RSS

الِخفة .. والتغريب

17 مايو

طارق إمام
تتسم قصائد الشاعر ” محمد أبو زيد ” بأكثر من ملمح .. فعلى المستوى الدلالي نحن أمام عالم ثقيل ، جاثم ، عامر بالأموات والعجزة والمسوخ / شكلاً وروحاً ، قوامه دوال التشوه والتيه والوحدة ، غير أن الذات الشاعرة ما أن تقترب منه حتى تفككه تماماً ، تخفف ثقل جدته إلى سخرية سوداء تصل به إلى حافة العبث ، وتحول إيهامه المحكم إلى لعبة مكشوفة للجميع ـ وأولهم المتلقي ـ في هذه القصائد إذن تمتزج مأساة العالم بملهاته ، وتصير اشد اللحظات امتلاء بالمعنى هي نفسها أشدها خواء وخفة . تتخذ هذه الخفة دلالة مضاعفة بالنظر لطريقة توظيفها على مستوى اللعب الشكلي نفسه
بنزق كبير ، إذا اتفقنا على أن الشكل في ذاته دلالة .. فعناوين بعض القصائد أطول من متنها لتجد عنواناً ثرثاراً صاخباً لقصيدة مقتصدة خفيضة الصوت ، بل يصل الشطط درجة أن تجد عنواناً بلا قصيدة !.. فقصيدة ” بمثابة فاصلة منقوطة ” هي هذا العنوان الذي تليه صفحة بيضاء لا غير .. ألا يحيل هذا في إحدى تأويلاته لفراغ العالم ؟ .. لكون العالم عنواناً بلا موضوع أو عنواناً أطول وأكثر ضجيجاً من محتواه القصير ـ العمر المحُاصر بالفناء ـ المؤقت ؟ ! .. وإذا كان العالم غير مرتب ، لا ينطلق من نقطة باتجاه نقطة كما نفترض بل يحيا فوضاه الكونية الكبرى .. ألا يشبه هذا ـ أو يبرر ـ نزوع الشاعر في بعض قصائده لتغيير أرقام تتابع المقاطع بحيث يحمل المقطع الأول في قصيدة رقم (3) ، أو يحمل أكثر من مقطع نفس الرقم كأننا لم نتحرك أو نتحرر منه ، أو تنتهي قصيدة بالمقطع (1) أو ( 0 ) ! .. مؤكدة على العدم والزوال لتحيل ارتباك القارئ إلى الارتباك الأعظم من حوله ! .. في شجب لآلية وتراتبية عملية القراءة النمطية نفسها ؟ . رغم أن قصائد “محمد أبو زيد ” تتفاعل مع التفاصيل اليومية واللحظات العابرة ، إلا أنا تستند لها جزئياً فقط إذ تفعلها مجازياً وتُدرجها في سياق تخييلي أكبر كتفاصيل وليس في بؤرة النص ، فهذه القصائد تحفل بعملية تغريب دائبة ، باختلاف شخصيات نصية لا تنتهي للذاكرة الثقافية أو لمرجعية المتلقي مثل ” حنا السكران ” ، أو الاتيان بشخصيات لها بعد تجريبي دون الكشف الكافي عن هذا البعد ، وذلك لحساب أبعادها النصية كـ “سوزان ” وفي قصائد أخرى تتم استعارة وجوه أدبية مألوفة مثل ” أحدب نوتردام ” و ” ريميديوس ” ماركيز ونزع المألوفية عنها بإلباسها أقنعة جديدة وتحريكها في فضاء النصوص .
يوازي هذا التغريب لما هو إنساني ، تغريبا آخر يستشرف العالم اللا إنساني ، ويؤنسنه متكئاً على قيمه الجوهرية التي تحقق له حياته الخاصة : الخلود والبقاء في الأشياء والجوامد ، طاقة الغريزة الأولية والشراسة التي لم تهذبها الحضارة لدى الحيوان ، قيمة الحياة الكامنة والفوارة مع ذلك في مفردات الطبيعة من جبال وأشجار وبحار .. وتبدو القصائد نسيجاً متشابكاً من تعالق كل هذه المفردات وقد تفاعلت نصياً في عالم يشبه العالم الأول ، وحيث يبدو الأشخاص ” غابيين ” مغتربين عن الشوارع واللافتات المضاءة وكل القيم المستعارة التي اقتلعت الإنسان من وجوده .. حتى أن عنوان الديوان المخطوط ، المجتزأة منه هذه القصائد ، هو “مديح الغابة ” : مديح تلك الصرخة السحيقة التي لا زلنا نحيا ألمها دون أن نعرف على وجه الدقة ماذا علينا أن نفعل !

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 17 مايو 2012 in مدهامتان

 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: