RSS

التشكيل وشهوة الإعجاز في النص الرسالي في ديوان ” قوم جلوس حولهم ماء ”

08 ديسمبر
هاني نسيره . كاتب وإعلامي مصري
” الإنسان نسخة جامعة للموجودات .. وفيه من كل موجود حقيقة  “
ابن عربي في  ” كتاب التجليات “
إن الإبداع  ليس تشكيلا في أيدولوجية ولكنه أيدولوجية في تشكيل ، فهو يبطن رؤاه داخل تشكيلاته المراوغة التي من إطارها الواسع والفوار من التكوينات والتراكمات الزمانية والعمرية والمكانية  التي غادرت عالم المباشرة  والتكرار نحو آفاق المبطن الإنساني  والكامن المتوقد  فيه نتيجة  مدخلات  وعيه ولا وعيه ، لتخرج تشكيلا جديدا وخلقا مختلفا يحمل حمأة الانصهار بين المتضادات والمفارقات وتفجير المعنى الخاص والمفتوح والنسبي من  لقاءاتها الكولاجية الجديدة . وتأتي هنا أهمية تفجير المعنى والخاتمة المفتوحة التي تمثل – في رأينا – حقيقة الإبداع وديناميته المعاصرة ، وإن بدت في نظر من يرون ضرورة التوالف والتوافق الحميم بين مفردات الجملة الشعرية بل وكل القصيدة وربما الديوان الفرض الواجب لدخول جنة الشعر و الشعراء ، وما هذا إلا  قصر  وكسر لأجنحة الحلم عن الانطلاق  ، وقصر لمهمة النقد على الوصف وكذلك تثبيت الفهم عند مستوى المبدع ، وما الإبداع إلا إعجاز مغاير ومتجاوز لمستوى الفهم المعتاد  ، وإذا كان – كما يريد – أنصار هذه النظرة فما هو إلا تشكيل في أيدولوجية  هي أعلى منه صوتا حيت هيمنت على كل من التشكيلين الداخلي الكامن والخارجي الظاهر  وبدت حقيقة الأيدولوجية أكثر وضوحا من مراوغة التشكيل في النص الإبداعي نفسه  ، كما يغيب تفجير المعنى وتساؤلاته ، لتحضر الرؤية الأيدولوجية – وكل رؤية أيدولوجية مؤقتة  – ولكن الشعرية الحديثة هي شعرية التساؤل وتاكيد الصيرورة في الكون وفي العالم الذي يبحث عن المعنى منذ خلقته ، المعنى التفصيلي الذي يستعصي على الحسم مطلقا ، والكلي الذي لا يستحق كليته ما لم يكن قابلا للتساؤلات على تعبير محمد إقبال  ،  مع تقديرنا لقول تنيانوف من أن الظواهر الأدبية تتجاور ولا تتعاقب ، أي لا يمكن أن يزيل قديمها جديدها ولا العكس .
التحدي والمراوغة
كانت هذه المقدمة ضرورية قبل ولوجنا لديوان ” قوم جلوس حولهم ماء ” للشاعر محمد أبو زيد ، هذا الديوان الذي يتحدانا منذ عنوانه  ” قوم جلوس حولهم ماء ”  ويتحدى تصوراتنا القديمة عما هو الشعر ، وعما هي الصورة ، فهو عنوان دأبت ذائقتنا الشعرية على رفضه وشجبه  ،  وجعلته  مضرب الأمثال على من شبه الماء بالماء أو سخافة التصوير كما يقول أهل الأمثال  . قصة ” قوم جلوس حولهم ماء ”  أن جماعة من الشعراء إلا واحدا ليس بشاعر ، وسط البحر ، وأرادوا أن يصف كل منهم موقفهم ، كنوع من المباراة الشعرية العربية القديمة ، فأجادوا وقالوا ثم ألحوا  كل إلحاح على من ليس  بشاعر أن يقول ويصف حالهم ، فقال هذا البيت التقريري الذي لم يضف عجزه إلى صدره شيئا بل زاده رتابة على رتابته  :
كأننا والماء من حولنا .. قوم جلوس حولهم ماء
وصار مضرب المثل فيمن لم يضف قوله شيئا حيث شبه الماء بالماء .
ولكن محمد أبو زيد  أعلن تحديه  حيث أتي بالبيت كله وبين شطريه أتي بباقي أجزاء الديوان ، فقد قسم ديوانه أقساما  ، جعل القسم الأول بعنوان الشطر الأول ” كأننا والماء من حولنا ” وجعل عنوان القسم الأخير  عنوانه الشطر الأخير ” قوم جلوس حولهم ماء ”  وعلى الضفتين كان الشعر  بطريقته وتشكيلاته الكولاجية المراوغة  .. وشهوة الإعجاز الكامنة  في هذه الديوان كما نسميها .
انفصل الشاعر بسياقاته ، كما اختلف بتشكيلاته معلنا  أن الشعر كامن في المباشرة أحيانا ، وأن الجلوس ” هذا الفعل الاستاتيكي ” قد يكون شعرية دينامية فوارة .
تحد مبطن  وكامن  – بطول الديوان وعرضه –  لشهوة الغرابة والاغتراب التي أدمنها بعض بل كثير من شعرائنا الحداثيين  ،  يتلبس الشاعر تحد ومراوغة رغم ادعاء وظاهر  الطفولة ، التحدي بخلق عالم أشياء مختلف يجد فيه معنى لا يجئ ويظل يبحث عنه طول قصائده ، والمراوغة في نفس الوقت حين  يتلبس مع تحديه  لباس العجز الذي ربما  تسكنه حقيقته  . إنه في تصديره
 ” حزين لأني لا أبريء الأكمه و لا الأبرص ولا أحيي الموتي, لا أخبيء الديناصورات في حقيبتي من العواصف ,ليس لي جيوب أربي فيها المطر ,ولا عيون أعيرها للعمي…” إنه حزين لأنه يطمح لدور النبوة والإعجاز والخلق  ” أحيي الموتى ” والقدرة  ” يخبئ الديناصورات في حقيبته أو جيوب يربي فيها المطر ”  لكنه طموح إنسان كبير مصر على أنسنة الوجود وأنسنة العلاقات فهو حزين أيضا لأنه ليس له ” عيون  يعيرها العمي ” ولا  ” مقاعد فارغة يهديها للعاشقين ” ربما فهو مشتاق ومحتاج ذلك حيث ليس له ” حبيبة ولا أصدقاء ، ولا قصائد راقصة ” إن قصائده أعمق دائما من مشاهداته ، إنها استبطان وجودي لمعنى الحياة والكون والعالم بل حتي القصيدة والحبيبة ، في تشكيلات بصرية تبحث عن معنى وتسائل المعنى الذي نبحث عنه جميعا  .
 الشعر عند شاعرنا   إعجاز ومعجزات يفجرها حنين لا يخلو من رومانسية ، نسميها رومانسية مقاومة ، بها الحزن والرغبة وشهوة الإعجاز المغير للعالم وليس المفسر له ،  ولكن يجعل الأشياء والتشكيلات القائمة على آليات  المفارقة والتجاور بين المتفارقات والمتضادات وجملة الدهشة وتفجير المعنى والرسم الكتابي ” بعض المفردات تكتب بالإنجليزية كما هي ”   كل هذه آليات حاضرة في بناء جملته الشعرية المصرية على التحدي والمراوغة في آن واحد . يبدو أن الشاعر كان مؤمنا بقدرة
نجده في قصيدته ” أثناء عبوري الطريق ” يقول مثلا “
أثناء عبوري الطريق
سلفادور دالي رسمني في المرة الأولي
برجا من الحمام
في المرة الثانية
رسمني قبائل من الهمج
في المرة الثالثة
رسمني سحابة بلا أجنحة
في المرة الرابعة
لم يرسمني
فقد مات أحدنا “
هنا يحضر سلفادور دالي والسيريالية بشكل ما ، ولكن تتضح رغبة أبوزيد في تفجير المعنى ففي المرة الأولي – وقد استحيا سلفادور دالي – يرسمه الثاني برجا من الحمام .. أهو الحنين للطفولة عند الشاعر القادم من جنوب الصعيد المصري ، أم أنه حنين النص الرسالي للسلام والحب والحميمية الإنسانية بين دالي ” الميت الحي ” وبيننا نحن الأحياء وبين الجميع .. برجا لنا جميعا .. وفي المرة الثانية رسمه قبائل من الهمج .. أهي حمأة المراهقة عند الشاعر الفرد .. أم هي حال المراهقة العامة حين صرنا همجا في ظل الهيمنة الداخلية والعولمية والاستهلاكية .. يكون البقاء فقط للأصلح .. وهنا نحتاج الأنبياء والرسل ثانية .. أما في المرة الثالثة فقد رسمه دالي ” سحابة بلا أجنحة ”  أهو الحلم المكسور  أم الغيث المنتظر الذي لا يجئ ، إنه الحلم في النص الرسالي .. الذي يجعل الشاعر يبطن الرومانسية في القصيدة الحديثة .. فيجاوز بعض غيومها المتشظية بعيدا عن الهم الحالم كما غادر المعنى المغلق عند العموديين أو شبه المفتوح عند بعض شعراء التفعيلة . ولكنه في المرة الأخيرة مات أحدهما : أهو شاعرنا أثناء عبوره الطريق أم سلفادور دالي .. أم اللقاء بينهما !
جدلية التحام وانفصال :
قرر الشاعر ربما منذ بداية عنوانه ” قوم جلوس حولهم الماء ” على انفصال المتـأمل ، فبينه وبين الأشياء مسافة المتأمل ، ولكنه ملتحم بها ” كأننا والماء من حولنا  ”  إن آلية الالتحام والانفصال آلية المراوغة الواضحة عند الشاعر نلحظه في مختلف قصائد الديوان ، التحام بالأشياء وقدرة على التشكيل فيها ومنها ، وتأمل من هو داخلها ” قوم جلوس حولهم ماء ” إنهم كلنا ، ولكن أبا زيد من بيننا اختار التأمل الملتحم الطامح نحو خلق الأشياء وتغييرها بل وقلبها على أعقابها – وكلها تستحق – إلى الانفصال فهو ليس سوى جالس ، ألا قتل الله من أجلسه فقد رأي هناك وفيها :
رمال ميتة / موج نذل / مراكب محطمة / صيادون غرفي / هلب تخنقه الطحالب / أسماك مسممة / سفينة مشروخة / جثث بحارة فقراء وعمال عمي / نفط سائل يلتهم أحشاءك .. ” إنه عالمنا يا محمد وإن لم تقل لنا ، ورغم أنك في قصيدتك جلوس حولهم ماء تراوغنا بأنك تصف البحر .. نعم إنك تصفه .. ولكن لنسمع  نحن .. إني أفهمك .!
بحث عن الحسم :
وفي قصيدته الثانية في الديوان ” حبل غسيل مصلوب دمه ينقط على المارة ” متى يكف عن التنقيط كأنها الحياة .. هنا الشاعر  يحب ويكره  ” أحب الورد ” ولكن لسبب غريب لأنه يذكره بالموت .. نعم لم تعش ورده له كل الحق .. ولكن تذكر الموت هو علة الحب وليس حب الورد معلولها ، لماذا  لأن الموت كما قال في قصيدته ” فستان حمل لامرأة شبه متزوجة ” لاحظ توتر التعبير  ومشاكلته ، قال إنه هتف بعد أن وصف حالنا “
وأنا هنا بعد أن انصرف الباص
أنادي : القيامة .. القيامة .
الموتي : صفوف طويلة طويلة
ربما أطول مني ” أكثر حياة “
يعرفون الحقيقة كاملة
ولا يصرحون ..
” نعم فهناك فقط يتكلم الإله “
 ، لكنه يحب الورد الذي يذكره به الصمت الذي رأته فيه جارته حتى تصورته تمثالا .. ” . ويحكي أبو زيد في هذه القصيدة أنه مرة ” تاه ” ولم يجد نفسه في صفحة الوفيات .. ولكنها لم تكن مرة ولكن ثانية وثالثة ففي الثانية وجد نفسه بعد ثلاثة أيام .. وفي الثالثة أخذ حذره ووجد نفسه تمثالا يريد أن يبكي ولا يجد دموعا .. أتريد أن تقول لنا إننا نموت كل يوم يا محمد .. وأن البكاء هو معنى الحياة .. وأن الصمت هو الورد .. وفي آخرها صاح محمد فرحا بالغرق .. إنه نوع من الحسم بعيدا عن الحسم المزيف الملموس في أوسمة قتلي الحرب والسفينة المثقوبة .
المدينة تخاف من .. القصيدة … الرسالة .
النص الرسالة يحن للفطرة والبداءة .. فالمدينة .. السوق الكبير .. صراع القوى والسلطات … تخاف الفظرة التي تخافها .. تخاف الأنبياء ، وهم يخافونها ،  لذا تخرج الرسالات في هوامشها وضواحيها البعيدة ، ولكن متى أدرك الرساليون الخوف انطلقت هممهم بالمغامرة والغزو ، فأول الطيران نفضة الريش الخائفة ، هكذا الشاعر في قصيدته ” قبور ملونة تصلح للدفن ” يقول الشاعر للمدينة مطمئنا ” أيتها المدينة الخائفة منى أنا خائف منك ” من كل أشيائك وزاد ” لذا سأغزو الهواء لأصل إلى عينيك وحيدا وأنا أحسب المسافة بين قامتى والشرفة ” وفي هذه القصيدة للأشياء والكائنات وظيفة وشكل مختلف عند محمد أبو زيد فالشمس : لم تعد تمشط للحجرة حزنها ، وآية الكرسي المعلقة على الحائط لماذا لملمت ملابسها / والأطباق الممتلئة بالجماجم تلهمه الجوع ” ..ولأنها كذلك كان شاعرنا ” وحيدا بما فيه الكفاية كدودة قز في فم ثعبان ” ولكن مهما هزمته الوحدة وتخلي الأشياء عن وظيفتها إلا أنه يتذكر أحيانا استسلامه لها ضعفا أمامها أحيانا : يصادق عيون المصابيح المفقوءة / والجراد الذي يتجشأ الأرصفة / والشوارع السكرانة التي تمط شفتيها ثم تطلب كأسا من الخمرة المعتقة ” ولكن لا يستسلم أبو زيد الشاعر النبي – بتعبير شلي – فأحيانا أخرى يقول :
أحيانا
أنفخ في زجاج المترو
حتى يجيء البخار
فأكتب اسمي
واسم قريتي بحروف منمنمة صغيرة
ترتجف من الصقيع
أحيانا أربت على المراكب الراحلة
وأنا أغمس عيني
في أكواب البكاء».
فالشاعر يعلم أنه يبكي فليس من قدرته  مجاراة النزق والكذب السائد في شوارع المدينة – الوطن –بما فيه القرية باستثناء اسمها –  فهو فقط ” يريد أن يعيش ” أحيانا –
فقط أريد أن أشتري بعض الكذب لفمي
وبعض التثاؤب
كي أستطيع أن أرقد على أرصفة لا تشتهي العصافير ” ولأنه عصفور لم يشته الهبوط على هذه الأرصفة .
أجنحة  ميرفت عبد العزيز :
اتخذ الشاعر رمزا لحلمه في القسم في القسم الثاني من ديوانه ” كم جناحا لك يا ميرفت ” والذي كان نموذجا واضحا للمراوغة وتفجيرات المعنى عند الشاعر ، والذي ضم عددا من القصائد هي : سيقول الأشرار من هي ميرفت عبد العزيز ؟ و ” ثم يتساءل الأشرار من هي ميرفت عبد العزيز ” وأخيرا حتى يرتاح الأشرار ثم قصيدة  الجستابو ” اسم جهاز المخابرات الالماني – والتي يوحي بانفتاح التساؤل .. لأننا كما يريد الشاعر أن يؤكد لنا وكما أرادنا أن نكون مثله حين قال : أيتها السماء التي رعتنا طويلا حتى عرفنا ميدان العتبة وال Pass Word  . وطعم الدماء ,, هل يجب أن نتعذب طويلا حتى ترضى عنا القصائد ” نعم يجب أن نتعذب طويلا حتى ترضى عنا القصائد .
ميرفت عبد العزيز التي قال إن الأشرار سيقولون إنه يتحدث عنها بالتحديد في قصيدته بهذا العنوان ، قصة حب فاشلة كما حكى لنا الشاعر في قصيدته ” أعظم قصة حب فاشلة في التاريخ ، من أوصافها أنها  ملائكة بلا جناحين – عيناها تشبه عيني ناجي العلي –  وابتسامة جوليا روبرتس – قلبها يبين تحت البلورة – عيناها تشبه نساء القرن الخامس عشر – تشبه السفائن التي تخرج من حواديت جداتنا  “هذه أوصافها غير المحددة ولكن من هي ميرفت تحديدا ؟ ظل يراوغنا ولم يحددها ولكن حتى يرتاح الاشرار هل هي التي غني لها يا مسافر وحدك وفايتني ..ظل يراوغنا الشاعر .. هل هي حب مات منذ ثلاث سنين وخلف الحزن الذي لم يكن يذكره ، وختم : افتحوا الأبواب .. لقد اختنقت . هل هي يهوذا كما كتب في قصيدته الأخيرة من الديوان دون أن يذكرها ربما ..إنه مصر على مراوغتنا . !
وصية الجبل أو النص الرسالة   :
إن الشاعر واحد من الغرباء – النزاع من القبائل والقرى – بل عله زعيمهم الناصح فوق الجبل في قصيدته ” جثث وحيدة  ” التي كتبها في فترة الصدمة بين عامي 1999 و 2000  يدعو الغرباء من الأصدقاء الأقرباء والمريدين – هؤلاء الطيبون كسحابة سرقت منها الأجنحة ، قائلا لهم : أحسنوا ضيافة حزني .. فهو طيب كحمامة هادئ كصنم ، مسالم كميت ” وظل الشاعر يلقي بنصائحه ووصاياه _ عله كان قبل رحيل مؤقت أو صلب مؤقت – والتي اختصرها بقوله ” أيها الغرباء أشغلوا في ذاكرتكم النسيان ” ، وكذلك الإصرار على البراءة هذا مصدر قوتنا يا سادة .
إن رومانسية الشاعر في هذا الديوان رومانسية رفض ، وهل كانت كل اليوتوبيات والأيدولوجيات والفتوحات إلا تحت دعاوي رومانسية كبيرة شرقا وغربا ، يمكن اكتشاف هذا النوع من الرومانسية في قصيدته ” فستان حمل لسيدة شبه متزوجة ”  تلك السيدة التي مات زوجها في الغربة عاري الرئتين وبلا لسان في فمه … سافرت تاركة خلفها ثلاجة كريازي ونقودا مستوردة ومحبة مثابة بالسكر ” ثم يتساءل لماذا صرنا قساة إلى هذه الدرجة ، لا نضحك لإشارات المرور ، ننهر الفئران في أطباق الطعام ، نركب المترو بلا رحمة ، إنه نبض اجتماعي رومانسي ف ” الطريق إلى الكيت كات يمر حتما بإبراهيم أصلان ” إن المشكلة التي يلح عليها هذا الشاعر الرومانسي الرسالي هي أننا كما يقول في نفس القصيدة ” لم نعد بشرا بما يكفي ” ويحذرنا أننا  ” سنصطدم في زحفنا بالدمامل والقيح ، سنأكل جثث الذين مازحونا حتى التي غادرها زوجها ” . وفي قصيدته ” مقصوفة الرقبة ” التي يحتويها القسم الرابع الذي عنونه ” سوف أهذي ”  يأتي لنا الشاعر بما يؤكد هذا التحدي المراوغ والشبق الرسالي في عمله الشعري  رغم أنه يقول إنه يهذي ، يقول :
اسمي نسيته
لكني لص في المغارة ,
زوجك سرق دميتي
جرائدي
جوربي الوحيد وفرشاة أسناني ودخل التاريخ “
هذه الأشياء من سرقها منه دخل التاريخ ، ولكن هل من يهذي يستدعي مقصوفة الرقبة لتكون كلنا الأمة والناس حيث يقول :
أنا ابن الصدفة / صديق الكوليرا / الغيوم حزني المفضل .. ضال ومذنب وأكتب الشعر .. قدور عسلي مثقوبة .. والعسس يضحكون ” إنه يهذي ولا يهذي .. من حقه أن يخاف من مرجانه وعلى بابا كما يقول … من حقه أن يخاف من الأسطورة .. من هذه اليوتوبيا التي أورثتنا الحزن والجحيم – رغم أنه يسرد بعضها علينا – فجدته منذ مات جده ” تخشى الظلام مع انها في غارات هتلر لم تصرخ ” . إنه البحث المستمر عن المعنى والتساؤل ومراوغات الإجابة والتشكيل المتنوع المتلصص كما كان في قصيدته ” تلصص ” حين يسرق المعنى من الآخرين ، هذا المعنى الذي لا ينجح في اقتلاعه الجستابو نفسه لو استعيد كما كان في حديثه المكرور عن ميرفت عبد العزيز التي لم نعرفها ولن نعرفها – نحن الأشرار – رغم توالي حديثه عنها .
 في هذا الديوان . نجح الشاعر في الجمع بين اليومي والآني والطبيعي ، في الطرقات  والقطارات والمترو ووسط القاهرة وبين الكلي الإنساني من جهة اخرى ، وما الإنسان كما قال ابن عربي سوى نسخة جامعة لكل الموجودات  .
Advertisements
 
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: