RSS

شعرية اللعب

19 مايو

عمر شهريار

لعل قصيدة النثر هي الأكثر تسيداً في الساحة الشعرية في مصر الآن . وبغض النظر عن أية مساجلات جانبية في مدى مشروعية هذا التيار الشعري ، أو أية محاولات دفاعية عن مدى جدارة قصيدة النثر في تمثيل الشعر المصري في اللحظة الراهنة لأن هذه المحاولات ـ في الحقيقة ـ تعد اعترافاً بأنها لم تزل محل اختبار . وأظن أنها قد تجاوزت مثل هذه الاختبارات المبدئية والتي خاضها الجيل السبعيني من شعراء قصيدة النثر الذين تحملوا مثل هذا العبء الدفاعي ، وأتاحوا ، في الوقت ذاته ، لمن جاءوا بعدهم من الشعراء حرية الحركة  داخل المشهد الشعري . فوصلنا مع الشعراء الثمانيين والتسعينيين وما بعدهما ـ مع التحفظ على مثل هذه التقسيمات الجيلية التي نستخدمها هنا بشكل إجرائي لا أكثر ـ إلى انه لا توجد قصيدة نثر واحدة صماء ، بوصفها القصيدة التي تخلو من الموسيقى الخليلية التقليدية ، حسب التعريف الاعتيادي لها ، ولكننا سنجد أنفسنا بإزاء عدد غير محدود من الاستراتيجيات الشعرية سواء على المستوى الجمالي أو الرؤيوية ، بل ربما نصل إلى أن نجد أن كل شاعر ، بل وكل ديوان ، يجترح شعرية مختلفة عن الآخر مما يوسع من المجال النصي بحيث لا نستطيع أن نشير إلى نمط بعينه بوصفه هو الممثل لقصيدة النثر وننفي الآخر . فنحن بإزاء قصيدة تجدد ذاتها باستمرار ولديها قدرة خاصة على التمدد والتوسع الجمالي والدلالي  .

قصيدة النثر : المفهوم والملامح

لعل مثل هذا العنوان يبدوا منطقياً على المستوى المنهجي إذا ما طرحناه على المستوى النظري .

فما مفهوم قصيدة النثر ؟ وما أهم الملامح الجمالية التي تميزها ؟ إن هذين السؤالين يبدوان كسؤالين مركزيين في أي طرح نقدي يحاول أن يستكنه جوهر هذه القصيدة ويسبر غورها ، مثلما حاول نقادنا القدامى في تعريف القصيدة وتبيان حدها وشروطها ، وإن كانوا قد اختلفوا فيه ولكنهم طرحوه على أية حال . فالفارق بين قدامة بن جعفر وحازم القرطاجني ـ وأعني هنا السؤال ومحاولة الإجابة عليه ـ ليسس فارقاً كبيراً ، بل لعلهما يعبران عن الموقف النقدي والتقنين للنوع الأدبي ، أو فلنقل ـ بلغة أخرى ـ محاولة السيطرة على النص والهيمنة عليه حتى لا ينفلت خارج الإطار الذي يسم حقبة تاريخية بعينها ، بوصف هذا العقل النقدي منتجاً ثقافياً في نهاية المطاف ، ويتم تشييده تاريخياً عبر المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية ، بشكل واعٍٍ أو غير واعٍٍٍٍ ، ومن ثم فإن هذا العقل النقدي يحاول السيطرة بدوره على الوعي الشعري حتى لا يخرج عن القطبان الموضوعة لها ليسير عليها .

وأظنن أن المحاججة بأن العقل النقدي يحاول أن يستقرئ أتم إنتاجه فعلياً واكتشاف قوانينه الداخلية ، أظن أن مثل هذه الحجة لا تنفي أن مثل هذا العقل يحاول في الوقت ذاته ، وربما دون أن يعي ، أن يضع القوانين الصارمة لما هو قادم من نصوص يخشى من أن تأتي متمردة  .

لقد حاول الكثيرون وضع التعريفات لقصيدة النثر والوصول إلي ملامح عامة تميزها مثل أنها القصيدة التي لا تتبع الإيقاعات الخارجية المعهودة على المستوى الشكلي ، أو أنها القصيدة التي تتجه نحو الهامشي واليومي والمعتاد على المستوى الدلالي ، أو أنها قصيدة تخاصم العالم وتغوص داخل الذات وتحديداً الجسد .  وأظن أن مثل هذه التعريفات وغيرها الكثير ستظل قاصرة عن القبض على جوهر القصيدة . فالتأمل الفاحص لها سيجد أنها تتأبى على مثل هذه السيطرة . فربما تجد قصيدة بها بعض المقاطع الموزونة عروضياً أو تكون كلها منضبطة عروضياً ، ومع ذلك تكون نثريتها واضحة ولا تستطيع أنتخرج هذه المقاطع أو القصيدة بأكملها من حيز قصيدة النثر لأن الفيصل هنا لم يعد الوزن فقط  ـ وجوداً وغياباً ـ وإنما الوعي الشعري المحرك للنص . وكذا لم تعد هذه القصيدة متخندقة في ذلك الحيز الضيق الـمســـــمى باليومي والهامشي والمعاش حسبما كان شائعاً عنها ، بل نراها تنتقل بين هذا اليومي وبين الكوني والوجودي والسياسي والفلسفي دون أن تفقد نثريتها . وبالطبع لم تعد أثيرة الذات فقط ، بل تراوح بين الداخل والخارج دون قيود تكبلها أو تعريفات أولية تفرض عليها من الخارج ، وبشكل مسبق . وليس المبدأ الحاكم هنا هو التنوع أو التجاور ـ رغم وجودهما ـ ولكنه ، في ظني التمرد والتأبي على التصنيف والتقنين والتحديد إذ إننا بإزاء تيار يهوى كسر أفق توقعنا نحوه وتصوراتنا التي نحاول أن نبنيها عنه وحوله في الوقت ذاته . ولعل قصيدة النثر ـ أيضاً ـ تهوى التمرد على  ذاتها . فتمرد قصيدة النثر على ما سبقها من تيارات شعرية مثل شعر التفعيلة أو العمودي أو غيرها يعد ـ في رأيي ـ هو الأكثر وضوحاً وسهولة ، ولكن الأصعب والأكثر جذرية هو تمردها على ذاتها . فما زالت هذه القصيدة ـ حتى الآن ـ تترك المسارات التي حضرتها لنفسها لتشق غيرها ، ومن ثم تصعب على متلقيها مهمة تحديد اتجاهاتها وطرائقها . وأظن أن اليوم الذي نستطيع فيه أن نتحدث عن تعريف قصيدة النثر وحدودها وسماتها الجمالية هو يوم إعلان وفاتها ،  والإعلان عن بزوغ شكل شعري جديد .

العتبات والانحراف

يمثل عنوان ” طاعون يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء ” الذي وضعه الشاعر محمد أبو زيد عنواناً لديوانه الصادر أخيراً عن دار شرقيات عتبة أولى للنص وبوابة أولية للانحراف الدلالي ، كما ينفتح ، أيضاً ، على طاقة بصرية هائلة إذ يمكننا تخيل شكل ذلك الطاعون الذي يجلس مثل هذه الجلسة الرومانتيكية وطبيعة هذه الجلسة وأين تتجه عيناه ، هذه الوضعية التي تحيلنا إلى استحضار جملة من التماثيل التي تتشابه وضعيتها مع هذه الوضعية ، بل ومجموعة من الممثلين الذين اشتهرت عنهم مثل هذه الجلسة الرومانتيكية والتي تستقر في الذاكرة الجمعية المصرية مثل تمثال أحمد شوقي أو محمد عبد الوهاب أو جلسة عبد الحليم حافظ مثلاً . ومن  الممكن للمتلقي أن يضيف جملة من التفاصيل مثل تسريحة الشعر الذي يستريح للوراء أو طبيعة الملابس التي يرتديها مثل هذا الطاعون الرومانسي إلى آخر التفاصيل التي تتماشى مع رومانسية الأبيض والأسود القديمة ، خصوصاً وأن الغلاف يغلب عليه هذان اللونان . يتضافر مع هذا العنوان ذلك الغلاف الذي يتكون من تابوت خشبي يعلوه سلم في إشارة إلى الموت والصعود باعتبار أن الموت ليس فناء ولكنه نوع من الصعود ، في حين تبدو ظلال هذا السلم باللون الأسود في الناحية المقابلة دون أن يستند هذا الظل على التابوت . فيبدو أن اللون الأبيض هو الذي يسم الموت والصعود في حين أن اللون الأسود هو الذي يرتبط بالحياة ، ومن ثم تنفك شفرة العنوان الذي يجعل من الطاعون كائناً رومانتيكياً بوصفه جالباً للموت الأبيض ومبعداً عن الحياة السوداء .

يتضام مع هاتين العتبتين عتبة أخرى هي التصدير الداخلي ، الذي يأخذه الشاعر من ميلان كونديرا وهو عبارة عن حوار افتراضي بين هيمنجواي وجوته بعد موتهما ، إذ يسأل هيمنجواي ” وأنت كم عمرك بعد الموت ؟ أجاب جوته بنوع من الحياء : مائة وستة وخمسون عاماً ” ، فيرد عليه هيمنجواي ” ولم تتعلم بعد أن تكون ميتاً ” . إن هذا المقتبس يشير إلى جانبين مهمين أولهما سطوة الموت وهيمنته بوصفه حياة يمكن أن تحسب بالأعوام وليس غياباً وثانيهما روح السخرية والضحك واللعب التي تنضح على هذا المقطع الحواري .

الطفل الودود . . وقلب التصورات           

تتعاطى الذات الشاعرة مع الموت بو2فه كائناً ضعيفاً وهشاً وليس ذلك الشيء المخيف الذي اعتاد عليه الخيال الشعبي ، معتمدة في ذلك على قلب التطورات النمطية عن الموت وكل ما يؤدي إليه إذ تصبح كل وسائل الموت هي وسائل تؤدي إلى راحة الذات الشاعرة وسعادتها مثلما رأينا في العنوان الذي يصور الطاعون ككيان رومانتيكي ، يقول :

” كيف لا تعرفون الموت / كيف لا تحبون لون عينيه / ولا تتركون أولادكم يلعبون معه . / في الظهيرة ” ( ص 23 ) . إن هذا المقطع الذي يغلب عليه التساؤل الاستنكاري يقر بوجود حالة من النفور من الموت ويندهش منها بل ويخاطب المروي عليهم ـ حسب الصطلحات السردية ـ طالباً منهم التعرف عليه ومحبته ويتغزل في لون عينيه كعشيقة ، بل ويصل الأمر بالذات إلى استدرار عطف المروي عليهم إذ يقول :

” أستطيع أن أقول لكم /بكل يقين . / إنه طفل ودود / يتيم يبحث عن صحبة ” ( ص 23 ) إن الذات تصدر للمخاطبين أولاً يقينها بما تقوله وثانياً تحشد كل الصفات التي يمكن أن تستميل عواطفهم : فالموت طفل ودود وأيضاً يتيم ولا يجد من يصادفه ، ومن ثم فإننا بصدد قلب للعلاقة بين الموت والإنسان فلم يعد يصيب الإنسان لأنه يريد أن ينهي حياته بما في ذلك من قسوة ، ولكن العلاقة تتحول إلى اصطفاء صديق لصديقه .

وما ينطبق على الموت ينطبق ، أيضاً ، على أدواته ووسائله المستقرة أيضاً في الوعي الشعبي العام ، يقول : ” دراكولا الطيب / دراكولا الذي لا يستعمل معجون الأسنان / ويثير الشفقة / أكثر من طفل مصاب بالسكر ” ( ص 20 ) وأيضاً ” سأعرفهما بشهريار الهارب / من المجوس / في قصص  زوجته الثرثارة ” ( ص 21 ) . إن الذات الشاعرة هنا تعيد تجميل تلك الوجود التي اشتهرت بدمويتها وفتكها ، وتحاول إعادة رسم صورتها عبر محو الصورة التقليدية الراسخة ونحت صورة أخرى تثير الشفقة أكثر مما تثير الخوف ، ومن ثم تصبح  مصاحبته أكثر إمتاعاً .

إعادة خلق العالم

تنحو الذات الشاعرة في هذا الديوان إلى إعادة ترتيب العالم وخلقه من جديد ، بوصفها غير راضية عن وجوده الحالي ، ذلك الوجود المغلوط وغير المنسجم مع تصورات الذات عن الحياة والموت ، يقول :

 ” سأسميك ميرفت / اسم مناسب لحبيبة قابلتها في غرفة الإعدام / ولأنه أول اسم وقعت عيني عليه الآن / وأنا أنظر إلى صفحة / الوفيات ” ( ص44 ) . إن الذات هنا تعيد تسمية الحبيبة ، بل إن الاسم جاهز لديها . وسنلاحظ ـ أيضاً ـ أن مكان اللقاء سيكون غرفة الإعدام كمكان رومنتيكي يليق بالمحبين ، بوصف هذه الغرفة هي التي ستؤدي بهما إلى الموت والصعود . هذا على مستوى مكان اللقاء ، أما التسمية  ( ميرفت ) ، والتي تفضلها الذات ، فإن اختيار الاسم جاء لأنه موجود في صفحة الوفيات كي تكتمل سيمفونية الموت التي تفضلها الذات الشاعرة . ولا تقتصر إستراتيجية الذات هنا على إعادة تسمية الحبيبات ، بل وتتجاوزها إلى إعادة ترتيب العالم وخلقه من جديد ، يقول : ” سأعيد ترتيب الناس في البيوت / وتعديل أوضاعهم في السرائر / سأنقل قريتي / إلى نهر الأمازون ” ( ص 91 ) .إن الذات ، هنا ، تعيد تشكيل الخريطة والجغرافيا والتوزيع السكاني أيضاً ، وذلك من موقعها في الأعلى / الموت ، بوصف  “الحياة من أعلى  لا تشبهها من أسفل ” ويصل الأمر بالذات إلى أن تكون عالماً سريالياً خالصاً بها لا يخلو من السخرية ” استطيع أن أتحدث الآن /  عن مزية الباص في الجو /  والجمل في البحر”( ص 30 ) . إن مثل هذا الواقع السحري والافتراضي الذي تبنيه الذات الشاعرة يمثل عالمها الخاص التي ترفضها ويصير الموت هو السبيل الوحيد لتحقيق هذه الحياة الافتراضية ، والتي تتناقض كلياً مع المنطق الواقعي . فالذات داخل عالم الموت تمارس لعبها الخاص مع الحياة والعالم الواقعي ، بل إن العالم أصبح يبادلها لعباً بلعب مثل قصيدة ” مقهى عم صالح الذي اكتشفنا أن اسمه كافتيريا حسن ” . فقد أصبح العالم هنا قادراً على مخاتلة الذات ومشاركتها لعبها ، وذلك وفقاً للتعاقد الذي أبرمته الذات مع العالم منذ أول قصيدة  ” فقط لو تصدقوني ” ( ص 12 )

والذي تم فيه إرساء قوانين اللعبة بعيداً عن العالم الذي ترفضه الذات : ” العالم سيء جداً في الخارج يا رايان / وأنا لم أعد أحتمل ” ( ص 63 ) .

السخرية وتوظيف الأغاني

تنحوا الذات أيضاً إلى نبرة عالية من السخرية ، إذ سنجد أن بعض الأغاني ستلح عليها في مواقف شديدة الدرامية رغم هزلية هذه الأغاني باعتبار أن العالم لا يستحق البكاء عليه قدراً ما يستأهل السخرية منه : ” المارة سيتوقفون أمام البحر مذهولين / لا يستطيعون العبور هذه المرة / ف ” العتبة قزاز / والسلم نيلو في نايلو” ( ص 28 ) .

إن تأمل المشهد السابق بجديته وصرامته يفضي بالضرورة إلى أن إقحام مثل هذه الأغنية يعد نوعاً من العبث  والضحك ، كما تعمد الذات إلى تحوير بعض الأغنيات بوصفها في سياق مغاير : ” غني مع الموسيقات الجنائزية / ” الليلة عيد . . : الليلة ” ( ص 40 ) .

إن وضع هذه الأغنية المرتبطة بالفرح والبهجة في سياق كونها موسيقى جنائزية ، يعيد تشكيل تصوراتنا عن الأعياد التي نحياها بوصفها أعيادا يحييها مجموعة من الأموات دون أن يعوا غيابهم .

كما تصل السخرية ، أحياناً ، إلى حد ” القفشة ” التي تلح على الذات في مواقف لا يمكن أن تحتمل هذا القدر من التنكيت : ” صرخاتكم / مشكاة فيها مصباح لي / أدخل بها قلبي / ألعب بكرات الدم الحمراء والكاروهات / وأكفن الموتى ” ( ص 68 ) . إن هذا الجو الجنائزي المفعم برائحة الموت يثير لدى الذات شهوة اللعب ، تلك الكرات الكاروهات التي تخترعها الذات .

إن السخرية التي تهيمن على الأنا الشاعرة هنا تصل إلى حد السخرية من فكرة الصورة الشعرية ذاتها ، فيأتي بصور تنتهك الخيال الجمعي لمجموعة المتلقين ” الذين جاءوا بعدي لم يعرفونني ، والذين جاءوا قبلي التهموا طبق الزهايمر بالبيض من أمامي بلا رحمة ” ( ص 97 ) . فبناء الصورة بهذه الطريقة التي لا رابط بين عناصرها ” طبق الزهايمر بالبيض ” يعد نوعاً من السخرية ليس فقط من الحياة ولكن من كل ما يتوالد عنها ومن ضمنها الشعر ومفهومه ومفهوم الصورة الشعرية . إننا بإزاء ديوان مفعم باللعب والسخرية والعبث بالعالم والوجود والشعر وإعادة خلقهم من جديد .

ـــــــــــــــــــــــــ

نشر في مجلة الثقافة الجديدة

Advertisements
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: