RSS

مديح الغابة.. الشعر يعود بالإنسان إلى الأصل البدائي

17 مايو

محمد صلاح العزب
صدر مؤخراً عن هيئة الكتاب ديوان مديح الغابة ثالث دواوين الشاعر محمد أبو زيد بعد ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” ، وقوم ” جلوس حولهم ماء ” ، و وفى الديوان الأخير يواصل أبو زيد تأسيس مشروعه الشعرى فهو يحاول -كما فى العملين السابقين ـ تفجير قضية شعرية غير مألوفة عبر استخدامه عناصر متنوعة أهمها السرد. ورغم أنه يضفى دائماً طابعاً سردياً على لكنه يتعمد أيضاً تحطيم التراتب السردي ، وعبر هذا التحطيم تنتج لحظات مدهشة تمنح قصيدته خصوصيتها الفنية.
تتصدر ” مديح الغابة” عبارة مقتبسة من أحد أعمال الروائى الليبى إبراهيم الكوني ” أكلت الترفاس ، واستنشقت زهرة الرتم وسمعت غناء مولا مولا، ويلك أين ستفر من الصحراء ” ، يأتي هذا التصدير غالبا غالباً لتأكيد الطابع السردى للديوان ، فرغم أنها محض عبارة عبارة سردية لكنها تحمل موسيقى الشعر وكأن أبو زيد يقول: هذه بضاعتنا قد ردت إلينا أو أنه يطرح فكرة أكبر حول الأصل الواحد لكل ألوان الأدب.
ينقسم الديوان إلى خمسة أقسام على أساس الشخصيات المكونة للعمل وهو تقسيم روائى في حقيقته ، فعله كثير من الروائيين مثل نجيب محفوظ في المرايا وغيره ، القسم الأول هو الغابيون : حنا السكران ،البستاني ، عبده باشا ، وغيرهم ، والثاني هو الغابيات : سارة وإيمان ومريم وغيرهن ، والثالث كائنات أخرى وهو قصيدة واحدة عن كائنات مثل الديناصورات الحمقى ، والإفريقي العجوز ، والضجر ، والسعال ، وجميع كائنات القسم تحمل دلالات ممتدة ، في تراث الأدب الروائي إلا أن يمنحها دلالات شعرية مختلفة ويفجر منها معانى جديدة لم تُعرف من قبل.
وتصل تقنية التماس ما ببن الشعر والسرد أو ” النثر ” إلى ذروتها فى القسم الرابع من الديوان المعنون ب « فاصلة منقوطة » حيث تقلب الورقة فتجد أمامك
صفحة بيضاء، هذا الاستخدام المدهش لعلامات الترقيم هو إحدى تجليات التماس ما بين الشعر والسرد
فعلامات الترقيم نثرية بالأساس لم يعرفها الشعر العمودي ، ولم تدخل فى كتابة الشعر إلا مؤخراً مع ظهور قصيدة التفعيلة ، ويأتي استخدام ” الفاصلة المنقوطة تحديدا بهذا الشكل ليكشف عن وعى الشاعر بأبعاد تجربته وما تحمله من جديد ومختلف.
ويحاول أبو زيد فى القسم الخامس ” هجاء الوردة ” التأكيد على فكرة الديوان كله : أي ” مديح الغابة ” ، ففيه يرتد
الإنسان إلى أصله البدائي الهمجي المتمرد المتجرد من المشاعر ، وفي نهايته يؤكد على ذات الفكرة ، وهو يحكي عن أبيه :
” لم يعلن أمامنا عن الصداقة ش
التي صارت بينه
وبين الموت
كما هو متوقع
فقط
رفع عينيه عن ريش الدجاجة و حكي
عن الجندي الذي طار
لما نبتت وردة في خده ” .
لابد أخيراً من التوقف أمام عناوين قصائد الديوان ، فتلك العناوين تصنع هى نفسها قصائد أخرى موازية ، وبالربط ما بين النصين ـ القصيدة وعنوانها- تتضح الرؤية الكلية التى يريد أبو زيد طرحها. يبدو هذا بشدة من خلال عناوين مثل ” كان الكتاب مفتوحا على :انج سعد فقد هلك سعيد ” ، و ” أعتقد أن هذا الذي سيسقط بعد قليل من الطابق العاشر يريد أن يقول شيئا ” ، و ” طالما أن هناك أشخاصا كعبد الرحمن يسمون أولادهم بشوقي ستبقى عناوين القصائد غريبة ككائنات من المريخ ” ، هذه العناوين مفرطة الطول لا تمثل فقط نصوصاً موازية للقصائد الأصلية هى تؤكد أيضاً اعتماد الديوان على التيمات السردية حيث يفجر من خلالها حالة شعرية بالغة الخصوصية والتميز.

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 17 مايو 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: