RSS

البحث عن اليوتوبيا في ديوان “طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء” للشاعر محمد أبو زيد

17 مايو

مجدي عبد الرحيم

يحلق محمد أبو زيد ويطير بعيدا في سماء الشعر في ديوانه الجديد ” طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء ” والصادر مؤخرا عن دار شرقيات بالقاهرة ، و يقدم لنا تجربه شعرية جديدة تتميز بالخصوصية والتجديد ومحاولة الخروج بالقصيدة من الأطر القديمه إلي آفاق رحبة وعوالم لم تكتشف بعد .

تشعر من خلال قصائد الديوان بأن وراؤها لغة موحية وشفافية ، واجتهاد في ابتكار تراكيب جديدة دون اللجوء إلي المفردات والمعاني المتكررة والمتشابهة .
ويحق لك أن تتوقف أمام هذه التجربة بعين فاحصه متأملة لكل عنوان وبيت وكلمة كتبت فهي تحمل العديد من الرموز والرؤى والدلالات
يقع الديوان في 105 صفحة ويضم بين جانبيه 22 قصيدة مقسمة إلي أربعة أقسام ” كوبري ستانلي ، عشيقه جيده لدراكولا ، كلمني شكرا ، قاتل تسلسلي ” وفكرة الغلاف جديدة ومعبره وتخدم العمل وهي للفنان عمرو عبد العزيز ، و يعد الديوان هو التجربة الخامسة للشاعر ، فقد صدر له من قبل دواوين ” ثقب في الهواء بطول قامتي عام 2003، ونعناعة مريم عام 2005 ، و قوم جلوس حولهم ماء عام 2006 ، ومديح الغابة عام 2007 ” .
وبداية من اسم الديوان ( طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء) الذي ربما يكون طويل نسبيا إلا انه عنوان دال يلفت الانتباه ويحمل المفارقة . ويكاد يصرح بالعديد من الأشياء المسكوت عنها ، واعتقد أن الشاعر بهذا العنوان الماكر أراد أن يلفت انتباه المتلقي قبل الدخول إلي قصائده . بأن هذا الطاعون الذي استشرى وتوغل وسيطر بدرجه كبيرة من التمكن والاستعلاء والكبر ، ووضع ساق فوق الأخرى ونظر إلي السماء بغرور وزهو ليس هو المرض المتعارف عليه ، لكنه مجموعة من الأشياء والأمور التي تسيطر وتتملك وتحدد المصير في هذا العالم ، ولا نستطيع الفكاك منها بسهولة وتنسج من حولنا الحزن والأسى والاغتراب .
في قصيدة ( لا أريد أن استيقظ .. ولو للحظة واحده ) ، نشعر من اسم القصيدة بعدم جدوى تعامل الذات مع الواقع بل يفضل عليه النوم أو الموت فكلاهما ربما يجد فيه الخلاص والراحة .
يقول الشاعر : ” بصرخةٍ واحدةٍ انزل المطر / بإشارةٍ من إصبعي الصغير / أوقف الحرب / بنظرةٍ أبعد الموت عن أمي / وبابتسامةٍ واحدةٍ / واحدةٍ فقط سأزوج العاشقات / المنتظرات في المترو ” نلمح في القصيدة السخرية من الواقع المرير الذي يرفض الإنسان الحالم بعالم يستطيع ان يحيا فيه بصدق ويفتح قلبه ويمد يد العون للجميع بلا تفريق او تمييز. وفي مقطع آخر من نفس القصيدة يقول : ” أستطيع شق البحر / دون عصا / وجعل الطيور تحلق بجناح واحد / بل بدون أجنحة أساسا / فقط . . لو تصدقوني ” رغم أن هذا الواقع يعانده إلا انه لا يفقد الأمل لأنه يتعامل بوعي يرى النور في الظلام . . فهل يجد فقط من يصدقه في ذلك العالم الرافض له .
وفي قصيدة ( سأقابل الله .. وأشكوكم له ) يقول ” ابتسموا في وجوه الأقزام / حتى يحلقوا في السماء / في أطراف طائراتهم الورقية / لوحوا لهم تضامنا معي / لونوا الفضاء حولهم بالشهادات .. / وطيور الهدهد / قولوا لهم إن الأرض لا تستحق / سنوات قربهم منها ” القصيدة جيده وتتميز بالصور الجديدة الغير مألوفة والبعد الفلسفي . فالشاعر لا يركن إلي السهل أو المفردات البسيطة ، كما تغلف القصيدة مسحة حزن ونبرة ألم كبير .وتساؤل محير .. هل لم يعد على الأرض مكان للحب والتواصل بين البشر؟ .
وفي مقطع آخر يقول ” فلا تعينوا الانتظار على ذبحي / توقف البريد منذ عامين / وأنا واقف .. / كراهبه فقدت أطفالها الستة ” هنا تصل القصيدة إلي ذروة المأساه والخوف من الانتظار والانقطاع عن الحياة والأصحاب الذين تركوه ينتظر مصيره بمفرده ، ويختتم القصيدة بقوله: ” وأنا أعبر الشارع إلي السماء / دون صعوبة تذكر ” فكأن عبور الشارع هو الفيصل بين الحياة والموت . لكن العبور إلي السماء ما أسهله وأيسره .. فالعبور يكون من رصيف إلي الرصيف المقابل في الاتجاه الآخر .. لكنه عبور مختلف هنا .. إنه عبور إلي السماء .. عبور يغلفه الموت .والانتقال من دنيا يتقاتل فيها البشر إلي سماء رحبة فسيحة .
وفي قصيده ( أنا القبطان .. لا أنا السفينة ..نياهاهاها ) يقول الشاعر : ” كيف لا تعرفون الموت ؟/ كيف لا تحبون لون عينيه ؟ / ولا تتركون أولادكم يلعبون معه .. / في الظهيرة ؟ / أنا الذي أراه كل يوم / أستند على يده في صعود السلم ” فالشاعر هنا ينشئ علاقة صداقة حميمة مع الموت ، إنه يحبه ويعرف كل شيء عنه حتى لون عينيه ، يراه كل يوم ولا يفارقه حتى في وقت الراحة تجده معه بل ويشاركه الحياة ويساعده في تحركاته اليومية
وفي مقطع آخر يقول : ” أستطيع أن أحدثكم عنه / أستطيع أن أقول لكم / بكل يقين إنه طفل ودود / يتيم يبحث عن الصحبة ”
يا لقسوة الحياة ، فالموت هو الحقيقة الوحيدة في الحياة ، مثله تماما لا يجد أصدقاء ويبحث مثله عن صحبة ، وفي مقطع آخر يقول : ” الموتى تحت الأرض .. / يشبهون إلى حد كبير .. / الموتى فوقها / التراب فقط يلعب دور الشبكة في كرة اليد / أحيانا تزغزغه الرياح / فتصطدم الجماجم / النائمة منذ آلاف السنين / بهياكل عظيمه ترقص الباليه ”
صور جديدة غير مألوفة كاشفة تعري النفس البشرية ، فلا فرق كبير بين الموتى المدفونين تحت الأرض والموتى الذين يعيشون بيننا .
وفي مقطع آخر يقول : ” أيتها المرآة الجميلة / لا تنتظري قلبي في صندوق أسود فلن أصوم رمضان القادم في الأرض ” لغة تستعذب الموت وتتعامل معه بود شديد فهو على موعد معه في السماء ، ويقول أيضا : ” حلوة هي الحياة / من غيركم ” هكذا يختتم القصيدة رغم عذابات النفس في الشعور بالمرارة والاغتراب إلا أنه يحب الحياة ويتمنى أن تكون كما خلقها الله على الفطرة قبل أن يحولها البشر إلى شيء آخر .
وفي قصيدة ( ثورة الشك ) يقول الشاعر : ” أفتقد كوب اللبن في الصباح / وصوت جدتي / وصياح الديكة / على الطائرات النفاثة / والعيون الحاضنة المحبة / لا أصدقاء جدد في الأفق / ولا قدامى ” هنا نجد الحنين إلى الطفولة والبراءة التي ربما يجد فيها الملاذ من ذلك العالم ، فالقصيدة بها مزج بين أغاني التراث والواقع الأليم وبها أيضا صور جديدة يحاول بها إحداث شيء ما في عقل وقلب المتلقي منها قوله : ” النجوم كاميرات مراقبة / والقمر رجل أعمال قاس ”
وأيضا يقول: ” يخونني أعدائي / ولا يتآمرون ضدي / أصبحوا ساذجين طيبين / لم يكن هذا اتفاقنا ”
وأيضا قوله : ” اليقين : خيانة الشك / الشك خيانة لليقين / لذا لم أعد أحب الحكماء ”
وأيضا قوله : ” أكاد أشك في ” أم كلثوم ” لأني .. / أكاد اشك فيك وأنت مني ”
وفي قصيدة ( عرج بسيط يمكن إصلاحه بقليل من الصبر ) يقول الشاعر : ” أصبحنا قساة / أصبحنا حجارة / لا تتحرك قصائدنا لطفل يبتسم ”
الشاعر يجيد اقتناص اللحظات الإنسانية التي لو تحقق القليل منها لتغير شكل الخريطة البشرية
وفي قصيدة ( فضيلة النوم ) يقول الشاعر :” أدمنت النوم / فيه فقط أستطيع أن أبكي / فيه أهرب منكم / من عيون تقتل من النظرة الأولى / من أصدقائي الخونة / وهراوات الشرطة / وجسدي حليف الروح ” البناء محكم في إطار حالة خاصة شفافة تنمو مع التتابع باطراد كثيف فتجسد دفقات شعورية تحاول التفاعل مع الواقع الذي يتباعد تاركا الشاعر في حالة فقد دائم .
ويقول في مقطع آخر : ” في النوم / الحياة أبيض واسود / أحتمي بحيادي وأفتح فمي / تاركا الصوت يخرج في أجولة مفتوحة ” هنا الشاعر لا يجيد الخداع مثل باقي البشر فالعالم والأشياء لديه واضحة المعالم
وفي مقطع آخر يقول : ” في النوم / أهرب من طاعون / يحبو على الأرض / طاعون في طرقات المستشفى / طاعون في العناية المركزة / في السوق / في الحافلة / في استراحات المسافرين ” هكذا الهروب من الواقع المميت إلي نوم الفضيلة والخلود والحياة ، وقد أجاد الشاعر في تكرار كلمة طاعون فقد أشاعت بعداً موسيقيا شجيا أثرى المعنى وأحدث في النفس صدى ومذاقا خاصا .
ويختتم القصيدة بقوله : ” لست هنا / أنا الذي أدمنت النوم والطعام / إذا سأل الموتى عني يا أمي / قولي لهم : لا تقلقوا / محمد في غفوة الظهر / سيعود بعد قليل إلي الموت ” نحن هنا أمام شاعر يجيد اللعب بالكلمات حتى أخر بيت في القصيدة .. دراما النهاية للقصيدة رائع وهو هنا يخاطب الأم وهي الحب الباقي له إذا سأل عني الموتى الأحياء الذين يعيشون بيننا قولي لهم أنني عائد بعد قليل إلي الموت وهو الحياة .
وفي قصيدة : ( جمل يركض ناحية الحبشة ) يقول ” آخر مرة مت / كنت في الخامسة من عمري / لا أذكر ما حدث بعدها ” ويقول أيضا : ” لا قبر لي / أعتني به / أسقي زهوره بماء الورد / أزرع فوقه تعريشة عنب / أملأ أرففه بالكتب الدينية وحكايات الشياطين أل 13 ”
ويقول أيضا : ” أقول للمارة : / أنا طيب حداً / اشتري السمك من المطاعم / وأعيده الي الماء ” هكذا نجد بناء القصيدة عند محمد أبو زيد بعيد عن القوالب الجاهزة واستسهال الكتابة فهو يجهد نفسه كثيراً ، والسياق الشعري للديوان متسق مع التجربة والحالة الوجدانية التي تشيعها النصوص تحمل أسى وحزن يتوزع عبر قصائده ، لقد سعدنا بهذه التجربة الجميلة ، ونحن في انتظار تجاربه الجديدة القادمة .
ــــــــــــــــ
نشر في جريدتي القاهرة، والمساء

Advertisements
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: