RSS

أفق البنية المفتوحة في وعي الذات بالعالم

19 مايو

أسامة عرابي

” طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء ” هو الديوان الخامس للشاعر محمد أبو زيد من مواليد محافظة سوهاج 1980 الصادر عن ” دار شرقيات للنشر والتوزيع ” عام 2008 بعد : ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” 2003 ” نعناعه مريم ” 2005 ” قوم جلوس حولهم ماء ” 2006 ” مديح الغابة ” 2007 .

غير أن ديوان “طاعون يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء ” يتألف من سبعة أقسام تتخذ العناوين الآتية : ” كوبري ستانلي ـ  عشيقة جديدة لدراكولا ـ  كلمني شكراً ـ  قاتل تسلسلي ” .. دون أن تحمل أي منها ذلك الاسم الذي اختاره عنوانا لديوانه ، وإن كانت كل قصائده تسعى إلى التقاط دلالاته وحمولته ، عامدة إلى صياغة إشكالياته ومعالجتها عبر عنوان جامع يعيد النظر في داله ومدلوله ، ربما على غرار ذلك الراوي الذي حدثنا عنه ” ألبير كامو ” في مقدمة روايته ” الطاعون ” الذي ( التقط عدداً من الشهادات بعد أن شدته قوة الأشياء إلى كل ما يسجله ) في مدينة وهران التي ( يشعر فيها المريض بالوحدة شعوراً عميقاً ، فما بالك من شخص يشرف على الموت ، بعد أن وقع في الشرك خلف مئات الجدران الملتهبة حرارة ، بينما ينهمك شعب بأكمله في المقاهي أو على التليفون في الحديث عن السندات وتذاكر الشحن والحسم ، إن من اليسير إذ ذاك فهم ما قد يكون مزعجاً في الموت حين يوافي صاحبه هكذا في مكان جاف ، حتى لو كان موتاً عصرياً ) .. هذا ” الطاعون ” الذي يحدثنا عنه “محمد أبو زيد ” لا يختلف عن ” وحيد القرن ” الذي ينمو فينا حتى غدونا ” نحن وهو ” شيئاً واحداً كما حدثنا ” يوجين يونيسكو ” .. بيد أن ” محمد أبو زيد ” فعل ما فعله ” د . برنار ريو ” في “طاعون ” ” ألبير كامو ” حين اهتم بشيء آخر أهم بكثير من هذا الجرذ الذي يفور الدم من فمه ( كي لا يكو من أولئك الذين يصمتون ، وليشهد لصالح هؤلاء المصابين بالطاعون ، وليقول لنا ما يتعلمه الناس في أثناء الأوبئة وأن ما يستحق الإعجاب والتمجيد في البشر ، أكثر مما يستحق الاحتقار والزراية ) ، ومن ثم فإن ” برنار ريو “

( إذ كان يستمع إلى صيحات الفرح والجذل التي كانت تتصاعد في المدينة ، كان يتذكر أن هذا الجذل كان دائماً مهدداً ) .. إذن يعرف ” محمد أبو زيد ” ( ما كان هذا الجمهور الفرح يجهله ، وأن بإمكان المرء أن يقرأ في الكتب أن قُصيمة الطاعون لا تموت ولا تختفي أبداً ، وأنها تظل عشرات السنين نائمة في الأثاث والملابس ، وأنها تترقب بصبر في الغرف والأقبية والمحافظ والمناديل والأوراق التي لا حاجة إليها ، وأن يوماً قد يأتي يوقظ فيه الطاعون جرذانه ، ويرسلها تموت في مدينة سعيدة ) ..

من هنا ، لم يتوان ” محمد أبو زيد ” عن أن يقول لنا في قصيدة ” فضيلة النوم ” :

في النوم

أهرب من طاعون

يحبو على الأرض

طاعون في طرقات المستشفى

طاعون في العناية المركزة

في السوق

في الحافلة

في استراحات المسافرين

في حقائب الديناصورات الصغيرة

حتى أن الشاعر لديه غدا :

وحيداً وحيداً كطاعون في غرفة العمليات

وحيداً وحيداً كملك الموت

مثلي

أنا الذي رأيت كثيراً

حتى فقدت عيني في آخر الطريق ـ من قصيدة ” إنهم يأكلون البنجر فوق السلالم ” .

الأمر الذي جعل مقاربة الشاعر للموت ومعايشته لها ، تنهضان على نظرة تراه دوماً في مسار حيواتنا ومضمونها ، وفي كل مفاصل وجودنا ، فربط بين الآفاق اللانهائية للمجهول ، وما بين المعرفة الحقة والموت من تماس وتراسل ، على نحو ما أخبرتنا به محاورة

” فيدون ” لأفلاطون ، حيث الموت حياة في عالم آخر يستطيع فيه المرء أن يتحدث بحرية مع أورفيوس وموزايوس وهزيود وهوميروس ، وفي ذلك العالم لا يمكن أن يكون جزاء من يطرح الأسئلة القتل .. يقول ” محمد أبو زيد ” في قصيدة ” مقهى عم صالح الذي اكتشفنا أن اسمه كافيتريا حسن ” :

الموتى ينبتون عادة

في أسقف حجرات النوم

يحرسون الأعين

التي ترمقهم من فوق السرائر

يهرولون في المقاهي

بظهور محنية بفعل الضحك

يقدمون الشاي

للورود المهاجرة في آلات

عمال مصانع حزب التجمع

للنسر الهارب من علم لا يضيء

للعيون الدامعة

بفضل الحنين

للناموس صديق المبيد

لقطاع طرق

اكتشفوا بعد نفاد خزائن رصاصهم

أنهم حمقى

وهكذا يكتشف ” الشاعر ” مفارقة أن حياتنا لم تكن ملكنا ،في وجود لا يتعلق بنا وحدنا ، فنحن على حد تعبيره :

عرائس الماريونيت

أقدارنا ليست بأيدينا

لا يعرفها المعتزلة

ولم يجادل فيها الأشاعرة

عيوننا لا ترى

مشاعرنا رمادية

تخدعنا المقاهي ومندوبو المبيعات

لا نملك أن نفعل أي شيء

سوى اختيار ساعة البكاء ـ  من قصيدة ” لعنة تطارد الذباب في حواري الفضاء ” .

إلا أن حزن الشاعر لا ينكسر سوى بفعل من الحرية التي تمسك بالحظة ذاتها لتصبح هذه الحرية الزمن الحي نفسه ، فأفعالنا سيكون لها تاريخ ، إذا مارسنا قدرتنا على الحرية عن طريق إبلاغ اللحظة الحية للآخرين .. إذ إن الموت ـ  كما يذهب الفيلسوف الوجودي كير كجارد ـ هو ما نعانيه بحرية ، من أجل أن نبلغ الآخرين أننا نفهم معنى أن يكونوا تاريخيين .. وهو ما نلمس أصداءه في قصيدة ” إنهم يأكلون البنجر فوق السلالم ” :

بصوا

أنا لا أتهم أحداً بالضحك

ولا بصيد القطط التي تتسول أمام الجمعية التعاونية

ولا بسرقة البنجر من أكياس السكر

فقط أريد أن أنبه

إلى أن هذه القصيدة لها حرمتها

فلا ترصوا الورود بجاني الجثث

في غرفة المعيشة .

حاولوا أيضا

أن تخففوا من طعم الصودا في المومياوات

حتى لا يعنفنا الصياد

الذي يرقد واضعاً قدماً فوق الأخرى

في العناية المركزة .

بيد أن القصيدة لدى ” محمد أبو زيد ” رحلة إلى أرض الظلال داخل النص ، ومحاولة للوصول إلى الجانب المغيب منه لتحوله إلى صورة فنية تروم استعادة الآماد المقهورة فيه ، لتنفتح الكتابة على احتمالاتها المتعددة ، لتلتئم في شكل قراءتها وابتنائها .. ألم يقل لنا في قصيدة ” أنا رايان من أميركا ” :

أنت أخي الذي لم تلده أمي

أنت البلاغة

وسيبويه

وأبو الأسود الدؤلي

الذي لن أقابله أبداً ..

أو ما قدمه كمانيفستو يوضح ماهية نظرته إلى الحياة والوجود ، على نحو ما جاء في قصيدته ” ثورة الشك ” :

كل شيء ليس حقيقياً

العيون كاذبة

والهواتف النقالة .. نقالة

وأنتوني هوبكنز

أجبرني على البكاء وحيداً

وأنا آكل ما تبقى من جسدي

متى انتهى ؟

اليقين : خيانة الشك

الشك خيانة لليقين

لذا لم أعد أحب الحكماء ..

وبذلك نصبح حيال مشهد حاضر بغيابه الضروري في بنيات واقع ينهض على شبكة معقدة من العلاقات التي تتعذر قراءتها قراءة مباشرة ، وإنما عبر مسافة وتباعد يسمحان برؤيته وإدراك جوانبه وأبعاده المتعددة ، وبمنأى عن منطق التطابق والوحدة ، وبمعزل عن عمليات الضم الكلي التي تغفل مستويات التنوع والتركيب داخل الظاهرة الواحدة ، الأمر الذي يفضي بالشاعر ـ على حد تعبير ” رولان بارت ” في ” لذة النص ” ـ بشكل الجملة المنتهية تركيباً .. أو بتعبير ” جوليا كريستفيا ” : إن كل عبارة منتهية يتهددها الخطر بأن تكون إيديولوجية .. أي تقع في خطر الفيتيشية والوهم .. غير أن الشاعر الحقيقي هو الذي يبحث عن طرائده ويلتمسها في أغوار وطبقات سحيقة ..

في الأحلام

لا أراقص إلا الإسبانيات

كحيلات الأعين

دائماً أخطئ

في عد دقات قدمي على الأرض

وتجبرني الموسيقى على التوقف

بفاصل من البكاء .

يتكاثر القتلى من حولي

وتزداد وطأة الحذاء

على رقبة المسجون .

حين أستيقظ

يبدأ شعري في التساقط

وأنا أشرب كوب اللبن

محاولاً تبرير النار في أحشائي

بأنني لم أكمل الجملة الموسيقية

حتى النهاية ـ  من قصيدة ” ماذا تعني red sea  بالإسبانية يا رايان ؟ .

هنا تمسى لغة شاعرنا ” محمد أبو زيد ” أشبه شيء بما يدعوه ” نيتشه ” بـ ( القراءة المشخصة للأعراض ) حيث الواقع الحقيقي ليس أكثر الواقع ظهوراً وتجلياً .. مما قاده إلى تلكم المخاطرة الحياتية والوجودية ، بشاعرية تضع الروح على نافذة القلب ، دافعاً إلى سعي مكثف للعودة إلى الجوهر الساجي تحت ركام الأحداث وشئون الحياة وشجونها ..

الشاعر يضغط بقوة على حافة الجرح

فتنفجر الدماء في وجهه ..

سماء شتوية مثقوبة ..

بعدها

سيسير في الشارع

يشرب الشاي مع وحيد القرن

يرعب الأطفال حين يضحك

ويخيف زوجته في ظلام المطبخ .

في حلبة المصارعة

سيقف الشاعر والقارئ وجهاً لوجه

فمن سيفاجئ الآخر بكلمة تفقأ عينه اليسرى

وتجعله ينهنه كاليتامى الجدد ؟

ها . . .

أريد ضرباً أكثر إيلاماً يا شباب

أريد دماء

أنا الآن أتفرج ـ من قصيدة ” إنهم يأكلون البنجر فوق السلالم ” .

لكن ما أحزنني حقا في هذا الديوان الثري ، بعض الهنات الهينات اللغوية من قبيل : كتفي الأيسر .. بدلاً من كتفي اليسري في قصيدة ” حتى لا يعتقد الأولاد في روض الفرج أنني سأغتاب تنوره من شبرا ” بثلاثة أعين .. بدلاً من بثلاث أعين في قصيدة ” ماذا تعني redsea  بالإسبانية يا رايان ؟ ” .. ينظر للسماء .. بدلاً من ينظر إلى السماء على نحو ما جاء في عنوان الديوان .. وذلك على سبيل المثال لا الحصر .. فضلاً عن استخدام بعض الكليشيهات اللغوية المستهلكة التي أفسدت السياق الشعري الموَار بالحيوية مثل :

( أكاد أشك في ” أم كلثوم ” لأني .. أكاد أشك فيك وأنت مني ) .. من قصيدة ” ثورة الشك ” ـ  غير أنه ديوان يتزاوج فيه المرئي باللا مرئي .. والذات بالعالم .. والنفس بالجسد عبر وهج ألم ” محمد أبو زيد ” النبيل وصوته المتفرد  .

Advertisements
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: