RSS

الدم ـ فصل من رواية أثر النبي

20 مايو

“حلاق الجمعية الشرعية

 ممنوع حلق اللحية”

أتحسس الكلمات المكتوبة على الحائط بخط يحاول أن يبدو نسخا ، أخطو أولى درجات السلم المظلم ، قلبي يدق في عنف ، مدركا أن عادل هياكل في الطابق العلوي يصارع الموت، أن الشرطة من الممكن أن تداهم المبنى في أية لحظة ، أن عم رجب سيلقيني وحقيبتي من أعلى إلى الشارع ، أنه لا أحد هنا ، فقط : أنا .. وعادل .. ولافتة الحلاق الأعشى.

السلم مظلم تماما ، أعتمد على ذاكرتي في حفظ المنحنيات وأنا أصعد إلى الدور الثاني ، أتعثر ، كحة طويلة  تتبعها حشرجة تصلني من هياكل ، ثم صوت شيء يهوي ، أتوقف مرعوبا مما أتوقع أنه حدث ، تصطدم أصابعي بحافة السلم ، أكتم آهة الألم في حلقي وأواصل الصعود .

في الغرفة ، كل شيء كما هو: أربعة أسرة من دورين ، غير مرتبة ، آنية الطبخ متسخة كالعادة خلف الباب ، كتب السنة الدراسية المنقضية ملقاة بإهمال أسفل الأسرة ، ضجيج شارع الغورية يصلني فيربكني ، مئذنة باب زويلة تلوح من الشباك ،  و جسد عادل هياكل ملقى أمام سريره على الأرض .

بارد تماما ، الدم الذي تقيأه يملأ الأرضية ، تجتاحني حالات متفاوتة من الرعب والغضب والرغبة في البكاء ،  يقتلني الإحساس بأن الشرطة ربما تأتي لتلقي القبض عليّ بتهمة قتله، أتخيلني أصرخ خلف القضبان : ” أنا بريء ” ، فيما يقتادوني إلى غرفة الإعدام في مشهد سينمائي كلاسيكي  يقفز إلى ذاكرتي فأرتجف ، تتردد صرختي بين جدران المبني بمزيج من الخوف والاستنجاد والبكاء:

ـ عم رجب، أستاذ أحماااد.

أخاف أن يفضحني صراخي، يلبسني تهمة موته ، فأضع يدي على فمي مانعا الصراخ من التدفق . الظلام والحوائط الأسمنتية الصلبة يرددان صدى صرختي فأجفل ، لا أحد، لا أحد هنا سواي، وجثة عادل هياكل ، يتوقف ذهني عن التفكير ، يتصلب ، ينهار ، لا أعرف ماذا أفعل .

لم أر جثة منذ وفاة أمي، تتراص الصور أمام عيني، من عرفت ومن لم أعرف، وجوه المارة والباعة الذين يواصلون حيواتهم خارج النافذة ، الداخلون والخارجون من المسجد المجاور ، حجازي الجالس فوق السطح وقد ترك مروة تنتظره في شارع معروف ـ أمام  كشري أبو طارق ـ ولم يذهب إليها ، عائشة التي لن تنتظر كوب الشاي حتى يبرد وتغادر مقهى الدقي، إيهاب الذي يذيع مباريات كرة وهمية وهو ينتظر وجبة الغداء ، أبي الذي ضلله عسكري المرور وقال له إن المسجد في الناحية الأخرى فانتظرته طويلا ولم يأت ، سمسار السفر إلى الدول العربية الذي ينتظرني على زهرة البستان ، يوسف الذي قرر الزواج ـ لأنه وجاء ـ و إرضاء لأمه قبل موتها ، حمدي الذي توقف عن بيع السوتيانات في العتبة وهرب إلى بني سويف خوفا من الشرطة ، نيرة التي قالت لي ” سامحني ” ثم قررت أن تتزوج من العريس الجاهز الذي يعمل مدرب جيمانزيوم مع أبيها في الفندق .

العرق يسيل ، يغسل ويحرق ممرات وجهي..

وأنا صغير، صنع الموسى في أعلى رأسي ممرات لطرد الحصبة ، فظلت علامة مميزة لي ، وأنا صغير ألقى أبي عليّ فأسا فشج رأسي ، فتكونت لدي ممرات العرق ، لم أبك في الحالتين ، كنت أفكر فيما يسيل الدم في كلام كثير يجب أن أقوله ، لكني لم أقله .

عائشة قالت لي بعد هذه الأحداث بخمسة عشر عاما إن أبي كان محقا ، لأنني لا أُحتمل ، لم تلمه .. حتى على المرة التي دفعني فيها ـ لم أعد أذكر لماذا ـ فاصطدم رأسي بالحائط ، فظللت بصدغ مشروخ يسخر منه الأصدقاء ، ويسميه عادل هياكل ” مقبرة الغزاة  ” ، ويصلح ممرات للعرق .

تهتز أمامي الأشياء ، جثة أمي تلوح مرة أخرى ، تتداخل مع جثة عادل هياكل ، أنقل قدمي ، أتعثر في الجثة ، تنزلق قدمي في الدم والقيء ، تغيم الدنيا أمامي ، تتداخل الوجوه والأحداث ، أسقط .

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 20 مايو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: