RSS

محمد أبو زيد يقتل الخوف ويؤرخ لطاعون الفساد

19 مايو

عزة حسين

احصوا عدد القتلى/ امسحوا دمهم المتجلط فوق وجهي/ شدوا بقايا لحمهم من بين أسناني/ ارموا عظامهم بعيداً عن مائدة إفطاري/ اكتبوا بعددهم بطولاتٍ زائفة/ تروى لأولادهم/ ابعدوا دموع بناتهم عني/ َفقلبي ضعيف./ ساعدوا زوجاتهم/ في اندفاعهم إلى قارورات البحر/ كمسمارٍ يغوص في اللحم بتؤدةٍ/ بلا فمٍ../ يقذف الصراخ.

كأنما استشرف الشاعر “محمد أبو زيد” أحداث المجزرة الإنسانية التي يعيشها ــ الآن ــ الشعب الفلسطيني الأقرب، بما فيها من حيواتٍ مبتورةٍ، وموتٍ مجاني، فاستبقها بكلماته الفائتة، في أحدث دواوينه الصادر مؤخراً عن دار “شرقيات”، “طاعونٌ يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء”، والذي أرخ فيه لكل الأحداث الاجتماعية والسياسية، والإنسانية، الجارية في السنوات الأخيرة، حيث “الطاعون” هو الفساد الاخطبوطي المصاحب لهذه الأحداث كافةَ.

وفي الندوة التي عقدها المنتدى الأدبي لحزب “التجمع” لمناقشة الديوان الأسبوع الماضي، استبق مديرها الكاتب والناقد “أسامة عرابي” مداخلات النقاد، بكلمةٍ سياسية علق فيها على الأحداث البربرية التي يقودها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، واختتمها بمطالبة الحضور بالوقوف دقيقة، حداداً على أرواح الشهداء الفلسطينيين.

وعن ديوان “محمد أبو زيد”، قال “عرابي” إنه برغم أن أقسامه الأربعة ( كوبري ستانلي ــ عشيقة جيدة لدراكولا ــ كلمني شكراً ــ وقاتل تسلسلي)، لم يحمل أيٌ منها اسمه، إلا أن كل قصائده تسعى إلى التقاط دلالاته. وأضاف إن ذلك يأتي على غرار “الراوي” الذي جاء في مقدمة رواية الطاعون لـ”ألبير كامو”، والتي التقط فيها عدداً من الشهادات، بعد أن شدته قوة الأشياء لكل مايسجله.

وأشار “عرابي” إلى مقاربة الشاعر للموت ومعايشته له اعتماداً على نظرة تراه دوماً في مسار حيواتنا ومضمونها، لافتاً إلى ربطه بين الآفاق اللانهائية للمجهول، ومابين المعرفة الحقة والموت من تماسٍ وتراسل، كما في محاورات “فيدون” لـ”أفلاطون”، على حد وصفه.

وأوضح أن الشاعر كشف في ديوانه مفارقة أن حياتنا ــ المعلقة أصلاً في وجود لا يخصنا ــ لم تكن ملكنا، نحن المسيرون، “عرائس الماريونيت/ أقدارنا ليست بأيدينا/ لا يعرفها المعتزلة/ ولم يجادل فيها الأشاعرة”.

وأرجع الناقد لغة “أبو زيد” في الديوان لما يصفه الفيلسوف الألماني “نيتشة” بالقراءة المشخصة للأعراض، حيث الواقع الحقيقي ليس أكثر الوقائع ظهوراً وتجلياً، الأمر الذي قاده إلى هذه المخاطرة الوجودية بشاعرية تضع الروح على نافذة القلب، بحسب الناقد.

وفي مداخلته التي حملت عنوان ” شعرية النص الإنساني وتفكيك الرموز الروحية، أشار الشاعر “محمود قرني” إلى أن “أبو زيد” يستكمل بديوانه الجديد، حلقة جديدة من تجربته، تتشكل خلالها عناصر أساسية، وتتجسد بشكل أكثر جلاءً.

وأوضح أن ثمة رغبة في التهكم والسخرية، وكذا امتهان الخوف تتجلى عبر الديوان، وكأن الشاعر يضع كل الطواطم التي تخيفه على المنضدة، محولاً إياها لأجساد من لحم ودم ليقتلها.

وأضاف “قرني قائلاً: ” ربما لذلك يتبدى الموت والعنف كأعلى مفردتين في الديوان، ويتجلى ذلك منذ الإهداء المأخوذعن ” الخلود ” لكونديرا، انتهاء بآخر قصيدة.

 وفي موضعٍ آخر تتجلى ـ بحسب قرني ـ السخرية الأعظم والأشد عمقا والموجهة للشاعر والشعر ذاته، فيقول:(هذا ميعاد مناسب لتحطيم الشعراء، وتعليق الفأس على كتف كبيرهم ، كبيرهم الذي سيبص من الغبار، ويدمع كآنسة في آخر عربات العمر، يتمخط في ذيل جلبابه)، ويلفت “قرني” إلى تحول الشعر في القصيدة الفائتة إلى وسيلة للمعرفة، وإعادة صياغة مصير الإنسان الذي مل من بلاغة القرن العشرين ومن إحاطته بامتلاك المصير الإنساني، ومن ثم امتلاك الشكل الآلى للطوطمية، وعبادة البلاغة بمعناها اللغوي والإنساني معا.

ويوضح أن فعل السخرية، وإن بدا  للوهلة الأولى مسرفا في الإضحاك، إلا أنه يعكس تحولاً مفاهيمياً وإنسانياً يدفع الشاعر لركل كل قداسة حتى لو كانت تصب في حجره.

ويضيف قرني قائلا ” إن مناخات الإدانة التي تكلل قصائد الديوان تتجاوز عبر وعي الشاعر كونها موقفا أيديولوجيا، لذلك حققت شرطها الإنساني الأوسع من حيث تأكيد المعنى الذي يخلص إلى ضرورة إمعان النظر في مقولة ما بعد الحداثة التي تنتهي إلى كيفية ومعنى تدويل الرمز المحلي بالمعنى السياسي، والخفض من شأن الخطاب الأيديولوجي في تجليه الثقافي.

وبدأ الناقد “يسري عبد الله” مداخلته بالتأكيد على وجود حالة من التدفق الشعري بين الأقسام الأربعة لديوان “طاعون يضع ساقاً فوق الأخرى و ينظر للسماء” لافتاًٍ إلى سلاسة وحرفية الانتقالات بين هذه الأقسام، مع احتفاظ كل بطابعه الخاص، وتضافرها لتشكيل الدلالة الكلية للديوان.

كما لفت إلى نجاح الشاعر في توظيف ما يعرف بتقنية “الجملة المدهشة” التي تصلح كاختتامة قادرة على النفاذ إلى سيكولوجية المتلقي، و حمل شحنات فكرية و عاطفية بداخلها.

و نجح الشاعر ــ بحسب عبدالله ـ في توظيف آلية السخرية، و نزع القداسة المدعاة عن الموروث، ـ كما في “قصيدة عبد الله البري يكره عبد الله البحري و الجوي حائر بينهما” ـ حيث لا يجعلنا نعيش في إسار هذا الموروث، بل واقعاً راهناً يداعب الأشياء القديمة و يعيد تشكيلها وفق ذات شعرية لا ترى العالم بشكل حدي إما أبيض و إما أسود.وأشار الناقد إلى تنويع الشاعر في استخدامه للأساليب ما بين الخبر والإنشاء، واقتران الإنشاء لديه بحالة التداعي.

Advertisements
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: