RSS

شعرية التغريب و الكولاج في قوم جلوس حولهم ماء

08 ديسمبر
 
طارق إمام

قوم جلوس حولهم ماء هو عنوان المجموعة الشعرية الثالثة لمحمد أبو زيد ,الذي يصدر نصوصها بنوستالجيا خاصة كلا تخلو من دلالة _هي أشبه بتصدير يحيلنا لسؤال شهير هو طبيعة الشاعر و دوره و جدوي وجوده : حزين لأني لا أبريء الأكمه و لا الأبرص ولا أحيي الموتي, لا أخبيء الديناصورات في حقيبتي من العواصف ,ليس لي جيوب أربي فيها المطر ,ولا عيون أعيرها للعمي… تبدو مفارقة الشاعر لدوره النبوي, لقدرته علي الإتيان بالمعجزات , لاختلافه عن بقية البشر وقد صارت مدعي للرثاء و للخيبة ..رغم أن الشاعر الحداثي و ما بعد الحداثي قد أعلن دوما أنه صاحب تلك الجفوة وصانع ذلك الخصام الذي أعاده لنسبيته و أعاد القصيدة لديمقراطبتها. بقدر ما يحمل لنا تصدير الشاعر مفارقة أولي ,بقدر ما تؤكد القصيدة الإفتتاحية مفارقة أخري.. رمال ميتة /موج نذل /مراكب محطمة / صيادون غرقي / هلب تخنقه الطحالب / أسماك مسممة / سفينة مشروخة / جثث بحارة فقراء و عمال عمي / نفط سائل يلتهم أحشاءك / غربان تنعق فوقك / و قمر يخيفك بفضته / كل هذا / و تقول إنك وحيد يا بحر؟ . المفارقة إذن ستسم كافة نصوص هذه المجموعة ,الذات الشاعرة تخاطب قوي الطبيعة كثيرا في هذا الديوان مستعيرة سمت الشاعر الرومانتيكي القديم, غير أنها هنا كو هذا هو الفارق ك لا تتغني بجمال تلك الطبيعة بقدر ما تبرز قسوتها التي تتحد مع عبثية العالم الراهن لتسحقا الذات. في هذا السياق تأتي المعارضات التهكمية لكافة قصائد الحب و تراثها : قصائد الحب تبدأ عادة بقمر يخنق حديقة /بعنكبوت يموت اكلينيكيا /بدمي يجر دبابتين / علي أسنان دراكولا.. .

كولاج……..

قصيدة محمد أبو زيد تتحقق من التكوين الكولاجي الذي يشكل تكوينات بصرية بعيدة عن سياقها الإتصالي الأصلي و هو ما يمنحها قدرا كبيرا من التغريب. و أحب أن أشير إلي أن هذه الطريقة في التكوين الشعري خافتة جدا في قصيدة التسعينيات و ما بعدها التي يقوم عالمها في جزء من فلسفته علي اعتماد اللغة التداولية مع استبعاد التركيب لصالح النزوع الي الحكي .السمة الأخري الجوهرية فيما أري هي استدعاء العالم الطبيعي بكثافة في هذه النصوص ,العالم الأسطوري للخرافة و الحكايات الشعبية و الذي يستدعي المخيلة الطفولية التي عاشته. لذا يتحول الكولاج في كثير من الأحيان إلي نصوص سيريالية تتآلف من مفردات متنافرة متباعدة تحيل النصوص لعوالم حلمية : يهوذا في درعه الواقي /يتسلق الأكسجين / ينظر ليوسف شاهين و يقهقه / يركل المطر بأظفاره /المطر الذي لم يجد من يمشط له شعره / وحله قاس و مدبب / يده تمتد إلي وجهي / فلا أجد عيني / فقط دمائي تتقاطر / ولا سمك يتعلم العوم . إن خبرات الثقافة و الموروث الإنساني و الجمالي تتواشج في عجينة ثقيلة تشكل هذه النصوص. العالم , في إحدي استقراءات النصوص المحتملة ,هو حشد من التفاصيل المبتورة التي و إن قدمت معان جزئية إلا أنها تظل غير قابلة للفهم ناهيك عن التصديق .و نصوص هذه المجموعة تخاصم المفردات المتعينة و الماثلة كخبرات تجريبية تشير لمرجعياتها خارج الأداء الشعري. من اللافت أنه حتي تلك النصوص التي تقترب من اللحظات القريبة اللصيقة بالشاعر , مثل إنني أتحدث عن ميرفت عبد العزيز بالتحديد , تخذلنا تماما..فهي متتالية من الإبجرامات البارقة التي تكثف عبرها الذاكرة الإستعادية للشاعر تلك اللحظات مراوحة بين ضمائر الأنا و الأنت الأنثوية , و الغائب و الأنتم الذي تتوجه عبره الذات بخطابها للمجموع. بهذه الطريقة تتخلص القصيدة من الخصوصية الثنائية لقصة حب عابرة و تحولها إلي مشهد درامي رمزي موغل في المجاز: كانت تخفي الإسفنج في عينيها / و كان وجهها يشبه البحر بكوفية خضراء / …/ قلبها يبين تحت البلوزة / به شوارع / و آباء يتامي / و مراكب من أوراق الصحف . التغريب هو حيلة هذه القصائد الأكيدة و مغزاها أيضا علي اعتبار أنه طريقة في رؤية الجود و منحي في قراءته.

المدينة

ظلت المدينة لعنة شعرية عند الشاعر الكلاسيكي ,نقيض للبكارة و الفطرة, غير أن المدينة كمؤسسة معقدة كانت المعادل الطبوغرافي لقصيدة النثر بقدر ما كانت الموازي الضروري لنشوء فن مثل الرواية. المدينة بناء درامي يقلق بالضرورة القصيدة الغنائية التقليدية كصوت مفرد و كبناء آمن من الإيقاعات القائمة سلفا. المدينة فضاء قائم طوال الوقت في القصائد . الشاعر الذي صدر ديوانه بإحباطه لهجره رداءه القديم, يبدو غنائيا حيال المدينة, المدينة التي لا تنبت عن شكل قصيدته الجديدة و التي أنتجت عالم القصائد المتشظي المفتت. يواجهها الشاعر فردا منسحقا , و طرفا في مواجهة ثنائية بين غريمين ينتظر كلاهما طعنة غادرة من الآخر. أيتها المدينة التي تخاف مني / أنا خائف منك / من عيونك التي بلا نوافذ /من عروق يديك التي ترتجف حين تصافحني / من أظفارك المطلية بدمي / لذا سأغزو الهواء لأصل إلي عينيك وحيدا.. . المدينة تستدعي لحظة أمان غادرت للأبد, و هي سؤال لا تقل أية إجابة عنه عدمية عن الأخري. المدينة في القصائد تطل برأسها عبر لافتاتها الكبيرة : أسماء مقاهيها و منتدياتها الثقافية و شوارعها, الباصات و عربات المترو و دور السينما و البارات. أيقونات زائفة تخفي خلف وجوهها الخواء و الموت. المدينة تتكالب كل مفرداتها لتحرم الذات حتي من إلقاء نظرة علي الحبيبة : المصعد الذي تعطل / لم أكن أستخدمه / لأنه منذ زمن / لم يرد علي تحية المساء / أو يدعوني إلي منزلي/ سرق معطفي / طعام قطتي/ و أوصي التاكسي/ الذي لا يسير/ أن ينطلق بسرعة هذه المرة / حتي لا أري عينيها خلف الزجاج’.

المدينة لا تكتسب بعدها الإنساني بإضفاء الحياة علي مفرداتها الصامتة إلا لكي تأتي علي الذات و تنال من عالمها الفطري و الطبيعي. الذات تصنع بالتالي نصها الذي يحاكي المدينة كشبكة علاقاتية و تفاصيل مبتورة, بقدر مايقدم عبر متاهته تلك خياله الخصب الذي ينقض طبيعتها البراجماتية و عالمها المادي. و ربما اكتسب العنوان الذي يلم شظايا هذه القصائد: قوم جلوس حولهم ماء قدرا من دلالته في اعتماده عبارة تحيل لعالم لا يخلو من بدائية يحيل إلي طمأنينة ما..حتي لو اعترفنا أنها محض خدعة لن يكتب لها أن تحيا طويلا.

ــــــــــــ

* نشرت في أخبار الأدب

Advertisements
 
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: