RSS

Monthly Archives: مايو 2012

الدم ـ فصل من رواية أثر النبي

“حلاق الجمعية الشرعية

 ممنوع حلق اللحية”

أتحسس الكلمات المكتوبة على الحائط بخط يحاول أن يبدو نسخا ، أخطو أولى درجات السلم المظلم ، قلبي يدق في عنف ، مدركا أن عادل هياكل في الطابق العلوي يصارع الموت، أن الشرطة من الممكن أن تداهم المبنى في أية لحظة ، أن عم رجب سيلقيني وحقيبتي من أعلى إلى الشارع ، أنه لا أحد هنا ، فقط : أنا .. وعادل .. ولافتة الحلاق الأعشى.

السلم مظلم تماما ، أعتمد على ذاكرتي في حفظ المنحنيات وأنا أصعد إلى الدور الثاني ، أتعثر ، كحة طويلة  تتبعها حشرجة تصلني من هياكل ، ثم صوت شيء يهوي ، أتوقف مرعوبا مما أتوقع أنه حدث ، تصطدم أصابعي بحافة السلم ، أكتم آهة الألم في حلقي وأواصل الصعود .

في الغرفة ، كل شيء كما هو: أربعة أسرة من دورين ، غير مرتبة ، آنية الطبخ متسخة كالعادة خلف الباب ، كتب السنة الدراسية المنقضية ملقاة بإهمال أسفل الأسرة ، ضجيج شارع الغورية يصلني فيربكني ، مئذنة باب زويلة تلوح من الشباك ،  و جسد عادل هياكل ملقى أمام سريره على الأرض .

بارد تماما ، الدم الذي تقيأه يملأ الأرضية ، تجتاحني حالات متفاوتة من الرعب والغضب والرغبة في البكاء ،  يقتلني الإحساس بأن الشرطة ربما تأتي لتلقي القبض عليّ بتهمة قتله، أتخيلني أصرخ خلف القضبان : ” أنا بريء ” ، فيما يقتادوني إلى غرفة الإعدام في مشهد سينمائي كلاسيكي  يقفز إلى ذاكرتي فأرتجف ، تتردد صرختي بين جدران المبني بمزيج من الخوف والاستنجاد والبكاء:

ـ عم رجب، أستاذ أحماااد.

أخاف أن يفضحني صراخي، يلبسني تهمة موته ، فأضع يدي على فمي مانعا الصراخ من التدفق . الظلام والحوائط الأسمنتية الصلبة يرددان صدى صرختي فأجفل ، لا أحد، لا أحد هنا سواي، وجثة عادل هياكل ، يتوقف ذهني عن التفكير ، يتصلب ، ينهار ، لا أعرف ماذا أفعل .

لم أر جثة منذ وفاة أمي، تتراص الصور أمام عيني، من عرفت ومن لم أعرف، وجوه المارة والباعة الذين يواصلون حيواتهم خارج النافذة ، الداخلون والخارجون من المسجد المجاور ، حجازي الجالس فوق السطح وقد ترك مروة تنتظره في شارع معروف ـ أمام  كشري أبو طارق ـ ولم يذهب إليها ، عائشة التي لن تنتظر كوب الشاي حتى يبرد وتغادر مقهى الدقي، إيهاب الذي يذيع مباريات كرة وهمية وهو ينتظر وجبة الغداء ، أبي الذي ضلله عسكري المرور وقال له إن المسجد في الناحية الأخرى فانتظرته طويلا ولم يأت ، سمسار السفر إلى الدول العربية الذي ينتظرني على زهرة البستان ، يوسف الذي قرر الزواج ـ لأنه وجاء ـ و إرضاء لأمه قبل موتها ، حمدي الذي توقف عن بيع السوتيانات في العتبة وهرب إلى بني سويف خوفا من الشرطة ، نيرة التي قالت لي ” سامحني ” ثم قررت أن تتزوج من العريس الجاهز الذي يعمل مدرب جيمانزيوم مع أبيها في الفندق .

العرق يسيل ، يغسل ويحرق ممرات وجهي..

وأنا صغير، صنع الموسى في أعلى رأسي ممرات لطرد الحصبة ، فظلت علامة مميزة لي ، وأنا صغير ألقى أبي عليّ فأسا فشج رأسي ، فتكونت لدي ممرات العرق ، لم أبك في الحالتين ، كنت أفكر فيما يسيل الدم في كلام كثير يجب أن أقوله ، لكني لم أقله .

عائشة قالت لي بعد هذه الأحداث بخمسة عشر عاما إن أبي كان محقا ، لأنني لا أُحتمل ، لم تلمه .. حتى على المرة التي دفعني فيها ـ لم أعد أذكر لماذا ـ فاصطدم رأسي بالحائط ، فظللت بصدغ مشروخ يسخر منه الأصدقاء ، ويسميه عادل هياكل ” مقبرة الغزاة  ” ، ويصلح ممرات للعرق .

تهتز أمامي الأشياء ، جثة أمي تلوح مرة أخرى ، تتداخل مع جثة عادل هياكل ، أنقل قدمي ، أتعثر في الجثة ، تنزلق قدمي في الدم والقيء ، تغيم الدنيا أمامي ، تتداخل الوجوه والأحداث ، أسقط .

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 20 مايو 2012 in أثر النبي

 

الأوسمة:

أفق البنية المفتوحة في وعي الذات بالعالم

أسامة عرابي

” طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء ” هو الديوان الخامس للشاعر محمد أبو زيد من مواليد محافظة سوهاج 1980 الصادر عن ” دار شرقيات للنشر والتوزيع ” عام 2008 بعد : ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” 2003 ” نعناعه مريم ” 2005 ” قوم جلوس حولهم ماء ” 2006 ” مديح الغابة ” 2007 .

غير أن ديوان “طاعون يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء ” يتألف من سبعة أقسام تتخذ العناوين الآتية : ” كوبري ستانلي ـ  عشيقة جديدة لدراكولا ـ  كلمني شكراً ـ  قاتل تسلسلي ” .. دون أن تحمل أي منها ذلك الاسم الذي اختاره عنوانا لديوانه ، وإن كانت كل قصائده تسعى إلى التقاط دلالاته وحمولته ، عامدة إلى صياغة إشكالياته ومعالجتها عبر عنوان جامع يعيد النظر في داله ومدلوله ، ربما على غرار ذلك الراوي الذي حدثنا عنه ” ألبير كامو ” في مقدمة روايته ” الطاعون ” الذي ( التقط عدداً من الشهادات بعد أن شدته قوة الأشياء إلى كل ما يسجله ) في مدينة وهران التي ( يشعر فيها المريض بالوحدة شعوراً عميقاً ، فما بالك من شخص يشرف على الموت ، بعد أن وقع في الشرك خلف مئات الجدران الملتهبة حرارة ، بينما ينهمك شعب بأكمله في المقاهي أو على التليفون في الحديث عن السندات وتذاكر الشحن والحسم ، إن من اليسير إذ ذاك فهم ما قد يكون مزعجاً في الموت حين يوافي صاحبه هكذا في مكان جاف ، حتى لو كان موتاً عصرياً ) .. هذا ” الطاعون ” الذي يحدثنا عنه “محمد أبو زيد ” لا يختلف عن ” وحيد القرن ” الذي ينمو فينا حتى غدونا ” نحن وهو ” شيئاً واحداً كما حدثنا ” يوجين يونيسكو ” .. بيد أن ” محمد أبو زيد ” فعل ما فعله ” د . برنار ريو ” في “طاعون ” ” ألبير كامو ” حين اهتم بشيء آخر أهم بكثير من هذا الجرذ الذي يفور الدم من فمه ( كي لا يكو من أولئك الذين يصمتون ، وليشهد لصالح هؤلاء المصابين بالطاعون ، وليقول لنا ما يتعلمه الناس في أثناء الأوبئة وأن ما يستحق الإعجاب والتمجيد في البشر ، أكثر مما يستحق الاحتقار والزراية ) ، ومن ثم فإن ” برنار ريو “

( إذ كان يستمع إلى صيحات الفرح والجذل التي كانت تتصاعد في المدينة ، كان يتذكر أن هذا الجذل كان دائماً مهدداً ) .. إذن يعرف ” محمد أبو زيد ” ( ما كان هذا الجمهور الفرح يجهله ، وأن بإمكان المرء أن يقرأ في الكتب أن قُصيمة الطاعون لا تموت ولا تختفي أبداً ، وأنها تظل عشرات السنين نائمة في الأثاث والملابس ، وأنها تترقب بصبر في الغرف والأقبية والمحافظ والمناديل والأوراق التي لا حاجة إليها ، وأن يوماً قد يأتي يوقظ فيه الطاعون جرذانه ، ويرسلها تموت في مدينة سعيدة ) ..

من هنا ، لم يتوان ” محمد أبو زيد ” عن أن يقول لنا في قصيدة ” فضيلة النوم ” :

في النوم

أهرب من طاعون

يحبو على الأرض

طاعون في طرقات المستشفى

طاعون في العناية المركزة

في السوق

في الحافلة

في استراحات المسافرين

في حقائب الديناصورات الصغيرة

حتى أن الشاعر لديه غدا :

وحيداً وحيداً كطاعون في غرفة العمليات

وحيداً وحيداً كملك الموت

مثلي

أنا الذي رأيت كثيراً

حتى فقدت عيني في آخر الطريق ـ من قصيدة ” إنهم يأكلون البنجر فوق السلالم ” .

الأمر الذي جعل مقاربة الشاعر للموت ومعايشته لها ، تنهضان على نظرة تراه دوماً في مسار حيواتنا ومضمونها ، وفي كل مفاصل وجودنا ، فربط بين الآفاق اللانهائية للمجهول ، وما بين المعرفة الحقة والموت من تماس وتراسل ، على نحو ما أخبرتنا به محاورة

” فيدون ” لأفلاطون ، حيث الموت حياة في عالم آخر يستطيع فيه المرء أن يتحدث بحرية مع أورفيوس وموزايوس وهزيود وهوميروس ، وفي ذلك العالم لا يمكن أن يكون جزاء من يطرح الأسئلة القتل .. يقول ” محمد أبو زيد ” في قصيدة ” مقهى عم صالح الذي اكتشفنا أن اسمه كافيتريا حسن ” :

الموتى ينبتون عادة

في أسقف حجرات النوم

يحرسون الأعين

التي ترمقهم من فوق السرائر

يهرولون في المقاهي

بظهور محنية بفعل الضحك

يقدمون الشاي

للورود المهاجرة في آلات

عمال مصانع حزب التجمع

للنسر الهارب من علم لا يضيء

للعيون الدامعة

بفضل الحنين

للناموس صديق المبيد

لقطاع طرق

اكتشفوا بعد نفاد خزائن رصاصهم

أنهم حمقى

وهكذا يكتشف ” الشاعر ” مفارقة أن حياتنا لم تكن ملكنا ،في وجود لا يتعلق بنا وحدنا ، فنحن على حد تعبيره :

عرائس الماريونيت

أقدارنا ليست بأيدينا

لا يعرفها المعتزلة

ولم يجادل فيها الأشاعرة

عيوننا لا ترى

مشاعرنا رمادية

تخدعنا المقاهي ومندوبو المبيعات

لا نملك أن نفعل أي شيء

سوى اختيار ساعة البكاء ـ  من قصيدة ” لعنة تطارد الذباب في حواري الفضاء ” .

إلا أن حزن الشاعر لا ينكسر سوى بفعل من الحرية التي تمسك بالحظة ذاتها لتصبح هذه الحرية الزمن الحي نفسه ، فأفعالنا سيكون لها تاريخ ، إذا مارسنا قدرتنا على الحرية عن طريق إبلاغ اللحظة الحية للآخرين .. إذ إن الموت ـ  كما يذهب الفيلسوف الوجودي كير كجارد ـ هو ما نعانيه بحرية ، من أجل أن نبلغ الآخرين أننا نفهم معنى أن يكونوا تاريخيين .. وهو ما نلمس أصداءه في قصيدة ” إنهم يأكلون البنجر فوق السلالم ” :

بصوا

أنا لا أتهم أحداً بالضحك

ولا بصيد القطط التي تتسول أمام الجمعية التعاونية

ولا بسرقة البنجر من أكياس السكر

فقط أريد أن أنبه

إلى أن هذه القصيدة لها حرمتها

فلا ترصوا الورود بجاني الجثث

في غرفة المعيشة .

حاولوا أيضا

أن تخففوا من طعم الصودا في المومياوات

حتى لا يعنفنا الصياد

الذي يرقد واضعاً قدماً فوق الأخرى

في العناية المركزة .

بيد أن القصيدة لدى ” محمد أبو زيد ” رحلة إلى أرض الظلال داخل النص ، ومحاولة للوصول إلى الجانب المغيب منه لتحوله إلى صورة فنية تروم استعادة الآماد المقهورة فيه ، لتنفتح الكتابة على احتمالاتها المتعددة ، لتلتئم في شكل قراءتها وابتنائها .. ألم يقل لنا في قصيدة ” أنا رايان من أميركا ” :

أنت أخي الذي لم تلده أمي

أنت البلاغة

وسيبويه

وأبو الأسود الدؤلي

الذي لن أقابله أبداً ..

أو ما قدمه كمانيفستو يوضح ماهية نظرته إلى الحياة والوجود ، على نحو ما جاء في قصيدته ” ثورة الشك ” :

كل شيء ليس حقيقياً

العيون كاذبة

والهواتف النقالة .. نقالة

وأنتوني هوبكنز

أجبرني على البكاء وحيداً

وأنا آكل ما تبقى من جسدي

متى انتهى ؟

اليقين : خيانة الشك

الشك خيانة لليقين

لذا لم أعد أحب الحكماء ..

وبذلك نصبح حيال مشهد حاضر بغيابه الضروري في بنيات واقع ينهض على شبكة معقدة من العلاقات التي تتعذر قراءتها قراءة مباشرة ، وإنما عبر مسافة وتباعد يسمحان برؤيته وإدراك جوانبه وأبعاده المتعددة ، وبمنأى عن منطق التطابق والوحدة ، وبمعزل عن عمليات الضم الكلي التي تغفل مستويات التنوع والتركيب داخل الظاهرة الواحدة ، الأمر الذي يفضي بالشاعر ـ على حد تعبير ” رولان بارت ” في ” لذة النص ” ـ بشكل الجملة المنتهية تركيباً .. أو بتعبير ” جوليا كريستفيا ” : إن كل عبارة منتهية يتهددها الخطر بأن تكون إيديولوجية .. أي تقع في خطر الفيتيشية والوهم .. غير أن الشاعر الحقيقي هو الذي يبحث عن طرائده ويلتمسها في أغوار وطبقات سحيقة ..

في الأحلام

لا أراقص إلا الإسبانيات

كحيلات الأعين

دائماً أخطئ

في عد دقات قدمي على الأرض

وتجبرني الموسيقى على التوقف

بفاصل من البكاء .

يتكاثر القتلى من حولي

وتزداد وطأة الحذاء

على رقبة المسجون .

حين أستيقظ

يبدأ شعري في التساقط

وأنا أشرب كوب اللبن

محاولاً تبرير النار في أحشائي

بأنني لم أكمل الجملة الموسيقية

حتى النهاية ـ  من قصيدة ” ماذا تعني red sea  بالإسبانية يا رايان ؟ .

هنا تمسى لغة شاعرنا ” محمد أبو زيد ” أشبه شيء بما يدعوه ” نيتشه ” بـ ( القراءة المشخصة للأعراض ) حيث الواقع الحقيقي ليس أكثر الواقع ظهوراً وتجلياً .. مما قاده إلى تلكم المخاطرة الحياتية والوجودية ، بشاعرية تضع الروح على نافذة القلب ، دافعاً إلى سعي مكثف للعودة إلى الجوهر الساجي تحت ركام الأحداث وشئون الحياة وشجونها ..

الشاعر يضغط بقوة على حافة الجرح

فتنفجر الدماء في وجهه ..

سماء شتوية مثقوبة ..

بعدها

سيسير في الشارع

يشرب الشاي مع وحيد القرن

يرعب الأطفال حين يضحك

ويخيف زوجته في ظلام المطبخ .

في حلبة المصارعة

سيقف الشاعر والقارئ وجهاً لوجه

فمن سيفاجئ الآخر بكلمة تفقأ عينه اليسرى

وتجعله ينهنه كاليتامى الجدد ؟

ها . . .

أريد ضرباً أكثر إيلاماً يا شباب

أريد دماء

أنا الآن أتفرج ـ من قصيدة ” إنهم يأكلون البنجر فوق السلالم ” .

لكن ما أحزنني حقا في هذا الديوان الثري ، بعض الهنات الهينات اللغوية من قبيل : كتفي الأيسر .. بدلاً من كتفي اليسري في قصيدة ” حتى لا يعتقد الأولاد في روض الفرج أنني سأغتاب تنوره من شبرا ” بثلاثة أعين .. بدلاً من بثلاث أعين في قصيدة ” ماذا تعني redsea  بالإسبانية يا رايان ؟ ” .. ينظر للسماء .. بدلاً من ينظر إلى السماء على نحو ما جاء في عنوان الديوان .. وذلك على سبيل المثال لا الحصر .. فضلاً عن استخدام بعض الكليشيهات اللغوية المستهلكة التي أفسدت السياق الشعري الموَار بالحيوية مثل :

( أكاد أشك في ” أم كلثوم ” لأني .. أكاد أشك فيك وأنت مني ) .. من قصيدة ” ثورة الشك ” ـ  غير أنه ديوان يتزاوج فيه المرئي باللا مرئي .. والذات بالعالم .. والنفس بالجسد عبر وهج ألم ” محمد أبو زيد ” النبيل وصوته المتفرد  .

 

الأوسمة:

أبو زيد: ديوانى يرصد تحول المجتمع لطاعون

2012-12-21 20.51.43

حاوره محمد البديوى

محمد أبو زيد أحد الشعراء الشباب الذين يتميزون بغزارة الإنتاج، صدر له خمسة دواوين، منها ديوان للأطفال، رغم أنه لم يبلغ الثلاثين بعد، واستطاع أبو زيد أن يقدم نفسه كصوت مميز له لغته وأسلوبه الخاص. جاء محمد أبو زيد إلى القاهرة من بلدته سوهاج منذ سنوات قليلة، وكان وقتها يكتب قصيدة التفعيلة، ثم انتقل بعد ذلك إلى قصيدة النثر ورفض أن ينشر ديوان التفعيلة الذى فاز عنه بجائزة سعاد الصباح، صدر له مؤخراً “طاعون يضع ساقاً على الأخرى وينظر للسماء” عن دار شرقيات للنشر. عن الديوان الأخير والمشهد الثقافى كما يراه أبو زيد، كان لنا معه الحوار التالى..

ـ كتبت قصيدة النثر بعد أن جئت إلى القاهرة، فهل هناك علاقة بين المكان وأسلوبك الشعرى؟

ـ أكيد أن قراءتك فى الصعيد وعلاقتك بالمجتمع والكتابة، وفهمك لها، يختلف عنه حين تكون موجوداً بالمدينة. وفى رأيى قصيدة النثر تشبه المدينة فى حزنها وفى فوضاها وتحررها، وتشبه المدينة فى عدم التزامها بإطارات مسبقة، قصيدة النثر هى ابنة المدينة ولذا تجد عدداً قليلاً جداً من شعراء الأقاليم هم من يكتبون قصيدة النثر.

ـ هل ترى أن هناك اختلافاً فى الرؤية والوعى بين أدب المدينة وأدب الريف، وهل أثر هذا الاختلاف فى كتاباتك؟

ـ مشكلة أدباء الصعيد أنهم متوقفون عند فترة الستينيات والسبعينيات، متوقفين عند الأبنودى وإحسان عبد القدوس، وعندما كنت أدخل مكتبة طهطا بسوهاج، وهى التى تربيت على كتبها فى الصعيد، كانت آخر ما وصلت إليه المكتبة إحسان عبد القدوس ويوسف السباعى؛ ولا تسمع هناك مطلقاً عن إيزابيل الليلندى أو ماركيز ولا أى أدب عالمى. فوجودك هناك كشاب لن يقدم لك جديداً، ولهذا كان اختلاف التكنيك الفنى ضرورة بعد الإقامة فى القاهرة.

ـ هل لبعد أدباء الأقاليم عن الأضواء أثر فى تشكيل شخصيتهم الفنية؟

ـ لا أظن ذلك، فيوجد فى الأقاليم شعراء معروفون، ولكن قدومهم إلى القاهرة يغير الكثير على مستوى الرؤية والأدب والحياة الثقافية نفسها، فهناك لا توجد حركة ثقافية أصلاً، لا حفلات توقيع ولا ندوات، وإيقاع الحياة البطىء يفرض ذاته حتى فى الكتابة.

ـ لكن هناك بعض أدباء الأقاليم استطاعوا فرض أنفسهم فى السنوات الأخيرة مثل أحمد أبو خنيجر؟

ـ هذا الوضع تغير قليلاً أو كثيراً فى السنوات الأخيرة، حسب نشاط الأديب نفسه، مثلاً ممدوح رزق أكثر نشاطاً منى ومن كثيرين من الشعراء، رغم إقامته فى المنوفية، بسبب نشاطه على الإنترنت وفى المدونات والمنتديات والفيس بوك، العالم أصبح الآن أكثر انفتاحاً، وهذا بالطبع فى صالح الأدباء.

ـ رفضت أن تنشر ديوان التفعيلة “يبدو أننى مت فعلاً” الفائز بجائزة سعاد الصباح، لماذا؟

ـ كان لدى ديوان تفعيلة جاهز للنشر، ولكن فى النهاية سحبته عندما كتبت قصيدة النثر، أرى أن قصيدة النثر مناسبة للفترة التى نعيشها، قصيدة النثر تعبر عنى فى هذه الفترة، سواء من ناحية الأفكار التى تطرحها، أو حتى من ناحية الشكل.

ـ هل هذا يعنى أنك ضد قصيدة التفعيلة؟

ـ أنا مع كتابة كل الأنواع وفى كل وقت، لكن فى رأيى كتاب القصيدة العمودية ظلموها، وكذلك كتاب التفعيلة، مثلاً التهامى حصر القصيدة العمودية فى الهجرة وليلة القدر، وحتى بعض من كتبوا التفعيلة حصروها فى تهاويم مغرقة، وعندما أرادوا أن يبحثوا عن مخرج كتبوا قصيدة نثر مشابهة للتفعيلة، أنا ضد نفى الآخر، وضد شعراء النثر الذين ينفون قصيدة التفعيلة والعكس.

ـ كل فترة يخرج علينا من يقول إن قصيدة النثر لم تفرز أصواتها، ولم تقدم جديداً كيف أثرت هذه الأقاويل على رؤيتك الشعرية؟

ـ قضية قصيدة النثر حسمت منذ الخمسينيات، وأفرزت أسماءها ومنهم محمد الماغوط وأنسى الحاج ووديع سعادة، ومن الشباب فى مصر الكثير أمثال إبراهيم داوود وعماد أبو صالح ومحمود قرنى وعاطف عبد العزيز. القضية حسمت وعندما نتكلم عنها الآن فكأننا نتكلم عن مشكلة خلق القرآن التى أثيرت فى القران الثالث الهجرى، وبهذا الجدل العقيم لن نصل إلى شىء جديد.

ـ هناك حضور كبير للصورة فى ديوانك الأخير، رغم أن قصيدة النثر لا تهتم بالصورة، لماذا؟

ـ الهواية المفضلة لى هى التصوير الفوتغرافى، والصورة من ضمن أساسيات الشعر. فمهمة الشعر بالنسبة لى هى الإدهاش، والصورة هى التى تقدم الدهشة، والمطلوب أن أكتب الشعر كما أحب، المهم فى النهاية هى الشاعرية. ولدى الناس فكرة أن قصيدة النثر منحصرة فى أنها تتناول اليومى والمعاش وهذا غير صحيح.

ـ كتبت فى نهاية الديوان مراجع منها تقرير الفساد لحركة كفاية وموسيقى سليم سحاب، ما علاقة ذلك بالديوان؟

ـ أنا أقصد بالديوان التأريخ لكل الأحداث الاجتماعية والسياسية فى السنوات الأخيرة وما حدث فيها، والديوان كتب من 2006 إلى 2008، والطاعون “عنوان الديوان” هو إشارة لفساد اجتماعى وسياسى واقتصادى واجتماعى أخلاقى.

ـ ما الذى تعنيه بذلك، وكيف تفاعل الديوان مع هذه الفكرة؟

ـ المجتمع تحول كله إلى طاعون ينفجر، مثلاً أنا لم أكتب قصيدة عن العبارة، ولكن تتسرب داخل الديوان الرؤية لهذه الفترة، الشاعر وهو يكتب لا يكون منغلقاً على ذاته، وحتى عندما يكتب عن الذات لابد أن يكون منفتحاً على الآخر. الديوان فى أحد معانيه يطرح تساؤلاً حول مفهوم الموت الحقيقى، وهل الخلود بعد الموت أم بعد الحياة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

نشر في اليوم السابع

 

الأوسمة:

شعرية اللعب

عمر شهريار

لعل قصيدة النثر هي الأكثر تسيداً في الساحة الشعرية في مصر الآن . وبغض النظر عن أية مساجلات جانبية في مدى مشروعية هذا التيار الشعري ، أو أية محاولات دفاعية عن مدى جدارة قصيدة النثر في تمثيل الشعر المصري في اللحظة الراهنة لأن هذه المحاولات ـ في الحقيقة ـ تعد اعترافاً بأنها لم تزل محل اختبار . وأظن أنها قد تجاوزت مثل هذه الاختبارات المبدئية والتي خاضها الجيل السبعيني من شعراء قصيدة النثر الذين تحملوا مثل هذا العبء الدفاعي ، وأتاحوا ، في الوقت ذاته ، لمن جاءوا بعدهم من الشعراء حرية الحركة  داخل المشهد الشعري . فوصلنا مع الشعراء الثمانيين والتسعينيين وما بعدهما ـ مع التحفظ على مثل هذه التقسيمات الجيلية التي نستخدمها هنا بشكل إجرائي لا أكثر ـ إلى انه لا توجد قصيدة نثر واحدة صماء ، بوصفها القصيدة التي تخلو من الموسيقى الخليلية التقليدية ، حسب التعريف الاعتيادي لها ، ولكننا سنجد أنفسنا بإزاء عدد غير محدود من الاستراتيجيات الشعرية سواء على المستوى الجمالي أو الرؤيوية ، بل ربما نصل إلى أن نجد أن كل شاعر ، بل وكل ديوان ، يجترح شعرية مختلفة عن الآخر مما يوسع من المجال النصي بحيث لا نستطيع أن نشير إلى نمط بعينه بوصفه هو الممثل لقصيدة النثر وننفي الآخر . فنحن بإزاء قصيدة تجدد ذاتها باستمرار ولديها قدرة خاصة على التمدد والتوسع الجمالي والدلالي  .

قصيدة النثر : المفهوم والملامح

لعل مثل هذا العنوان يبدوا منطقياً على المستوى المنهجي إذا ما طرحناه على المستوى النظري .

فما مفهوم قصيدة النثر ؟ وما أهم الملامح الجمالية التي تميزها ؟ إن هذين السؤالين يبدوان كسؤالين مركزيين في أي طرح نقدي يحاول أن يستكنه جوهر هذه القصيدة ويسبر غورها ، مثلما حاول نقادنا القدامى في تعريف القصيدة وتبيان حدها وشروطها ، وإن كانوا قد اختلفوا فيه ولكنهم طرحوه على أية حال . فالفارق بين قدامة بن جعفر وحازم القرطاجني ـ وأعني هنا السؤال ومحاولة الإجابة عليه ـ ليسس فارقاً كبيراً ، بل لعلهما يعبران عن الموقف النقدي والتقنين للنوع الأدبي ، أو فلنقل ـ بلغة أخرى ـ محاولة السيطرة على النص والهيمنة عليه حتى لا ينفلت خارج الإطار الذي يسم حقبة تاريخية بعينها ، بوصف هذا العقل النقدي منتجاً ثقافياً في نهاية المطاف ، ويتم تشييده تاريخياً عبر المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية ، بشكل واعٍٍ أو غير واعٍٍٍٍ ، ومن ثم فإن هذا العقل النقدي يحاول السيطرة بدوره على الوعي الشعري حتى لا يخرج عن القطبان الموضوعة لها ليسير عليها .

وأظنن أن المحاججة بأن العقل النقدي يحاول أن يستقرئ أتم إنتاجه فعلياً واكتشاف قوانينه الداخلية ، أظن أن مثل هذه الحجة لا تنفي أن مثل هذا العقل يحاول في الوقت ذاته ، وربما دون أن يعي ، أن يضع القوانين الصارمة لما هو قادم من نصوص يخشى من أن تأتي متمردة  .

لقد حاول الكثيرون وضع التعريفات لقصيدة النثر والوصول إلي ملامح عامة تميزها مثل أنها القصيدة التي لا تتبع الإيقاعات الخارجية المعهودة على المستوى الشكلي ، أو أنها القصيدة التي تتجه نحو الهامشي واليومي والمعتاد على المستوى الدلالي ، أو أنها قصيدة تخاصم العالم وتغوص داخل الذات وتحديداً الجسد .  وأظن أن مثل هذه التعريفات وغيرها الكثير ستظل قاصرة عن القبض على جوهر القصيدة . فالتأمل الفاحص لها سيجد أنها تتأبى على مثل هذه السيطرة . فربما تجد قصيدة بها بعض المقاطع الموزونة عروضياً أو تكون كلها منضبطة عروضياً ، ومع ذلك تكون نثريتها واضحة ولا تستطيع أنتخرج هذه المقاطع أو القصيدة بأكملها من حيز قصيدة النثر لأن الفيصل هنا لم يعد الوزن فقط  ـ وجوداً وغياباً ـ وإنما الوعي الشعري المحرك للنص . وكذا لم تعد هذه القصيدة متخندقة في ذلك الحيز الضيق الـمســـــمى باليومي والهامشي والمعاش حسبما كان شائعاً عنها ، بل نراها تنتقل بين هذا اليومي وبين الكوني والوجودي والسياسي والفلسفي دون أن تفقد نثريتها . وبالطبع لم تعد أثيرة الذات فقط ، بل تراوح بين الداخل والخارج دون قيود تكبلها أو تعريفات أولية تفرض عليها من الخارج ، وبشكل مسبق . وليس المبدأ الحاكم هنا هو التنوع أو التجاور ـ رغم وجودهما ـ ولكنه ، في ظني التمرد والتأبي على التصنيف والتقنين والتحديد إذ إننا بإزاء تيار يهوى كسر أفق توقعنا نحوه وتصوراتنا التي نحاول أن نبنيها عنه وحوله في الوقت ذاته . ولعل قصيدة النثر ـ أيضاً ـ تهوى التمرد على  ذاتها . فتمرد قصيدة النثر على ما سبقها من تيارات شعرية مثل شعر التفعيلة أو العمودي أو غيرها يعد ـ في رأيي ـ هو الأكثر وضوحاً وسهولة ، ولكن الأصعب والأكثر جذرية هو تمردها على ذاتها . فما زالت هذه القصيدة ـ حتى الآن ـ تترك المسارات التي حضرتها لنفسها لتشق غيرها ، ومن ثم تصعب على متلقيها مهمة تحديد اتجاهاتها وطرائقها . وأظن أن اليوم الذي نستطيع فيه أن نتحدث عن تعريف قصيدة النثر وحدودها وسماتها الجمالية هو يوم إعلان وفاتها ،  والإعلان عن بزوغ شكل شعري جديد .

العتبات والانحراف

يمثل عنوان ” طاعون يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء ” الذي وضعه الشاعر محمد أبو زيد عنواناً لديوانه الصادر أخيراً عن دار شرقيات عتبة أولى للنص وبوابة أولية للانحراف الدلالي ، كما ينفتح ، أيضاً ، على طاقة بصرية هائلة إذ يمكننا تخيل شكل ذلك الطاعون الذي يجلس مثل هذه الجلسة الرومانتيكية وطبيعة هذه الجلسة وأين تتجه عيناه ، هذه الوضعية التي تحيلنا إلى استحضار جملة من التماثيل التي تتشابه وضعيتها مع هذه الوضعية ، بل ومجموعة من الممثلين الذين اشتهرت عنهم مثل هذه الجلسة الرومانتيكية والتي تستقر في الذاكرة الجمعية المصرية مثل تمثال أحمد شوقي أو محمد عبد الوهاب أو جلسة عبد الحليم حافظ مثلاً . ومن  الممكن للمتلقي أن يضيف جملة من التفاصيل مثل تسريحة الشعر الذي يستريح للوراء أو طبيعة الملابس التي يرتديها مثل هذا الطاعون الرومانسي إلى آخر التفاصيل التي تتماشى مع رومانسية الأبيض والأسود القديمة ، خصوصاً وأن الغلاف يغلب عليه هذان اللونان . يتضافر مع هذا العنوان ذلك الغلاف الذي يتكون من تابوت خشبي يعلوه سلم في إشارة إلى الموت والصعود باعتبار أن الموت ليس فناء ولكنه نوع من الصعود ، في حين تبدو ظلال هذا السلم باللون الأسود في الناحية المقابلة دون أن يستند هذا الظل على التابوت . فيبدو أن اللون الأبيض هو الذي يسم الموت والصعود في حين أن اللون الأسود هو الذي يرتبط بالحياة ، ومن ثم تنفك شفرة العنوان الذي يجعل من الطاعون كائناً رومانتيكياً بوصفه جالباً للموت الأبيض ومبعداً عن الحياة السوداء .

يتضام مع هاتين العتبتين عتبة أخرى هي التصدير الداخلي ، الذي يأخذه الشاعر من ميلان كونديرا وهو عبارة عن حوار افتراضي بين هيمنجواي وجوته بعد موتهما ، إذ يسأل هيمنجواي ” وأنت كم عمرك بعد الموت ؟ أجاب جوته بنوع من الحياء : مائة وستة وخمسون عاماً ” ، فيرد عليه هيمنجواي ” ولم تتعلم بعد أن تكون ميتاً ” . إن هذا المقتبس يشير إلى جانبين مهمين أولهما سطوة الموت وهيمنته بوصفه حياة يمكن أن تحسب بالأعوام وليس غياباً وثانيهما روح السخرية والضحك واللعب التي تنضح على هذا المقطع الحواري .

الطفل الودود . . وقلب التصورات           

تتعاطى الذات الشاعرة مع الموت بو2فه كائناً ضعيفاً وهشاً وليس ذلك الشيء المخيف الذي اعتاد عليه الخيال الشعبي ، معتمدة في ذلك على قلب التطورات النمطية عن الموت وكل ما يؤدي إليه إذ تصبح كل وسائل الموت هي وسائل تؤدي إلى راحة الذات الشاعرة وسعادتها مثلما رأينا في العنوان الذي يصور الطاعون ككيان رومانتيكي ، يقول :

” كيف لا تعرفون الموت / كيف لا تحبون لون عينيه / ولا تتركون أولادكم يلعبون معه . / في الظهيرة ” ( ص 23 ) . إن هذا المقطع الذي يغلب عليه التساؤل الاستنكاري يقر بوجود حالة من النفور من الموت ويندهش منها بل ويخاطب المروي عليهم ـ حسب الصطلحات السردية ـ طالباً منهم التعرف عليه ومحبته ويتغزل في لون عينيه كعشيقة ، بل ويصل الأمر بالذات إلى استدرار عطف المروي عليهم إذ يقول :

” أستطيع أن أقول لكم /بكل يقين . / إنه طفل ودود / يتيم يبحث عن صحبة ” ( ص 23 ) إن الذات تصدر للمخاطبين أولاً يقينها بما تقوله وثانياً تحشد كل الصفات التي يمكن أن تستميل عواطفهم : فالموت طفل ودود وأيضاً يتيم ولا يجد من يصادفه ، ومن ثم فإننا بصدد قلب للعلاقة بين الموت والإنسان فلم يعد يصيب الإنسان لأنه يريد أن ينهي حياته بما في ذلك من قسوة ، ولكن العلاقة تتحول إلى اصطفاء صديق لصديقه .

وما ينطبق على الموت ينطبق ، أيضاً ، على أدواته ووسائله المستقرة أيضاً في الوعي الشعبي العام ، يقول : ” دراكولا الطيب / دراكولا الذي لا يستعمل معجون الأسنان / ويثير الشفقة / أكثر من طفل مصاب بالسكر ” ( ص 20 ) وأيضاً ” سأعرفهما بشهريار الهارب / من المجوس / في قصص  زوجته الثرثارة ” ( ص 21 ) . إن الذات الشاعرة هنا تعيد تجميل تلك الوجود التي اشتهرت بدمويتها وفتكها ، وتحاول إعادة رسم صورتها عبر محو الصورة التقليدية الراسخة ونحت صورة أخرى تثير الشفقة أكثر مما تثير الخوف ، ومن ثم تصبح  مصاحبته أكثر إمتاعاً .

إعادة خلق العالم

تنحو الذات الشاعرة في هذا الديوان إلى إعادة ترتيب العالم وخلقه من جديد ، بوصفها غير راضية عن وجوده الحالي ، ذلك الوجود المغلوط وغير المنسجم مع تصورات الذات عن الحياة والموت ، يقول :

 ” سأسميك ميرفت / اسم مناسب لحبيبة قابلتها في غرفة الإعدام / ولأنه أول اسم وقعت عيني عليه الآن / وأنا أنظر إلى صفحة / الوفيات ” ( ص44 ) . إن الذات هنا تعيد تسمية الحبيبة ، بل إن الاسم جاهز لديها . وسنلاحظ ـ أيضاً ـ أن مكان اللقاء سيكون غرفة الإعدام كمكان رومنتيكي يليق بالمحبين ، بوصف هذه الغرفة هي التي ستؤدي بهما إلى الموت والصعود . هذا على مستوى مكان اللقاء ، أما التسمية  ( ميرفت ) ، والتي تفضلها الذات ، فإن اختيار الاسم جاء لأنه موجود في صفحة الوفيات كي تكتمل سيمفونية الموت التي تفضلها الذات الشاعرة . ولا تقتصر إستراتيجية الذات هنا على إعادة تسمية الحبيبات ، بل وتتجاوزها إلى إعادة ترتيب العالم وخلقه من جديد ، يقول : ” سأعيد ترتيب الناس في البيوت / وتعديل أوضاعهم في السرائر / سأنقل قريتي / إلى نهر الأمازون ” ( ص 91 ) .إن الذات ، هنا ، تعيد تشكيل الخريطة والجغرافيا والتوزيع السكاني أيضاً ، وذلك من موقعها في الأعلى / الموت ، بوصف  “الحياة من أعلى  لا تشبهها من أسفل ” ويصل الأمر بالذات إلى أن تكون عالماً سريالياً خالصاً بها لا يخلو من السخرية ” استطيع أن أتحدث الآن /  عن مزية الباص في الجو /  والجمل في البحر”( ص 30 ) . إن مثل هذا الواقع السحري والافتراضي الذي تبنيه الذات الشاعرة يمثل عالمها الخاص التي ترفضها ويصير الموت هو السبيل الوحيد لتحقيق هذه الحياة الافتراضية ، والتي تتناقض كلياً مع المنطق الواقعي . فالذات داخل عالم الموت تمارس لعبها الخاص مع الحياة والعالم الواقعي ، بل إن العالم أصبح يبادلها لعباً بلعب مثل قصيدة ” مقهى عم صالح الذي اكتشفنا أن اسمه كافتيريا حسن ” . فقد أصبح العالم هنا قادراً على مخاتلة الذات ومشاركتها لعبها ، وذلك وفقاً للتعاقد الذي أبرمته الذات مع العالم منذ أول قصيدة  ” فقط لو تصدقوني ” ( ص 12 )

والذي تم فيه إرساء قوانين اللعبة بعيداً عن العالم الذي ترفضه الذات : ” العالم سيء جداً في الخارج يا رايان / وأنا لم أعد أحتمل ” ( ص 63 ) .

السخرية وتوظيف الأغاني

تنحوا الذات أيضاً إلى نبرة عالية من السخرية ، إذ سنجد أن بعض الأغاني ستلح عليها في مواقف شديدة الدرامية رغم هزلية هذه الأغاني باعتبار أن العالم لا يستحق البكاء عليه قدراً ما يستأهل السخرية منه : ” المارة سيتوقفون أمام البحر مذهولين / لا يستطيعون العبور هذه المرة / ف ” العتبة قزاز / والسلم نيلو في نايلو” ( ص 28 ) .

إن تأمل المشهد السابق بجديته وصرامته يفضي بالضرورة إلى أن إقحام مثل هذه الأغنية يعد نوعاً من العبث  والضحك ، كما تعمد الذات إلى تحوير بعض الأغنيات بوصفها في سياق مغاير : ” غني مع الموسيقات الجنائزية / ” الليلة عيد . . : الليلة ” ( ص 40 ) .

إن وضع هذه الأغنية المرتبطة بالفرح والبهجة في سياق كونها موسيقى جنائزية ، يعيد تشكيل تصوراتنا عن الأعياد التي نحياها بوصفها أعيادا يحييها مجموعة من الأموات دون أن يعوا غيابهم .

كما تصل السخرية ، أحياناً ، إلى حد ” القفشة ” التي تلح على الذات في مواقف لا يمكن أن تحتمل هذا القدر من التنكيت : ” صرخاتكم / مشكاة فيها مصباح لي / أدخل بها قلبي / ألعب بكرات الدم الحمراء والكاروهات / وأكفن الموتى ” ( ص 68 ) . إن هذا الجو الجنائزي المفعم برائحة الموت يثير لدى الذات شهوة اللعب ، تلك الكرات الكاروهات التي تخترعها الذات .

إن السخرية التي تهيمن على الأنا الشاعرة هنا تصل إلى حد السخرية من فكرة الصورة الشعرية ذاتها ، فيأتي بصور تنتهك الخيال الجمعي لمجموعة المتلقين ” الذين جاءوا بعدي لم يعرفونني ، والذين جاءوا قبلي التهموا طبق الزهايمر بالبيض من أمامي بلا رحمة ” ( ص 97 ) . فبناء الصورة بهذه الطريقة التي لا رابط بين عناصرها ” طبق الزهايمر بالبيض ” يعد نوعاً من السخرية ليس فقط من الحياة ولكن من كل ما يتوالد عنها ومن ضمنها الشعر ومفهومه ومفهوم الصورة الشعرية . إننا بإزاء ديوان مفعم باللعب والسخرية والعبث بالعالم والوجود والشعر وإعادة خلقهم من جديد .

ـــــــــــــــــــــــــ

نشر في مجلة الثقافة الجديدة

 

الأوسمة:

“محمد أبو زيد” يطعن في صحة إعدام القضايا الكبرى

عزة حسين

كل شيئٍ ليس حقيقياً/ العيون كاذبة/ الهواتف النقالة.. نقالةُ/ وأنتوني هوبكنز/ أجبرني على البكاء وحيداً/ وأنا آكل ما تبقى من جسدي/ متى أنتهي؟

اليقين خيانة الشك/ الشك خيانة لليقين/ لذا لم أعد أحب الحكماء)

التمزق، التشظي، التقزم والتضاؤل، ومسيرةٌ لا نهائيةٌ من جلد الذات، وتيه، هو كل مايملكه شاعرٌ، علم ــ صدفةً ــ أنه “مابعد حداثي”.

الشاعر صديق الموت ودراكولا، الملفوف بالطاعون، وأعضاء القتلى، حاول كثيراً في بداية ديوانه، حاول ــ بصدقٍ ــ أن يرمم العالم بصرخةٍ، لكن أحداً لم يصدقه، فقرر مغافلتهم جميعاً، وإشباع نهمه الفوتوغرافي، في تعليق صورهم المذبوحة في صفحات ديوانه.

( بصرخةٍ واحدةٍ أنزل المطر/ بإشارةٍ من إصبعي الصغير/ أوقف الحرب/ بنظرةٍ أبعد الموت عن أمي/ وبابتسامةٍ واحدةٍ/ واحدةٌ فقط/ سأزوج العاشقات المنتظرات في المترو……./ فقط لو تصدقوني).

في ديوانه الجديد، “طاعونُ يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء”، أعلن الشاعر “محمد أبوزيد” أن أياً من القضايا الكبرى لم يمت، فقط ماتت الأساليب الغنائية الطنانة في تشييع انكسارات العالم وانتصاراته.

بشاعريةٍ ناعمةٍ وموجعةٍ في آن، أرخ “أبو زيد” لأكثر القضايا الآنية، أنية وإلحاحاً. هموم العالم، شدها من تحت جلد شاعر، صادق الموت لأنه الأقرب، والأشرار لأنهم معذبون فعلاً، أو ربما كثُر، داس المقدس والمدنس، علَ حقيقةً واحدةً تقفز من هذا الخراب، وتصالح الفوضى.  

الديوان الصادر مؤخراً عن دار “شرقيات”، هو الخامس للشاعر، بعد دواوين “ثقبٌ في الهواء بطول قامتي”، “نعناعة مريم”، “قومٌ جلوسٌ وحولهم ماءٌ”، و”مديح الغابة”، وقد جاء في مائة صفحةٍ من القطع المتوسط، ضمت أربعة أقسامٍ هي ( كوبري ستانلي ــ عشيقة جيدة لدراكولا ــ كلمني شكراً ــ قاتل تسلسلي )، تشابكت كلها، وتكاملت في تشييد اللوحةً المأساوية للطاعون الأخطبوطي، الذي تمكن من كل جوانب الحياة، واستقر فيها واضعاً قدماً فوق الأخرى، وناظراً بتحدٍ للسماء.

أسيً بانوراميُ، وفسادٌ كوني، غارقٌ في المادة، لكنه ضاربٌ ــ حتي العمق ــ في الروح، حكاه “محمدُ أبو زيد”، ساخراً منه ومن العالم، ومن الشعر الذي كذب كثيراً، لترميم المشهد، لكنه تهدم.

رثى “محمد” القتلى، واليتامى، والأرامل، والعوانس، والقواعد، والأبطال الأشرار لأفلام الكرتون، وهاجم أصحاب العبَارات المعطوبة، ورجال الأعمال، وقوات مكافحة الشغب والحياة، بكلماتٍ الشعر بطلها الرئيس، وبسخريةٍ طفولية منح العالم فرصةً أخيرة للتصالح معه، لخطفه من فم الموت ــ حيث يغفو ــ ، لكنه أدرك استدارة الموت فاسترخى للصعود:

 افرحوا بالفيضان

ارقصوا للعواصف

أبعدوا البكاء عن النار

واشربوا اليانسون بنفوسٍ مستريحة

أيقظوا الموسيقى في الكهوف البعيدة

حتى تتعطر للمارة

غنوا وارقصوا مع الأقزام

وأنا أعبر الشارع إلى السماء

دون صعوبةٍ تذكر

 

 

الأوسمة:

طاعون محمد أبو زيد..الإنصات إلى روح الشعر وحرمته

محمد العشري

بعنوان لافت، وإهداء سردي من “الخلود” لميلان كونديرا، يفتتح محمد أبو زيد تجربته الشعرية الجديدة “طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء” الصادر حديثاً في القاهرة، لدى دار “شرقيات” للنشر. محاولة للدخول إلى رأس القارئ من خلال تفاصيل يومية بسيطة، تجعل الشعرية مطروحة ببساطة وتلقائية، وتمكّن هذا القارئ من التوحد معها، والتغني بها، لأنها تمسه من الداخل، وتدفعه إلى الدهشة، والرغبة في رؤية نفسه في مرآة الشعر، يقدمها الشاعر هنا، في: “كوبري ستانلي”، “عشيقة جيدة لدراكولا”، “كلمني شكراً”، و”قاتل تسلسلي”.

تأتي قصائد المحتوى الأول: “كوبري ستانلي” محملة حساً عالياً، وولعاً لرصد الذات في علاقتها بالآخر، وتفاعلها مع ما حولها بكامل كيانها، من دون أن تتخلى تلك الذات عن بحثها الدؤوب ورغبتها في عبور الحد الفاصل بين الخيال والواقع، بتشكيل أسطوري يستفيد من “ألف ليلة وليلة”، بتكوينها التراثي، ودمجه في الصورة العصرية، التي يعيشها الشاعر، وينغمس فيها عن وعي: “بصرخة واحدة أنزل المطر/ بإشارة من إصبعي الصغيرة / أوقف الحرب / بنظرة أبعد الموت عن أمي/ وبابتسامة واحدة،/ واحدة فقط/ سأزوج العاشقات/ المنتظرات في المترو”.

التأرجح بين الكوني والذاتي يمنح الشاعر مساحة أوسع للبوح بتلقائية، والإمساك بمفردات يومية من مرحلة الطفولة، تُشكل ثراءً ومخزوناً حكائياً فريداً: “الحياة تبدأ حيث تذهب الطائرات الورقية/ حيث يضيء اللؤلؤ أسنان سارة/ ويبتسم النرجس/ في كُمّ سعاد”.

تلك الروح التي تحلق في فضاء القصائد كملاك ينثر الورد على أرواح متعبة، تظل على ثباتها في مواجهة الواقع بكل سطوته، وجبروته، ودحضه للأحلام، وللحياة: “ابتسامات كثيرة على يسار فمي/ أخبئها عن عيونكم/ لكنني في الخريف القادم… سأسقي الزهور على قبري/ مياها غازية”. وقبل أن ينهي أبو زيد قصائد الجزء الأول من المجموعة، يأتي بقصيدة ميلودرامية، تعبر عن حال الشتات المسيطرة على الذات، ورغبتها في تجاوز ذاتيتها، من أجل قيمة ما، تدفعها الى مواصلة الحياة، حتى لو كانت تلك القيمة هي القتال: “القتلى يذهبون للحرب/ حتى يلوحوا لكاميرات التلفزيون/ وهم يرقصون هربا من دوار البحر / ففي الحرب فقط/ يشعرون بآدميتهم”.

يمكن القارئ أن يلاحظ سيطرة الحالة الوجدانية على المحتوي الثاني من قصائد المجموعة، بعدما مرت الذات الشاعرة بمرحلة إختبار لمدى صلابتها، في تحمل ضربات متتالية من دون أن تتخلى عن لحظات تقتات فيها الفرح، وتسعى الى العشق: “عيناك /تشبهان حقل جدي/ لكنه منذ سبع عجاف/ توقف عن الإخضرار/ وصدرك المزاحم للهواء /نسيته على طاولة المقهى المرتفعة وانصرفت، / ويدي في يدك”. تمرّتلك اللحظات الإنسانية المرهفة، تفاصيل حياتية تؤدي إلى التشبع، من دون اللجوء إلى فلسفة ما، لتفسير تلك الحالة: “اليقين: خيانة الشك /الشك خيانة اليقين/ لذا/ لم أعد أحب الحكماء”.

وحين تتخطى الذات تلك الحالة الوجدانية، وتبتعد المسافات بين العاشقين، تظهر الهوة السحيقة في عدم التواصل، أولى علامات الالتفاف على الداخل، والتقوقع في عزلة تامة، وذلك ما يظهر جلياً في قصائد المحتوى الثالث من المجموعة: “كل شيء يضيع يا محمد/ ينسل نقطة نقطة”. ولا ينسى محمد أبو زيد وهو في ألقه الشعري، وقبضه على روح قصيدة النثر، أن يتمسك بشعريته، واختياره الفني في الشكل الملائم لها، وإصراره على المضي فيها، في الوقت الذي تجد فيه تلك القصيدة النثرية معارضة صارخة من أجيال شعرية تخلت عن شعريتها، وصلبتها على المقاعد الوثيرة، وأعمدة الصحافة الإستهلاكية، وباتت بلا خلق، وعلى رغم ذلك تصرّ على محاربة كل الأجيال الجديدة من أجل الحصول على إمارة زائفة: “فقط أريد أن أنبه/ إلى أن هذه القصيدة لها حرمتها/ فلا ترصوا الورد بجانب الجثث/ في غرفة المعيشة”.

وهو بذلك يؤكد أن الحداثة الشعرية ترفض القوالب الشعرية الجاهزة، وتنتهج نهجاً خاصاً في بناء هيكلها، وسلّمها الموسيقي، بعيداً عن مبررات النقاد، مما يجعله يصادق روح الشعر، ويدعوها إلى بيته، ويترك لها حرية أن تنطلق من دون أن يقيد أجنحتها بدبابيس التحنيط: “مساء الخير يا أمي، أنا محمد، ابنك، الذي يظل ينكش فوق الورق كدجاجة، ينتهى القلم، فأكتب بأصابعي، بذراعي، بأطرافي، بجسدي، أنتهي ولا تنتهي الكتابة، أنا محمد يا أمي، يا أمهات المؤمنين”. ذلك ملمح مهم، يسعى إلى تأكيده محمد أبو زيد في قصائد الجزء الرابع من المجموعة.هذه بعض ملامح شعرية ناعمة، تهدر بصخب إذا ما أحسنّا الإنصات إلى موسيقاها، في المجموعة الشعرية المبتكرة “طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء” لمحمد أبو زيد بداية من العنوان، ومروراً بالمتن، وانتهاء بإضافة أسماء المراجع التي ساهمت في بناء ذلك المشروع الشعري، مثل: “القرآن الكريم”، “صحيح البخاري”، “ألف ليلة وليلة”، وغيرها. وهو بذلك يضيف لمحة شعرية مضيئة إلى تجربته الشعرية، ومجموعاته الأربع السابقة.

ــــــــــــــــ

نشر في جريدة النهار

27 أبريل 2009

 

الأوسمة:

محمد أبو زيد في مكتبة آفاق: الفساد الذي يحكمنا أشبه بالطاعون لذلك اخترته عنوانًا لديواني

 

كتب ـ يسري أبو القاسم:

أقامت مكتبة آفاق بشارع قصر العيني يوم الخميس الماضي حفل توقيع ديوان «طاعون يضع ساقًا فوق الأخري وينظر للسماء» للشاعر الشاب محمد أبو زيد وهو الديوان الخامس له بعد «ثقب في الهواء بطول قامتي» «ونعناعة مريم» «وقوم جلوس حولهم ماء» و«مديح الغابة» وتحدث الشاعر محمد أبو زيد عن تجربته مع القصيدة النثرية التي كانت العمود الفقري لديوانه الأخير والمعروف أن «أبو زيد» كتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة، بل الشعر العامي في دواوينه الأربعة السابقة إلا أنه وجد في القصيدة النثرية مساحة أكبر من الحرية

ويري أبو زيد أن القصيدة النثرية هي التطور الطبيعي والمنطقي للقصيدة فهي المتسع والبراح الكامل الذي جذبني إلي الكتابة دون قيود أراها خانقة ومكبلة للمبدع.

وعن اسم الديوان يقول محمد أبو زيد: الطاعون هو الفساد الذي استشري في كل مكان في مصر من أقصاها إلي أقصاها.

وقد اعتقد البعض أن الطاعون هو المرض الوبائي القادم من ليبيا في الفترة الأخيرة ولكن طبعت الديوان قبل انتشار هذا المرض اللعين.. الذي لا يختلف في ضراوته عن طاعون خراب الذمم وغياب الضمير وكبت الحريات.. لذلك كان العنوان بهذا الاسم فالطاعون هو الفساد الذي وضع ساقًا علي الأخري ونظر إلي السماء ضاربًا بكل أفعاله عرض الحائط.. ربما لذلك كتب الشاعر في قصيدته:

عرج بسيط

يمكن إصلاحه بقليل من الصبر..

أصبحنا بلا طعم

كأطعمة الفنادق الفارهة

الفقراء

بلا حلقان في آذانهم

يعبرون النهر حفاة

لإطعام القمر وجبة

واحدة كل شهر

و هذا الطاعون

يدرب هراوات الشرطة

علي اقتحام البيوت الآمنة

فالقصيدة هي متنفس الشاعر ووجعه الذي عاناه في الشارع وفي يقظته ومنامه وحلمه المفقود و تجواله في دروب الحكايات ودموع الأطفال الجوعي وأنين البنات الحياري والأمهات الثكلي.. أشياء كثيرة رغب أبو زيد في التعبير عنها فتخلي عن القوافي والتفعيلات ليملك حريته ويكتب علي منوال النثرية المعاصرة ويستخدم أيضًا مفردات معاصرة.

وحول ما إذا كانت صعيديته أثرت في إبداعه يقول أبو زيد إن الإنسان وليد بيئته فكل ما أسعي إليه من خلال أشعاري هو القيم والمبادئ التي تعلمتها من بيئته الصعيدية في سوهاج.

ــــــــــــــــــــــــــــ

نشر في جريدة الدستور

 

الأوسمة: