحياة، لكن هذا لا يعني أن الأديب لا يحمل وجهات نظر في الحياة، وجهة النظر هذه هي التي تجعله يكتب نصه، كل شيء وجهة نظر، هذه الإجابات وجهات نظر، وأيديولوجيا، الشيء الثاني أنني أرفض تماما فكرة أن يكون الأدب في خدمة الأيديولوجيا، لأنه في هذه الحالة لن يصبح أدبا، لكن ما أريد أن أقوله، هو أن الكاتب في لحظة الكتابة يتخلى عن هذه الأيديولوجيا لكنها تتسرب إلى نصه لأنها أفكاره، المهم ألا تطغى الأيديولوجيا والمباشرة على النص فيفقد فنيته، أنت لا تستطيعين نزع الشاعرية من محمود درويش أو محمد الماغوط رغم أيديولوجيتهما الواضحة، لا تستطيعين نزع الفنية من صنع الله إبراهيم أو إبراهيم الكوني أو رشيد الضعيف أو أمين معلوف أو عبد الرحمن منيف لمجرد أنهم كتبوا نصا يحتمل التأويل، المهم ألا يزعم الأدب أنه يقدم الأيديولوجيا، الإشكالية عندنا في العالم العربي، أننا لا نرى إلا جانبا واحدا من العملة، ولا نصدق أن هناك جانبا آخر، ونريد من الجميع أن ينظر من جهتنا نحن فقط، فنفي الآخر هو أسهل ما نمارسه.

ــــــــــــــــــــــ

*نشر في جريدة السفير اللبنانية

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 19 يونيو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة:

أثر النبى: رواية بين بدايتها واكتمالها خمسة دواوين شعر

عزة حسين*

محمد أبوزيد أجمل شعراء جيله. هو من ندرة يفعلون أشياء عديدةٍ بنجاح، أجملها الشعر: يكتب تدويناته الـ«حزاينى شوية».ويجمع الأعمال الإبداعية والنقدية على موقعه الناجح «الكتابة»، ويذهب إلى عمله بالتليفزيون، ويجالس أصدقاءه على مقهى «عم صالح»، ويداعب ابنه «سيف» بالمنزل. ومؤخرا كتب محمد أبوزيد رواية بعنوان «أثر النبى»، لها نفس هموم أشعاره، فى دواوينه الخمسة السابقة.

حيث: اليتم الضاغط، أسى الوحدة، مراثى الحروب، الالتصاق الشعرى بالهم العام، والتمرغ فى التراث الصوفى، لكنه يرى أن هم الرواية كان مختلفا وزائدا يقول: «كان هما خاصا متوازيا مع الهم العام، هم الوطن بأكمله، حيث حالة من التدين الظاهرى.

اصطدم بها بطل الرواية مع جماعة الإخوان المسلمين، أو عضو الجماعة الإسلامية الذى قابله فى القطار، أو فى سكنه ببيت الطلبة التابع للسلفيين، ويعلق لافتة «حلاق الجمعية الشرعية ممنوع حلق اللحية»، وحيث العجز الذى يلاحق وطنا بأكمله، بما فى ذلك طلاب الجامعة أبطال الرواية، العاجزون، وهم بعد فى العشرينيات، عن فعل أى شىء أو حتى الحلم بأى شىء للمستقبل، فضلا عن الهم السياسى للرواية وهو احتلال أمريكا للعراق.

بدأ أبوزيد كتابة روايته عام 2003، بعيد الاحتلال الأمريكى للعراق ولم ينته منها إلا عام 2010، وخلال هذه السنوات أنجز خمسة دواوين: «بدأت كتابتها وسط المظاهرات التى كانت تعم القاهرة، وحالة الاكتئاب التى أصابتنا جميعا، لأنه ليس بأيدينا شىء سوى الفرجة والعجز، فكانت الكتابة بالنسبة لى مهربا مما يحدث، وطريقة للنسيان، وللإدانة.

إدانة الذات العاجزة، وإدانة جيلنا بأكمله أمام الأجيال التالية بأنه لم يستطع أن يفعل شيئا سوى أن يتفرج».

لتناسخ الهموم، تقريبا، بين شعره والرواية، وتقاطعها مع ما يعرفه البعض عن محمد أبوزيد، وشعره، واشتباك ذلك مع أحداث واقعية مجايلة، سيظن البعض «أثر النبى» سيرة ذاتية لكاتبها، وسيحتفظ محمد بحق الاعتراض قائلا: «ليس معنى أن تكتب الرواية بصيغة المتكلم أنها سيرة ذاتية، لكننى أعتبرها رواية جيل بأكمله»، يوضح: «فى الفترة الأخيرة انتشرت على الفيس بوك «جروبات» تؤرخ لأهم ذكريات الجيل الذى ولد فى أوائل الثمانينيات، من أغانٍ، وإعلانات، ومسلسلات، وصور.

وقد فعلت فى الرواية شيئا ربما يشبه ذلك، إذ ستجدين فيها رصدا لأهم أغانى، وإعلانات، وعبارات، ومطربى أوائل القرن، وغيرها من تفاصيل يذكرها الجيل جيدا: كغرق العبارة سالم اكسبريس، احتلال العراق للكويت، الغزو الأمريكى لبغداد، وغيرها، والرواية بهذا الشكل تؤرخ لجيلى بأكمله، وفى النهاية لا أنكر أن فى الرواية جزءا من مشاهداتى، لكنها ليست أنا، هى الآخر، ولذلك هى رواية وليست قصيدة».

‏«كان‏ ‏الجو‏ ‏حارا‏ ‏وخانقا، عندما كان‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ‏في‏ ‏المحاضرة‏ ‏يقول‏: «‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذى‏ ‏تغرب‏ ‏آباؤه‏ ‏في‏ ‏مدارس‏ ‏ومزارع‏ ‏ومستشفيات‏ ‏المغـــــرب‏ ‏العربــــــى‏ ‏والخليج، ‏وعادوا‏ ‏ليشتروا‏ ‏شققا‏ ‏ويبنوا‏ ‏بيوتا‏ ‏في‏ ‏قراهم‏، ‏سقطت‏ ‏فى‏ ‏الزلزال‏ ‏أو‏ ‏غرقت‏ ‏في‏ ‏السيول‏، ‏أو‏ ‏نصبت‏ ‏عليهم‏ ‏شركات‏ ‏التوظيف‏ ‏وسرقت‏ ‏تحويشة‏ ‏العمر‏.

أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏لم‏ ‏يتعاطف‏ ‏مع‏ ‏تعامل‏ ‏الحكومة‏ ‏مع‏ ‏أهالى‏ ‏الجماعات‏ ‏الإسلامية‏ ‏وفضل‏ ‏تسلية‏ ‏أيامه‏ ‏بحكايات‏ ‏ليالي‏ ‏الحلمية‏ ‏والراية‏ ‏البيضا‏ ‏وأحلام‏ ‏الفتي‏ ‏الطائر‏، ‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذى‏ ‏شاهد‏ ‏فى‏ ‏طفولته‏ ‏الطيور‏ ‏وهى‏ ‏تغرق‏ ‏فى‏ ‏بترول‏ ‏الكويت‏ ‏المسكوب‏ ‏في‏ ‏الخليج‏ ‏وشاهد‏ ‏انتهاء‏ ‏حلم‏ ‏الوحدة‏ ‏العربية‏ ‏علي‏ ‏الهواء‏، ‏أنتم‏ ‏جيل‏ ‏فاشل‏»، ‏ثم‏ ‏قاء‏ ‏فى‏ ‏طرف‏ ‏قاعة‏ ‏المحاضرات‏ ‏دما، ‏فتسللت‏ ‏أصابع‏ ‏الولد‏ ‏إلي‏ ‏أصابع‏ ‏البنت‏، ‏بينما‏ ‏عاد‏ ‏الدكتور‏ ‏ليرسم‏ ‏علي‏ ‏السبورة‏ ‏سارية‏ ‏وعلما‏».

أستاذ ‏الجامعة فى رواية أبوزيد كان من جيل نكسة 1967، بينما كان محمد من جيل نكسة سقوط بغداد، ومن قبلها غزو العراق للكويت، وبينهما فرق يشير إليه الكاتب قائلا: «نكسة 67 كانت نكسة أمة عربية فى زعيم كانت تلتف حوله هو عبدالناصر، بينما كان غزو العراق نهاية التفاف هذه الأمة حول ذاتها، ونهاية ما يعرف بالوحدة العربية.

ويضيف: «فى 67 خرجت الشعوب العربية تطالب عبدالناصر بالبقاء حتى يجمعهم مرة أخرى، وفى غزو العراق خرجنا دون أن نلتف حول أحد، لأنه لم يكن هناك أحد، وكل الزعماء يرتجفون خوف من غضب أمريكا».

فى نكسة 67 كانت هزة خفيفة لحلم الوحدة العربية، وكان غزو العراق زلزالا وبركانا وضع نهاية هذا الحلم».

الاحتماء بالدين سواء بالأخونة أو التصوف، وجنى حصاد التحول الرأسمالى، والفقر، والقهر هموم كبرى عمقتها شاعرية لغة محمد أبوزيد، وخففتها سخريته، لدرجة أن فصلا كاملا بالرواية، كان مرويا بطريقة التعليق على مباريات كرة القدم، وفصولا أخرى تخللتها شخصيات كاريكاتيرية كالتى تحتشد بها قصائد محمد أبوزيد وتحتشد بها الحياة:

«السخرية هى سلاح العاجز، وقلت لك من قبل إن كتابة الرواية كان دليل عجز عن التغيير، لكن السخرية تيمة أساسية لدى فى الكتابة سواء فى الشعر والرواية، والشخصيات الكارتونية والمأساوية ربما أحد تجليات هذه التيمة.

وربما هى وجهة نظرى فى هذا العالم، الذى أعتبر الكتابة محاولة لإعادة ترتيبه، حتى يصبح كما يروق لى، أو يصبح أفضل، لهذا تصادفك شخصيات فانتازية أو أسطورية أو كرتونية لدى.

فى روايته، كما فى دواوينه، لا يكتب أبوزيد دون بنتٍ يحكى لها أو عنها، زينب المروى لها فى «أثر النبى»، وعائشة، ومن قبلهما مريم، وميرفت عبدالعزيز، وسلوى، ورايان فى بقية الدواوين، يصر على اختلاقهن كأنهن مبرر للحكى: «هو ليس اختلاقا، لكنه جزء من مشروعى الإبداعى التراكمى.

ولذلك ستلمسين تكرار هذه الشخصيات فى أكثر من عمل، فشخصية عائشة موجودة فى الرواية وفى ديوانى الأول، وشخصية ميرفت موجودة فى أكثر من ثلاثة دواوين، فضلا عن شغفى بالبحث عن شعرية الأسماء والأماكن».

وبالطريقة نفسها يصر الكاتب على ترديد أسماء الأماكن، المدن، والشوارع، والمقاهى وكأنما يؤكد أنهم كانوا هنا، وأن ما يرويه حدث بالفعل: «أنا مغرم بالتفاصيل الصغيرة، هذه التى تتراص فتكون العالم، أو الرواية، أو القصيدة، كلنا مغرمون بقرية ماكوندو الأسطورية التى خلقها ماركيز فى «مائة عام من العزلة»، وأنا أسعى فى الكتابة إلى تحويل الواقع إلى أسطورة، وتحويل الأسطورى إلى معاش، وأعتقد أن الفن يسكن هنا».

أخيرا فقد حكى محمد أبوزيد فى روايته، على طريقة الاعتراف أو الشهادة، ما يصير معه غامضا التنبؤ بما كان سيقطع كتابة الشعر بالرواية مرة ثانية، أم سيواصل الشعر بعد شهادته تلك، المهم أن لديه ديوانا يجهز له حاليا باسم «مدهامتان»، يقول إنه استفاد فيه من تجربته الروائية، ويوضح أن ما يؤمن به طوال الوقت هو التجريب، على جميع الأشكال، سواء فى اللغة، أو الصورة، أو الإيقاع، أو الأسلوب، ويرى أن نهاية المبدع تكون عندما يتوقف عن ذلك.

‏يذكر أن رواية أبوزيد الصادرة عن دار شرقيات 2010، سبقتها خمسة دواوين هى: ‏ ‏«ثقب‏ ‏فى‏ ‏الهواء‏ ‏بطول‏ ‏قامتى» ‏ ‏عام‏ 2004‏، «قوم‏ ‏جلوس‏ ‏حولهم‏ ‏ماء» عام‏ 2005، «نعناعة‏ ‏مريم‏» ديوان للأطفال عام 2006، «‏مديح‏ ‏الغابة‏» ‏عام‏ 2007‏، و«طاعون‏ ‏يضع‏ ‏ساقا‏ ‏فوق‏ ‏الأخرى‏ ‏وينظر‏ ‏للسماء‏» ‏عام‏ 2008.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر في جريدة الشروق

 
أضف تعليق

Posted by في 19 يونيو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة:

أثر النبي: رواية تستقصي حالات من الحلم والطيران والسقوط

هويدا صالح*

‘أكتب لأنسى، لأفرغ ذاكرتي على الورق وأصير طليقا، لأنسى وحدتي في هذا العالم’ هكذا أطلق محمد أبو زيد سؤال الكتابة منذ اللحظة الأولى في روايته: ‘أثر النبي’ فالكتابة هي التي ستحرر الذات وتعينها على التحرر والنسيان، نسيان الألم والوحدة، فبعد خمسة من الدواوين الشعرية يصدر أولى تجاربه السردية. أبو زيد راهن فيها على كتابة سيرة المهمشين والمنسيين في لغة تجمع بين الشعرية والصوفية في صنع فضاء سردي مميز. هم المهمشون الذين يعيشون على هامش المجتمع لا يشعر بهم أحد، يتتبع أبو زيد حيواتهم في سرد مكثف شحيح إلا أنه متخم بالدلالات والإحالات التي يفرضها العالم الصوفي الذي يتناص معه، وكأنه استعار من الصوفية خطابها ولغتها المليئة بالإشارات والمكثفة بشكل كبير.

أبطال الرواية هم مجموعة من شباب الجامعات الذين تشكل وعيهم السياسي والثقافي في عقد انتكست فيه الحريات والقومية والقضايا الكلية، شباب عاصروا حربي الخليج الأولى والثانية، وانكسر حلمهم مع الحلم العربي وموقف مصر السياسي الخارجي نحو القضايا العروبية.

قدم هؤلاء الشباب من قراهم ومدنهم الصغيرة في العمق المصري ليكملوا تعليمهم في القاهرة المدينة المرعبة التي أكلت روحهم وزادتهم تهميشا على هامشيتهم الاجتماعية والجغرافية.

المشهد الأول أو الفصل الأول الذي عنونه بـ’الدم’ يلقي بكل خيوط الرواية التي سوف نراها ونجمعها فيما بعد، فالسارد أو البطل الذي يعتلي السلم ويدخل غرفته الآن ليتعثر في جثة زميله ودمه وقيئه يعطينا في جمل خاطفة نبذات عن أبطال الرواية أو زملاء السكن الجامعي الذي يسكنونه: ‘مئذنة باب زويلة تلوح من الشباك، وجسد عادل هياكل ملقى أمام سريره على الأرض بارد تماما، الدم الذي تقيأه يملأ الأرضية، تجتاحني حالات متفاوتة من الرعب والغضب والرغبة في البكاء’.

البطل منذ صغره يحلم بالحصول على قبس من أثر النبي، أثر النبي الذي حكى له جده عنه وهو صغير: ‘أنتقل من شارع إلى آخر، كتابع يبحث عن نبيه، لا أجيد قص الأثر، لا دربة لدي ولا طاقة لأفعل، لا أثر لأي شيء، طوال الوقت أشعر أن كل شيء سينتهي بعد قليل، علي فقط أن أواصل التنقل والانتظار’.

منذ اللحظات الأولى والسارد يغرق في الغربة، ليست غربة جغرافية فقط، بل هي غربة نفسية، وكأنه فر بغربته من قريته في الصعيد ليأتي وتبتلعه المدينة الكبيرة، فيبحث طوال الوقت عما حكى عنه جده الذي كان يأتي في رحلة صوفية إلى المدينة، ويعود ليحكي للطفل الصغير عن شخوص وحكايات، فحين يكبر الصغير، ويهرب بغربته إلى المدينة يتتبع أثر النبي، ويبحث عن حكايات الجد، فلا يجدها إنما يجد آلاما وطلابا يحملون غربتهم داخلهم، ونظاما يقهر الطلاب في الجامعات وأمن الدولة والأمن المركزي. تصاحبه في غربته مجموعة من الشخصيات لا تقل عنه غربة، فها هو القذافي من البحيرة، أبو العزايم من الشرقية، حمدي من بني سويف، يوسف من الأقصر، الشيخ سيد وعادل هياكل من الفيوم. تحمل كل شخصية من هؤلاء أحلامها البسيطة، حلم حياة المدينة، والتعبير عن الذات، والبحث عن فتيات قد يشاركنهم ذات الحلم: ‘ينتهي الشيخ سيد من تناول العشاء، يجلس منتظرا حمدي الذي عليه الدور في إعداد الشاي الليلة، يلتقط كوب حلف البر الذي يفضل تناوله، ويبدأ سهرة كل ليلة مع القذافي وعادل هياكل وأبو العزايم في ركن الحجرة بالحديث عن بنات الغورية، وأفعالهن التي يشيب لهولها الولدان، أو بقراءة فصل من كتاب تحفة العروس الذي يخفيه حمدي عن أعين عم رجب حارس السكن’.

دأب أبو زيد على أن يصدر كل فصل بنص صوفي يتناص معه، وبالطبع يأتي النص الصوفي بذاكرته المعرفية في ذهن القارئ، وتنوعت التناصات ما بين مقطوعات شعرية صوفية أو مدائح أو أغان ومواويل صوفية أيضا، يقول في مقدمة الفصل الأول الذي يقدم فيه لشخصياته يأتي بموال صوفي مكتوب بالعامية المصرية، وكأنه يبرر سرديا رحلة البحث عن الذات التي بدأها السارد إلى القاهرة، ليسكن في جوار آل البيت يقول: ‘يا آل بيت النبي أمانة ما تفوتونيش.. عايز أنول مطلبي بس في حماكم أعيش. قال يا جريح الهوى إذا كنت غويت سافر إلى مصر واشكي لمولانا ـ لسيدنا الحسين ـ حالك .. هاتنول آمالك ـ يا حبيبي ـ وتتهنى مع الدراويش’.

كما أنه يتناص مع نصوص شعرية صوفية مثلما تناص مع أبيات لابن الفارض حيث يقول:

ما لي سوى روحي وباذِل تفسِه

في حب من يهواه ليس بمسرفِ

فلئن رضيت بها فقد أسعفتني

يا خيبة المسعى إذا لم تسعفِ’

ولقد افاد الكاتب من تقنيات التجريب في السرد، فقد خرج على كلاسية السرد، فلم يقدم لنا حكاية محبوكة أو تناميا زمنيا خطيا، بل يقدم لنا سرديات متجاورة كل سردية فيها تضيف قطعة من قطع البازل الذي يصنع منه لوحة مكتملة يسميها ‘أثر النبي’ كما أنه يتلاعب بالزمن ما بين الفلاش باك والزمن الآني في محاولة لقص أثر الإنسان الذي مات داخله منذ أن كان طفلا يحلم بالطيران على سطوح الدار وحتى أصبح شابا يحلم بطيران من نوع جديد في شوارع القاهرة، لكن حلمه بالطيران يجهض طوال الوقت، فلا يشعر بتلك النشوة التي يحلم بها، نشوة أن يعلو الجسد لأعلى، لأعلى، ثم يشعر بالخفة كام طائر يفرد جناحيه بعرض الفضاء، لكن السقوط دوما ينتظره، بدءا من موت الأم وهو صغير ومرورا بكل الخيبات التي أوصلته إلى حيث يقف الآن مرتعبا من موت زميله في الحجرة عادل هياكل، ورغم أن زميله عُرف أنه مصاب بالسل، وأنه وارد أن يموت وسط قيئه ودمه إلا أن الذات الساردة التي تعودت على الخوف والاضطهاد تخشى أن يُتهم بقتله.

ولا تقف الرواية عند خيبات الأبطال الشخصية، بل يعمد الكاتب إلى أن يركز الكاميرا على الخيبات القومية التي شكلت وعي هذا الجيل وزادته غربة، فيتداخل الهم الخاص بالهم العام، فها هم طلاب الجامعات والشباب يثورون على دخول أمريكا العراق، وسقوط بغداد، سقطت بغداد وسقط الحلم العام، فلم يكتف الكاتب بحلم الطيران والسقوط للذات الساردة، بل أسقط الحلم العام بسقوط بغداد : ‘في جرائد السبت: كانت صور المظاهرة في صدر الصفحات الأولى، كانت صورتي بعروق وجهي النافرة وأنا أهتف في طرف صورة في الصفحة الأولى من جريدة الوفد’، إذن حاول لملمة شتات الذات بأن يتلاشى همه الفردي في الهم العام، وكأن حلم الخفة والطيران تحقق حين نسي الهم الذاتي، فها هو يتصدر الصفحة الأولى هو وزملاؤه في مظاهرات الاعتراض على سقوط بغداد، لكن الأمن والنظام يقمعان التظاهرات، فلم يلق المتظاهرون إلا القهر والاستبداد ‘أهرول من شارع شمبليون لشارع معروف لشارع عدلي هربا من الهراوات، أهرب من لا شيء إلى لا شيء، في المساء’.

في لغة شفيفة وسرديات تشبه كادرات سينما خاطفة يتوالى السرد ليصور لنا شحنات الألم والبكاء التي تنتاب السارد ويتناص مع فيلم ‘العصفور’ وجاء استدعاؤه لفيلم العصفور لأنه يصور لحظات سقوط للأمة العربية والمصرية لا تقل عن سقوط بغداد، فمشهد النكسة وعبد الناصر الذي يحاول التنحي، والشعب الذي يطلع للشوارع ليجبره على عدم التنحي هو أشد المشاهد التي سيطرت على الناس، فمصر لم تتصور كيف تواصل دون زعيم أو بطل يأخذ بيدها ليخرجها من نفق النكسة المظلم، يجيد الكاتب اللعب بكادرات فيلم العصفور، فمحسنة توفيق بطلة الفيلم على مستوى الواقع كانت تشارك في المظاهرات التي تندد بسقوط بغداد، وعلى مستوى الفيلم كانت تستنهض الهمم وتصرخ صرختها الشهيرة وهي تجري في شوارع القرية ‘هنحارب، هنحارب’ إذن السقوط واحد وإن اختلف العصر، والقهر والألم واحد، ومحمد أبو زيد يختم روايته بمشهد عبد الناصر ـ في الفيلم ـ وهو يخبر الشعب المصري بقرار التنحي، وبطل محمد أبو زيد وهو يفر من كابوسية الواقع ‘صوت عبد الناصر يواصل تلاوة خطاب التنحي في أذني: فإنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، وقد اتخذت قرارا أريدكم جميعا أن تساعدوني فيه… أهرول والشوارع تزداد ضيقا، لا أشعر بثقل الحقيبة التي مزقت كتفي، تسقط جميع الأشياء من ذاكرتي، يقفز وجهك أمامي، أهرول أكثر’.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في  القدس العربي

 
أضف تعليق

Posted by في 19 يونيو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة:

أثر النبي.. الشاعر روائياً

فريدة النقاش

شيخ الطريقة الذي أجلسني بجواره في إحدي حلقات الذكر في مسجد الحسين قال لي:«اعرف الفارق بين العلامة والأثر».. ثم يضيف الشيخ «إن الفارق مثل ما بين الحياة والآخرة فاتبع العلامة، واترك الأثر.. كلنا نبي نفسه، فالبس رداء تقشفك، واترك الناس تتبع أثرك». وهناك صندوق يضع فيه «أدهم صبري» الراوي في رواية أثر النبي «لمحمد أبوزيد» كتبا وصورا قديمة وقصاصات صحف.. ويتساءل هل هذا الصندوق هو أثري الذي سأتركه أم علامات مرت؟ فهل يبحث صاحبنا عن خلود ما هو التواق إلي السفر، الحالم بالطيران «فاردا ذراعي كلاعب سيرك يخاف من السقوط أرفع يدي لأعلي لكنني لا أطير يا زينب».

«زينب» هي الحاضر الغائب لا تطل علينا أبدا في الرواية لكنها ملاذ صاحبنا الطالب الذي ينتقل من مكان بائس لآخر أشد بؤسا يهرب «من عالم ضيق، فأجد العالم يضيق أكثر» عالم يقف علي أظافره في انتظار أن تدق الشرطة الباب في أي لحظة «احتمال أن يرجعوا مرة أخري، يدقوا الباب فيقتلوني حين يجدونني وحيدا».. فنحن أمام مدينة بلا قلب وبوسعنا طيلة قراءة النص أن نستعيد الديوان الأول بهذا الاسم للشاعر «أحمد عبدالمعطي حجازي» كما نستدعي قصيدته «لا أحد» ففي هذه الرواية الشعرية «الغرباء يموتون هنا دون أن يحس بهم أحد»، ومعظم شخصيات الرواية هاجرت من الريف إلي هذه المدينة الموحشة التي لم يجدوا فيها سوي القهر والقمع علي كل المستويات وطنية حيث ينتهي القص بالغزو الأمريكي للعراق، وشعور الجميع بقلة الحيلة إزاءه، واجتماعية حيث الرزق الشحيح والمساكن الخانقة والأحلام المجهضة، وروحية حيث التمزق بين حلم الشخصية الراوية بالطيران وضغوط الإخوان المسلمين الذين يحرمون القصص وكل أشكال الفن، ويحلق الموت بين هذه العوالم كلها كأنه طائر الرخ، فمن موت حقيقي «لعادل هياكل» زميل السكن الذي وصفوه هذا الوصف بسبب مرض السل الذي أكله إلي الكتب «عن عذاب القبر» وعلامات الساعة الصغري التي يعطيها له الرجل المكلف بتجنيده لحركة الإخوان.. ويجد الراوي أنه بذلك يخرج من نفسه الحقيقية إلي نفس أخري «أتخلي عن وجهي وأرتدي وجها آخر»، هذا بينما تبدأ الرواية «بالدم» في فصلها الأول حيث ينزف عادل وتنتهي بتصريح بالدفن أي أننا بصدد بنية دائرية تبدأ بالموت وتنتهي من حيث بدأت.

ولمثل هذه البنية دلالات كثيرة، فهي اغتراب حيث يدور الراوي حول نفسه، وهي انغلاق دائرة القمع واللوعة التي تعيشها الشخصيات في بحثها المضني عن ثغرة، وذلك كله علي خلفية من الكدح موت الأم وتسلط الأب وزوجته.

تنفتح ثغرة في الدائرة المغلقة فقط في حالة التصالح مع العالم التي يجريها الراوي أثناء غزو أمريكا للعراق واندلاع المظاهرات الاحتجاجية «كنا نوصل الطعام يوميا إلي الطلبة المحاصرين وأشعر أنني قد بدأت أتصالح مع الناس.. مع الشوارع» إنه التصالح الذي يتم فحسب في حالة الفعل الإيجابي من أجل هدف كبير يتجاوز الأشخاص.

يلجأ الكاتب إلي السخرية حين يتعامل الراوي بمنتهي الجدية مع «حجازي» رفيقه في السكن الذي تخيل أنه ممثل وقام بدور «ضجيج في المقهي»، ولكننا أيضا سوف نبتسم ساخرين حين يخبرنا أنه كان يقرأ في المترو والباص والترام ونحن نتساءل كيف كان يفعل ذلك حقا؟

نحن بصدد نص أدبي جميل مفعم بالمشاعر كتبه شاعر فيه اكتناز وكثافة في اللغة الآسرة بادئا بالمعرفة كألم في مفتتح الكتاب يقول في مناجاته «لزينب» التي هي قارب نجاته «هنا خنتك يا زينب، أنا الذي أعرف كل شيء، وأنت التي لا تعرفين، أتذكر فأتعذب» ويتشبع النص بمقتطفات من أشعار الصوفية إضافة للتاريخ المكثف للصمود أمام العدوان الذي يحكيه محمود المليجي في فيلم «الأرض» كمقدمة لفصل الحرب.

يستطيع «محمد أبوزيد» أن يطمئن بعد روايته الشعرية تلك إلي أنه ترك أثرا حتي وهو «ينتقل من شارع لآخر كتابع يبحث عن نبيه» فهو نبي نفسه كما قال له الشيخ وحتي بعد أن أصبح حلم الطيران جريا في الطرقات اتقاء للألم وبحثا عن معني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في جريدة الأهالي

 
أضف تعليق

Posted by في 19 يونيو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة:

شاعر يكتب الرواية

بهاء جاهين

محمد أبو زيد شاعر شاب من مواليد‏1980,‏ صدرت له خمسة دواوين‏,‏ وها هو ينشر‏-‏ عن دار شرقيات‏-‏ رواية بعنوان أثر النبي‏.‏ الرواية لاتختلف كثيرا عن معظم أعمال المبدعين الشبان‏,‏ حيث العالم الضيق‏,‏ والسيرة شبه الذاتية‏,‏ وشوارع ومقاهي وسط البلد‏,‏ حيث يجتمعون مع رفاقهم من الكتاب‏. ,‏ ويسكنون هذا العالم الصغير عوضا عن الريف الذي نزحوا منه .

لكن أبو زيد أضاف الي هذا العالم اتساعا وجدة‏,‏ حين تحدث عن بيت للطلبة الأزهريين بالغورية‏,‏ أقام فيه بقدرة قادر‏,‏ ومساعدة أصدقاء‏,‏ وهو الطالب بتجارة عين شمس‏,‏ وشقته المظلمة الضيقة بدار السلام حيث اقام في سنته الأولي بالجامعة‏.‏

وبطل الرواية‏-‏ وهو الشاعر لكن ليس بالضبط‏-‏ من المشائين‏,‏ الطوافين في شوارع القاهرة‏,‏ حبا لها وافتقارا لقروش الميكروباص‏,‏ جعلته الغربة صعلوكا‏,‏ فهو بلا أسرة‏,‏ واتخذ من أصدقائه بيتا وعائلة‏.‏ وهم مجموعة من الفقراء اليائسين‏,‏ الحالمين مع ذلك‏,‏ أحلامهم ذاتها تعسة‏,‏ العمل والمرمطة في الخليج وبعضهم ينتهي به المطاف الي المعتقل في هوجة الإخوان‏,‏ مع أنهم أبعد ما يكونون عن السياسة‏.‏

هم كرسوا أنفسهم للضحك‏,‏ رغم أن بينهم واحدا يحتضر‏,‏ عادل هياكل الذي ظل يقيء دم السل وهم يهزرون حوله ليبعثوا فيه بعض الحياة‏.‏

يموت عادل هياكل في حجرة المغتربين الأزهريين وقد قاء آخر قطرة من دمه‏,‏ آخر نفثة من روحه الشابة‏,‏ يموت ويبقي بطل الرواية المصاب بمرض الاكتئاب النوباتي‏,‏ الذي تتلوه في أحيان قليلة كما نري في الرواية فترات انبساط‏,‏ يبقي تائها بين محبوبات لاينالهن‏,‏ واليتم الذي نما معه منذ وفاة أمه وهو طفل‏..‏ يبقي وليس له مستقبل‏,‏ أو لا يلوح أمامه طريق مضيء يسلكه‏.‏ فهو تائه ضائع‏,‏ فقد حجرة الرفاق الأزهريين بالغورية‏,‏ التي فر منها مطاردا بخوفه من الاعتقال‏,‏ وحين عاد ليأخذ أشياءه وجد عادل هياكل منطرحا جنب سريره علي بركة دم‏,‏ دم غاص فيه البطل الذي لم يهتم الشاعر بذكر اسمه‏,‏ لأسباب كثيرة كلها وجيهة‏.‏ مات عادل هياكل ليصير في حياته وموته رمزا لهذا الجيل‏,‏ الذي يموت بأشكال مختلفة‏,‏ قهرا واختيارا‏,‏ في البحر او في الحياة‏.‏

يهرب البطل من جثة صاحبه‏,‏ مطاردا بخوفه‏,‏ مبحرا في سواد بلا نهاية‏,‏ كما يقول في النهاية‏.‏

إنه الجنين المتكور بحثا عن رحم الأم‏,‏ الذي تنقبض روحه وتنبسط‏,‏ طبقا لمصطلحات المتصوفة والأطباء النفسيين‏,‏ الذي يفقد عالمه في النهاية‏,‏ وينادي محبوبته الأولي‏,‏ التي ظل يناديها طوال الرواية‏,‏ والتي كانت أمامه في القرية ولم يستطع أن ينالها‏,‏ ولم يحرص في روايته علي تقديم الأسباب‏,‏ او لنقل لم يحرص في رواية شاعره‏.‏

إن زينب التي يخاطبها هذا الشاب‏,‏ الذي لا اسم له‏,‏ لاتحتل في الأحداث مكانا يذكر‏,‏ لكنها تحتل مساحة كبري في قلب مناديها‏,‏ هل لأن اسمها‏-‏ وصاحبها من المتطوحين في الحضرة‏-‏ يربطها في وجدانه بأم العواجز؟ هل لأنها صاحبة قنديل يضيء في قلبه؟ هل لهذا لاتوجد في أرض الحكاية إلا قليلا؟

هذه لمحة من عالم الرواية‏,‏ وهذا العالم جزء في حد ذاته من فنيتها‏,‏ فالمادة نفسها نوع من الصياغة‏,‏ وزاوية الرؤية جزء أساسي في جماليات التصوير‏.‏ أما التشكيل هنا‏,‏ فهو متحرر من كلاسيكيات السرد‏,‏ لأنه يمتد أفقيا من حيث التزامن او اختلاط الزمن‏,‏ كما يمتد طولا من حيث اتجاه الأحداث في النهاية نحو نقطتها القصوي‏,‏ نحو الذروة‏,‏ او الفاجعة‏.‏

والرواية أيضا تشبه شخصية صاحبها ـ بطلها أو كاتبها ـ الذي يمحي رغم وجوده الطاغي‏,‏ يجرد نفسه من الاسم والصنعة‏,‏ لايذكر إلا لمحا أنه كاتب‏,‏ بكلمة عابرة‏,‏ وتتراوح روايته بين المقاطع شديدة القتامة وأخري شديدة المرح‏,‏ وان غلبت الأولي علي الثانية‏.‏

إن حكايته شخصية وفي الوقت نفسه هي حكاية جيله‏,‏ الغالبية العظمي من جيله الفاقدة القدرة البائسة الآمال‏,‏ الواقعة تحت ضغط الفقر والداء والموت وهي تضحك‏,‏ وهذا جمالها‏.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في جريدة الأهرام

 
أضف تعليق

Posted by في 19 يونيو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة:

الشاعر محمد أبو زيد بعد روايته الأولي‮:‬ تحوّلنا إلي أصنام

2012-12-21 18.23.08

حوار  : نائل الطوخي

الشاعر محمد أبو زيد أصدر رواية بعنوان “أثر النبي”. ولكن علي عكس جميع الشعراء الذين كتبوا الرواية بعد تمرّسهم في الشعر، فالصيغة الأولي من روايته كانت قد اكتملت قبل نشره أي ديوان. كتب الرواية عام 2003، وكان ديوانه الأول “ثقب في الهواء بطول قامتي” لا يزال ينتظر دوره للنشر في الهيئة العامة لقصور الثقافة. يقول: “كنت أجرب. كتبت القصة والشعر ولكنني كنت واعياً وقتها أن الشعر مشروعي. الكتابة في النهاية لعبة، قد تبدو علي هيئة رواية أو شعر أو مسرحية أو حتي نص عائم، المهم هو فكرة الكتابة ذاتها، بالإضافة إلي أنني كتبت روايتي هذه بنَفَس شعري. لم ألتزم بقواعد الرواية المتعارف عليها. الحدث كان يتعطل كثيرا لصالح الكثير من فقرات مناغاة الراوي وغيره.”

العام 2003 له دلالة أخري، عام الاحتلال الأمريكي للعراق: “كان احتلال العراق نكسة حقيقية للجيل كله. نكسة جيل الستينيات والسبعينيات تمحورت حول سقوط الزعيم الروحي لهم، عبد الناصر، الذي لم يعد هو الزعيم القائد، ولكن الأمة العربية كانت لا تزال موحدة. بعد الاحتلال العراقي للكويت عام 90، ثم الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 أصبح موضوع الوحدة العربية مزحة ثقيلة. الآن السودان والعراق ينقسمان، وفلسطين تتحول إلي غزة والضفة الغربية منفصلين عن بعضهما البعض، ولبنان ينقصها القليل لتنفجر. في عام 2003 كنت مهزوما وأريد التنفيس عن هزيمتي.”

العام 2003 هو العام الذي تدور فيه أحداث الرواية، خلفيتها الأخبار المذاعة عن سقوط العراق بيد الجيش الأمريكي، والبطلان الرئيسيان لها هما شخصية عادل هياكل، الذي يسكن مع زملائه في بيت الطلبة ولا يتوقف عن المزاح، يعيش قصة حب في الجامعة، ويخرج في المظاهرات وفوق هذا هو مريض بالسل ويموت في نهاية الرواية، هو المعبر عن الجيل في الرواية، كما يشرح أبو زيد، بالإضافة إلي بطلة أخري: الفنانة محسنة توفيق. تنتهي الرواية بخبرعن ضربها علي يد قوات الأمن التي تقوم بتفريق المظاهرات، مع مشاهد من نهاية فيلم “العصفور”، بعد إعلان تنحي عبد الناصر وهي تنزل الشارع وتهتف “هنحارب”.

أسأله إن لم يكن الربط بين احتلال العراق ونكسة 67 بهذه الطريقة مباشراً قليلاً؟ فيقول إنه حاول الابتعاد عن المباشرة قدر الإمكان. علي العموم.. فكرة المباشرة تبدو بالنسبة له محيرة قليلا، يتوقف أمامها ليطرح تساؤلاته:

“ظهور عبد الناصر في الرواية كان محايداً. قد يفهم منه القارئ أنني أدينه وقد يفهم أنني أسترجعه بنوع من الحنين. لم أحب أن توضع الرواية في إطار سياسي. ولكن في نفس الوقت، هل المطلوب من الكاتب أن يتخلي تماماً عن قضيته؟ نيرودا يتساءل إذا ما فتحت النافذة صباحاً ورأيت قتيلاً ورأيت وردة، فهل أكتب عن الوردة؟! أنا هنا ضد الجيل الحالي الذي يريد الانغلاق علي ذاته ويكتب شعرا عن تفاصيل  صغيرة. الكاتب بلا قضية ليس كاتباً. لا أطلب من الكاتب الدفاع عن فلسطين ولكن علي الأقل أن يكون لديه هم. عندما نتوقف عن التعب بحثاً عن لقمة العيش، ونتوقف عن الموت من البطالة، سيكون متاحاً لنا أن نكتب عن قضايا ذاتية تماماً.”

كتب أبو زيد روايته هذه أربع مرات، وفي كل مرة كان يعاود عملية التنقيح ويحذف الأجزاء الأكثر مباشرة (هو _ مع رأيه هذا – يرفض المباشرة الزاعقة، يري أبياتا مثل “دع سمائي فسمائي محرقة” تصلح أكثر للأغاني، بينما النص الأدبي خُلق ليبقي)، كما أضاف شخصيات وحذف أخري وأضاف تفاصيل  علي مدار عملية تنقيح الرواية لتضيف بعض المصداقية للعمل، مثل كلمات الأغاني والإعلانات المنتشرة عام 2003. وفي أثناء عملية التنقيح المتواصلة هذه، قدم الرواية لمسابقة يحيي حقي بالمجلس الأعلي للثقافة وفازت فيها. يواصل حديثه عن المباشرة:

“نحن كأدباء شباب تحولنا إلي أصنام، ثرنا علي الأصنام القديمة لأنهم كانوا يقومون بنفينا، وقلنا إنهم كانوا مباشرين، وثرنا علي الشعر التفعيلي والعمودي، ثم تحولنا نحن أنفسنا إلي أصنام، صرنا نقدس الرواية القصيرة والنص المشفر والذاتي تماماً. أنا ضد فكرة نفي الآخر.”

هناك مقطع كامل من الرواية يرويه “عادل هياكل” معلقا _ بشكل ساخر _ علي مباراة كرة يتخيلها بين زملائه في السكن. المقطع مكتوب بعامية بسيطة ويبدو فيه أبو زيد _بإضفائه عنصر السخرية – متمردا علي اللغة المعتمدة للروايات وعلي لغة الحوار بشكل خاص.

أسأله ألم يرغب في اختراقات لغوية أكثر تدخل نصه الروائي؟

فيجيب بأن شخصية عم رجب حارس المسجد هي شخصية كارتونية أيضاً، وهناك شخصية حجازي الذي يكتب خطابات تحوي أحداثا مختلقة لأهله ليثبت لهم أنه أصبح ممثلا كبيرا، الخطابات تحوي “شعرية الركاكة” كما يسميها. بالإضافة إلي اختراقات من نوع مختلف: “هناك مقاطع حاولت فيها تكثيف اللغة الصوفية، والنص الذي أقدم فيه وثيقة إقرار الطلبة علي السكن في البيت كانت لغته مختلفة، الموضوع أنني في مواضع كثيرة كنت أكتب بلغة شعرية، اللغة لم تكن تعمل إذن في إطار ذروة وحبكة وشخصية ونقطة تنوير تحل في النهاية.”

طرح الكاتب في روايته مفهوما مختلفا للتدين، مفهوما محايداً، لم يعد المتدينون هم الظلاميون الإرهابيون الأفاقون كما هو الحال في روايات سابقة: “الدين بالفعل منذ عام 1995 وحتي 2003 كان هو المحرك الرئيسي للمجتمع. هناك في الرواية من انضم للجماعات الصوفية لأنه ببساطة أراد إطاراً ينتشله من الوحدة. النظام السياسي لا يحل المشاكل ولذلك يلجأ الناس للدين، هذا موضوع بسيط ومفهوم تماماً. قصدت أن أجعل أحد الشخصيات اسمه “سيد قطب” وأن أمرر هذا ببساطة، بدون أن يعني أنه من الإخوان مثلاً.”

مصادر أبو زيد في الكتابة متنوعة جدا. يحكي أنه في ديوانه السابق “كطاعون يضع ساقاً فوق الأخري وينظر للسماء”، وضع ثبتاً بمراجع الديوان، وكان منها القرآن الكريم والأعمال الكاملة لعمر خيرت ولمارسيل خليفة، ونظرية النسبية ونظرية الثورة لعبد الناصر، وتقرير حركة كفاية حول الفساد في مصر: “لم تكن الفكرة أنني أخذت مقاطع من هذه الأعمال ووضعتها في قصائدي، وإنما هذه المصادر هي التي كوّنت ثقافتي وكتابتي ببساطة.”

بجانب إبداعه، يرأس أبو زيد تحرير موقع بعنوان “الكتابة” يتم فيه الاحتفاء بالكتابة المصرية الشابة. يقول إن موقع الكتابة بدأ كحلم منذ أكثر من سبع سنوات، كمحاولة  للتغلب علي مشاكل  النشر الحكومي، والانتظار سنوات تتجاوز الخمس من أجل نشر كتاب، أو البحث عن مجلة أو صفحة ثقافية لنشر قصيدة. المجلات الثقافية لا يتجاوز عددها الاثنتين، ومن يفلت من كل هذا يسقط في فخ ذوق معين سائد في الكتابة. ومع ظهور جيل جديد يكتب وينشر علي الإنترنت، كانت الهجرة للنشر الجماعي في مواقع ثقافية عربية “مثل كيكا، وجهة الشعر، وأوكسجين وغيرها”، في الوقت الذي لا يوجد موقع ثقافي مصري واحد. من هنا بدأ حلمه. يقول: “حين قررت إطلاق الموقع كان الهدف هو الانتصار لجيلي بأكمله، الانتصار للكتابة الجميلة هكذا كتبت في بيان التدشين. أطلقت موقعا تجريبياً في عام 2007، لكن لأنه كان مجانيا فقد كان ضعيف الإمكانيات، حتي تمكنت في إبريل 2009 من إطلاق موقع احترافي ينشر النصوص بشكل يومي، من كل أنحاء العالم العربي، ينشر نقداً وقصة وشعراً وترجمات ومقالات في السينما، كما استحدثت فيه بابا عن التدوين علي اعتبار أن التدوين صار فناً كتابياً خاصاً.” قدم الموقع خلال عام ونصف مضت ملفات عن أهم كتاب ورموز الكتابة الشابة و الجادة ذات المشاريع الحقيقية: “لا أبغي من وراء الموقع أي شيء سوي استمتاعي الشخصي بالنصوص التي أقرأها، وبأنك تملك نافذة يدخل منها الهواء النقي إلي رئات تستحق ذلك”. يضيف أنه مع الاحتفال ببداية العام الثالث للموقع سيتم إطلاق مسابقة ثقافية خاصة بالموقع، كما أن هناك تفكيراً طويل المدي بأن يتحول الموقع إلي دار نشر أيضاً: “هناك حلم كبير اسمه “مؤسسة الكتابة ” تشمل الموقع والمسابقة والإذاعة ودار النشر، بأن تكون لدينا أول مؤسسة ثقافية مصرية خاصة، لكن الأمر يحتاج إلي صبر وجهد”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في جريدة أخبار الأدب

 
أضف تعليق

Posted by في 19 يونيو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة:

أثر النبي.. وجع شباب ما بعد الألفية بلسان الستينيات

محمد فرج

على الرغم  من كونها روايته الأولى بعد أربعة دواوين شعرية وديوان للأطفال ، وعلى الرغم من كونه من مواليد  عام 1980 ، إلا أن محمد أبو زيد في  روايته أثر النبي الصادرة حديثا عن دار شرقيات يبدو وكأنه يحمل نفس الهموم التي حملها  أبناء جيلي الستينيات والسبعينيات وعبروا عنها من خلال إنتاجهم الكتابي ، مع اختلاف التفاصيل التاريخية والتي يبدو مع أثر أبو زيد وكأنها امتداد لما كان .

فعلى خلاف كتابة أبناء ما بعد الألفية  والتي تميل أكثر إلى التجريب والفانتازيا وإعادة تخليق واقع مختلف بحس ساخر ، والبعد عما هو عام أو أيديولوجي بشكل عام ، يصنع أبو زيد نصا مختلفا  عن هذه التجربة ويميل إلى رواية ” نكسة ” ذلك الجيل الذي ولد أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينات والتي يؤرخ لها في ” أثر النبي ” بغزو العراق للكويت ، وتنتهي بالاحتلال الأمريكي للعراق الذي يصفه أحد شخصيات الرواية بـ ” نهاية العالم  العربي” .

أثر النبي هي خطاب طويل موجه إلى شخصية لم تظهر خلال الرواية إلا في لمحات بسيطة ولكن خطاب الراوي موجه كله إليها ، بداية من مفتتح يبرر فيه لجوئه للكتابة حيث يكتب لينسى ، لأن التذكر بالنسبة له ” عذاب ” ، ويحسد زينب على ” النسيان ” ، تلك العلة للجوء للكتابة تختفي تقريبا من الكتابة الجديدة وتبقى واضحة في كتابات الستينيات والسبعينيات ، تبدأ الرواية وتنتهي  عند نفس المشهد عندما يتسلل الراوي إلى مسكنه الذي يقطنه مع مجموعة من الطلبة ويكتشف موت زميله بالسل فيجد جثة ملقاة وسط بحيرة من الدم والقيء ، ليبدأ الراوي من هذا المشهد عبر فصول صغيرة يحمل كل منها عنوانا منفصلا ، ويتخللها مقاطع من قصائد وأغاني صوفية لا تخدم النص في كثير من الأحيان ، معاناة الراوي تبدأ منذ طفولته  ، حيث تموت والدته فجأة في حادث أمام عينه ، ويتبع ذلك زواج الأب من امرأة أخرى لم يشعر تجاهها الطفل بأية عاطفة لينغلق على نفسه ويحسب الأب ذلك مسا من الجن فيدور به على المشايخ الذين يطردون العفاريت ، فيزداد انغلاق الطفل ثم الفتى على نفسه ، ويبدأ في حمل غربته التي تدفعه إلى الحلم الدائم بالسفر ، وعلى الرغم من أن ساحة أحداث الراوي الآتية التي يتحرك منها إلى ذكرياته القديمة هي شقق الطلبة ، المكتظة ، سيئة الترتيب ، الموضوعة دائما تحت المراقبة من قبل ملاكها أو جيرانها ، الممتلئة بأحلام الطلاب المراهقين النازحين إلى القاهرة والحالمين بإنهاء دراستهم والسفر إلى الخارج والمحاصرين برغباتهم المكبوتة التي يتلصصون لأجلها على شبابيك أصحاب الزيجات الجديدة ، تلك الشقق التي يرصد أبوزيد  الكثير من تفاصيلها و التي تصلح لبناء عالم روائي متكامل ولا زال بكرا لم يمس كتابيا من أبناء ما بعد الألفية  إلا أن أبو زيد فضل أن يتخذها فقط مسرحا لحركة الراوي وزملائه .

رواية أثر النبي تحكي عن مأساة جيل جديد بنفس لسان الأجيال التي سبقته ، ربما لأن الأزمة تبدو له واحدة وممتدة ويتجلى هذا الامتداد في المشهد الأخير في الرواية حيث يخرج الراوي إلى الشوارع بعد أن ترك جثة صديقه ملقاة على الأرض خائفا أن يتهم بقتله ، ويترامى إلى مسامعه المشاهد الأخيرة من فيلم العصفور ليوسف شاهين عندما تسمع بطلة الفيلم الفنانة محسنة توفيق  ـ التي يشعر الراوي أنها تشبه أمه ـ خطاب تنحي عبد الناصر وتخرج إلى الشارع مع جموع ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشرت في جريدة الأخبار

 
أضف تعليق

Posted by في 19 يونيو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة: