RSS

عين طفل تتجول بين فضاءين، قراءة في ديوان ” قوم جلوس حولهم ماء” للشاعر محمد ابو زيد

08 ديسمبر
جمال القصاص
عالم من فانتازيا الواقع، ولغة نصلية حادة، مفعمة بمشاعر الوحشة والفقد والألم، يظلل مناخات قصائد ديوان “قوم جلوس حولهم ماء” للشاعر : محمد أبو زيد، الصادر حديثا عن دار شرقيات بالقاهرة.
يتوزع أفق الرؤية في الديوان  بين فضاء المدينة بصورتها الجهمة وتناقضاتها المميتة وناسها الخبثاء الأشرار، وبين فضاء القرية مخزن الأحلام والشهوات الأولى، وصورة العائلة التي تتراءى  كبقايا غيوم منطفئة. وبعين طفل يتحرك الشاعر ما بين الفضاءين حاملا عذاباته وقلقه الفطري ، يموهه أحيانا بنثارات لدلالات وجلة و مرتعشة ، وأحيانا يحجبه منحازا إلى نور حنين يشع في داخله، تاركا لنا على الصفحة ظلا ساجيا لروحه، وحلما محبوسا في اندفعات شرايينه على لوحة العالم والواقع التي لا تنز سوى الحزن والكآبة.. يجسد ذلك قائلا:
“أحيانا
أنفخ في زجاج المترو
حتى يجيء البخار
فأكتب اسمي 
واسم قريتي بحروف منمنمة صغيرة
ترتجف من الصقيع
أحيانا أربت على المراكب الراحلة
وأنا أغمس عيني
في أكواب البكاء”
يواجه الشاعر مدينته بحزمة من التعبيرات الصارخة الصادمة، وتشيع في القصائد التضادات المتوترة، كما تنتمي الصورة الشعرية لغويا وبلاغيا لمفارقات  النتوء والشروخ والحافة.وتبدو القصائد أشبه بمرثية لشيء اختفى ، أو اندثر، أو ضاع، أو على وشك  أن يصير كذلك،ولكنها مع ذلك  تظل سلاحه الأعزل الوحيد حتى لصيانة هباء الذات. 
 في هذا الجو يعيد الشاعر الاعتبار إلى القيم المذمومة، فتطل دلالات ورموز الاحتقار، والابتذال والتقزز والاشمئزاز والقبح، ويوظفها في سياقات وصياغات ذات حيوية خاصة .. إنها مدينة تشبه الخرافة والمقبرة والأشباح حين يخاطبها الشاعر ويتحداها ويبادلها خوفا بخوف يكتشف أنها مجرد “قبور ملونة تصلح للدفن” بل إن عيون مصابيحها مفقوءة من كثرة “الجراد الذي يتجشأ الأرصفة” من كثرة “الأطباق التي امتلأت بالجماجم” وفي مرآتها دائما يرى نفسه “وحيد بما فيه الكفاية كدودة قز في فم ثعبان”.. ولا غرو إذن أن يخاطب ناسها الغرباء، بل يستعطفهم “أيها الغرباء/ أحسنوا/ ضيافة حزني/ فهو طيب كحمامة/ هادئ كصنم/ مسالم كميت”.
في هذا الجو يتكشف إيقاع المفارقة، ويتخذ شكل الضربات الخاطفة الواخزة، وتستحضر  الصور الشعرية الآخر بضمير الأنا المفرد، والعكس صحيح. ونلاحظ أن هذا الإيقاع- في الغالب الأعم- ينبع من شبكة العلاقات والدلالات والرموز التي تفيض عنها القصائد، كما أنه ليس شيئا ناتئا أو خارجيا مقحما عليها، وهو ما يكسب المفارقة حرارة السؤال الملتبس المتعطش لما وراء الأشياء والعناصر، ويعصم في الوقت نفسه، الرصد المشهدي من التململ فوق حافة الحالة، ويشده إلى فضاء أكثر عمقا، تومض فيه الطبيعة كمقوم فني وإنساني، له جمالياته، بل فوضاه الخاصة، وهو ما يعبر عنه الشاعر في إحدى القصائد موحدا ما بين حزنه والبحر قائلا:
” رمال ميته/ موج نذل/ مراكب محطمة/ صيادون غرقى/ هلب تخنقه الطحالب/ أسماك مسممة/ نفط سائل يلتهم  أحشاءك/ غربان تنعق فوقك وقمر يخيفك بفضته.. كل هذا وتقول إنك وحيد يا بحر”.
وفي استعادته لأجواء القرية، يميل الشاعر إلى الممازحة واللعب، ويتخفف من نبرة السخط والاستغراب في مواجهته المدينة، ونحس بأنه لم يعد غريبا محبوسا في وحدته، أو حتى قصيدته والتي تتخفف بدورها من التضادات المتوترة، وتبدو مغمورة برزاز فانتازيا رشيقة، ووعي شقي، كما تتري المفارقة بروح كاريكاتورية عذبة.. في هذا الإطار يلملم الشاعر ظلال بورتريه لجدته قائلا:
” جدتي منذ أن مات جدي تخشى الظلام
مع أنها في غارات هتلر لم تصرخ
عندما سقط الشباك صريعا تحت قدميها
ولم تخف طوال عمرها من الفئران والصراصير
والذين سرقوا بقرتها في السبعينيات ندموا كثيرا 
لانها قرأت عليهم “عدة ياسين”
أحدهم وجدوه منتحرا
والثاني لم يجدوه أصلا”.
ولا يتوقف أفق الرؤية في الديوان عند هذين الفضاءين، لكنه يشتبك ويتقاطع مع قضاءات أخرى، سواء في رموز أشخاص بعينهم مثل: سلفادور دالي،ويوسف شاهين، ونجيب الريحاني ، وسعاد حسني ، ومحمد منير ، وغادة نبيل .. وغيرهم.أو في إشاعة جو من التناص الشفيف مع  أشخاص مفترضين مثل شخصية ميرفت عبد العزيز. والطريف أن الشاعر لا يستحضر كل هؤلاء الشخوص من قبيل الفذلكة الشعرية، وإنما ليوسع مدار رؤيته بجعلهم نوافذ رحبة يتلصص منها على ذاته، ويفرح بلحظات شطحها ونزقها، حين تستعصي الرؤية أو تضيق العبارة عن احتواء ما يمور بداخله.إنه يشعر حينئذ بأن ثمة ورطة شعرية رشيقة وشجية تنعقد خيوطها بينه وبين هؤلاء الشخوص ، وليس مهما أن يفككها، بل المهم أن يلعب على خيوطها ،ويتلوها على نفسه كتميمة ضد الموت وشبحه الذي يسكن دائما خطاه، ويجعله يتخيل نفسه عجوزا ، يتسند بعكازه الهش على عتبته، منتظرا أن يلفظ الصرخة الأخيرة  في وجه حياة تزداد كآبتها كل يوم .وهو ما يجسده بتهكم وسخرية  في قصيدته ” ينادونني في الشارع : يا ميت ” حيث يناجي نفسه على هذا النحو :
” قل لي :
لماذا لم تنم منذ أسبوع
لماذا أنت محني الظهر 
بلا صديق أو حبيبة 
بلا عصا تدلك على الطريق 
بلا أسنان تصنع الابتسامة 
بلا هاتف يرن ليطمئنك أن في الحياة خيرا 
أم أن أربعة وعشرين عاما أكثر مما يجب ؟ “
من الأشياء المهمة في هذا الديوان الوعي بإيقاع المشهد، واختزاله في خطوط وومضات لغوية خاطفة أحيانا ، وأحيانا أخري تنداح رأسيا في تكثيف سردي محكم ،  يطرح الأشياء والعناصر في شكل سؤال مفتوح دوما على البدايات والنهايات ،لا يبحث عن إجابة أو يقين، وإنما يوحي لك بأن تعيش رقة المشهد وتتفاعل مع تداعياته وتعبث بظلالها، وتتحسس فيها حريتك وشهوتك الأولى .. يقول في إحدى القصائد:
” لم يكن يعرف يوسف شاهين 
ولا يحب الزيت في الطعام 
ولم يردد يوما كصوفي :
 ” لا تعترض فتنطرد ” 
لذا.. حين رأى الباب مفتوحا 
مرق خالعا حذاءه 
حتى لا يسمع نحيبه أحد “. 
يعضد هذا الإيقاع تعامل الشاعر مع المكان ونظرته إليه ككائن حي يتنفس الأزمنة والبشر والعناصر والأشياء ، وليس مجرد حيز ومساحة وجغرافيا،  إنه مرآة يتأمل فيها عزلة الإنسان ووحدته ، ومرثيته لذاته وواقعه  ، وهو ما تشير إليه قصدية التشكيل المراوغة في عنوان هذا الديوان الجميل، وما توحي به كذلك من سكونية مشمسة .
ــــــــــــــــ
نشر في جريدة الشرق الأوسط
Advertisements
 
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: