RSS

قوم جلوس حولهم ماء بين أفق القصيدة و تقنيات النص

08 ديسمبر

يسري عبد الله

تمثل قصيدة النثر تياراً تجريبياً يحوي مواضعاته الفكرية و الجمالية المائزة، و التي تعد علامة على منحى شعري لا يعرف الاستسلام للجاهز و الموروث و القبلي، حيث ثمة مغامرة جمالية و موضعاتية حاضرة في المتن الرؤيوي و التقني المتكئة عليه هذه “القصيدة”… و لعل اللافت للأمر أن “قصيدة النثر” لا يمكن التعاطي معها باعتبارها كتلة صماء، أو النظر إلى ما خَلقَتهُ من تجارب و رؤى بوصفها كُلاً مصمتاً، فثمة تنوعات داخل هذه “القصيدة”، تحوي فرادتها حيناً، و “نزقها” حيناً آخر، و غوايتها على اجتذاب جمهرة من “المتشاعرين” في بعض الأحيان، بيد أنها تبقى شاهدة على انقتاح النص الشعري على أفق مغاير، يعيد للقصيدة العربية عافيتها، و يمنحها ما يمكن أن يسمى ب “حيوية الاختلاف”.

في “قوم جلوس حولهم ماء” نحن بإزاء عنوان شعري دال، يعارض من حلاله الشاعر “محمد أبو زيد” بيتاً شعرياً قديماً، عدتهُ علامة عدم الإتيان بجديد بيد أن الشاعر يرى في القبح- حسب توصيف السابقين- جمالاً، فيفعل هذا البيت الشعري “الركيك” مضفياً عليه من طزاجة الراهن المعيشي/ و المتدثر بعباءة جديدة، تتأسس شعريتها على أنقاض الرؤى القديمة عن “الشعر”، خاصة فكرة (الشاعر/النبي) و التي تمنح الذات الشاعرة “وهم” القدرة على تغيير العالم، وفق تصوراتها الخاصة:

حزين لأني لا أُبرئُ

الأكمه و الأبرص و لا أحيي الموتى

لا أخبئ الديناصورات في حقيبتي من العواصف

ليس لي جيوب أربي فيها المطر

و لا عيون أعيرها للأعمى

و لا مقاعد فارغة أهديها للعاشقين

ليس لي حبيبة، و لا أصدقاء

و لا قصائد راقصة

إذن ثمة علائق متشابكة بين استخدام الشاعر لعنوان يستحضر فيه بيتاً شعرياً قديماً، ثم التأسي على أنه لا يملك أية سمات خارقة، و ليصيح هذا التصدير ممهداً لشعرية هذا الديوان، و المحتفية بنقيض قكرة (الشاعر/النبي)، و المسكونة بالهامشي و الشخصاني و المعيشي.

في قصيدته الأولى “كأننا و الماء من حولنا” نصبح بإزاء نص قائم على إمكانية الوصل و الفصل معاً، حيث يمكن قراءة هذه القصيدة موصولة كالتالي: (كأننا و الماء من حولنا/ رمالٌ ميتةٌ/ موجُ نذلُ/ مراكب محطمة/ صيادون غرقى…) حيث تصير “رمالٌ” خبر كأن مرفوعاً بالضمة، و وفق هذه القراءة القائمة على “الوصل” يصير العنوان (كأننا و الماء من حولنا) جزءاً من بنية القصيدة لا مجرد دال على فحواها… و كذلك يمكن قراءتها كما وردت في متن الكتاب، بحيث يصير العنوان منفصلاً عن جسد القصيدة:

رمالٌ

موجٌ نذلٌ

مراكب محطمة

صيادون غرقى

هلب تخنقه الطحالب

أسماك مسممة

سفينة مشروخة

جثث بحارة فقراء و عمال عمي

نفط سائل يلتهم أحشائك

غربان تنعق فوقك

و قمر يخيفك بفضته

كل هذا

و نقول إنك؛ وحيد يا بحر؟!

و في كلا الحالين (الوصل/الفصل) نصبح بإزاء عالم مهشم تسكنه المراكب المحطمة و الصيادون الغرقى، عالم لم يعد يؤنس وحشة أحد سوى هذا البحر (المحيط بنا)- و هذا ما يدعم دلالة الوصل في هذه القصيدة.

و في قصيدته الثانية (حبل غسيل مصلوب يُنقط دمه على المارة) يستعير الشاعر آليات الحكي الشفاهي: (مرة. تهت/ و مرة: لم أجدني في صفحة الوفيات).

ثمة حالة من التماهي بين الذات الشاعرة (الباكية) و “حبل الغسيل” الذي يُحدث نفس الفعل “التنقيط”، و تشير دلالة (الصلب) هنا إلى حالة “التشيؤ” التي تتم لهذه الذات الشاعرة…

لا توجد روابط سببية بين الجمل الشعرية، و إنما توجد حالة من التداعي غير المجاني، ففي المقطع التالي:

كنت أصفف شعري

أما الآن

فسأقاطع الجرائد

و الأجنحة

و سهرات القناة الأولى

نرى في هذا المقطع هذه الذات “التقليدية”- التي تصفف شعرها من المنتصف- في محاولتها الراهنة عبر صيغة (الآن) من أجل تأسيس وعي جديد/ مفارق عن السابق و مغاير له… في هذه القصيدة نلمح صيغة شعرية قارة في بيئة الشعر التفعيلي تحديداً (أقول لكم)، بيد أنها هنا لا تطرح خطاباً غنائياً أو إنشادياً، لذا فلم يكن تالياً لها أسلوب إنشائي مثلاً، أو حتى أسلوب خبري مؤكد، حيث يحكي الشاعر بعدها عن الذات المهمَشة و المهمشة فب الآن نفسه:

أقول لكم

منذ ثلاثة أيام أريد أن أبكي

لكنني تحجرت

و لم أعد أميز بين التوائم

يضفر الشاعر الأغنية الشعبية في متن قصيدته، و ربما يصنع تماساً حميمياً مع المتلقي: (”الورد جميل”/ “جميل الورد”/ فلا تبتسموا و لا تغنوا). في قصيدته (فستان حمل لسيدة شبه متزوجة) نرى رصداً لحالة الاغتراب عبر شعرية تستدعي لغة محايدة لا تعرف الانفتاح الدلالي السابق، و هذا ما يبرز في المقطع الثالث من هذه القصيدة- على سبيل المثال- نرى تنوعاً في استخدامات ضمائر الحكي الثلاثة: (المحاطب/أنت)، (الغائب/ اسمها)، (المتكلم، أنا)، و ربما يحدث انقتاحاً نصياً يتكئ حيناً على “اللعب مع التاريخ”: (أسكب دمي على يديك/ فتضحكين كالقشتالين)، أو عبر المراوحة بين الماضي و الراهن، لتتحقق شعرية محتفية بالمفارقة، و مؤسسة على جماليات (التجاور) و (التنوع):

هنا بالضبط

عبر ماجلان على دراجته

قاصداً الشهر العقاري

يصفر للعربات فتتبعه

للبنات في البلكونات فيطرن خلفه

للقلوب

فتهجر الموتى و تجرد دمائها في وهن

لي

فأتمطى حتى تصطدم رأسي بالسماء

في قصيدته (كم ضاحاً لك يا ميرفت) نصبح بإزاء مجموعة من التنوعيات المشكلة للمتن المركزي للقصيدة، و كل تنوعية تحمل عنواناً فرعياً دالاً و يعد في الآن نفسه جزءاً من بنية القصيدة… في (التنوعية/ القصيدة) الأولى: (سيقول الأشرار إنني أتحدث عن ميرفت عبد العزيز بالتحديد) نرى استخداماً دالاً لتقنية الجمل المدهشة، و التي ينهي بها الشاعر المقطع، فيما يشبه التوقيعة الأخيرة و الحاملة لشحنة شعورية و انفعالية تحوي قدرة النفاذ إلى سيكولوجية المتلقي:

لم أحك لكم أمس عن ميرفت

و لا عن أعظم “قصة حب فاشلة في التاريخ”

و لا عن ملائكة بلا جناحين

لم أحك لكم بالأمس عن القتل و الدم و الجماجم

و الأحبة

لأنكم لم تكونوا هنا

تحمل التنوعية الثانية عنوان (ثم سيتساءل الأشرار و من هي ميرفت عبد العزيز؟) و قراءة العنوان تطرح إحداث مقاربة تأويلية في هذا السياق تتكئ على دلالة (الترتيب و التراخي) التي تمنحها (ثم)، و في التنويعة الثالثة/ الأخيرة (حتى يرتاح الأشرار) يبدو النص ثرياً بالدلالات، يحمل مقطعه الأول قيمة (المساءلة)، و الثاني معارضة الموروث (الصبر لم يعد مفتاحاً لأي شئ)…

و قي قصيدته المركزية (قوم جلوس حولهم ماء) يبدو (البحر) كدال يشي بالخلاص: (هل ابتعدنا عن البحر عن أنت السبب)، بيد أنه الخلاص الوهمي، و كيف السبيل إليه وسط حالة من الألم و الاختناق!! هنا تصير الكتابة تشكيلاً للوعي، و يصير جزءاً من جمالياتها قراءة الواقع على نحو مغاير، و تصير الاستخدامات المغايرة للعة أفقاً واعداً لتخليق صيغة شعرية مفارقة…

ـــــــــــــــــــــــ

نشر في مجلة مقدمة

Advertisements
 
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: