RSS

هاجس الموت في شعر محمد أبو زيد

07 ديسمبر

صافي ناز كاظم*

شاعر شاب من مواليد 4/ 5عام 1980 ،  يصدر له ديوانه الأول بعنوان ” ثقب في الهواء يطول قامتي ” ، ولا يغادره هاجس ” الموت ” في صفحة واحدة .الحزن من أدوات الشعر المعروفة ، خاصة عندما يكون الشاعر في مقتبل العمر ، لكن لماذا “الموت ” ؟

الحزن في الشعر احتجاج ، ولعله من دلالات الحياة القوية ، لكن  “الموت ” شيء آخر  هذا الشاعر الشاب محمد أبو زيد أقرأ له لأول مرة . طبعاً لا بد أن يكون ” لأول مرة ” ، فهو “كله” لم يتعد الثالثة والعشرين . في مثل عمره كنت حزينة  ولكني كنت أسمي حزني : ” الحزن الأخضر ” لأنني كنت غاضبة من “الموت ” ، من الأوراق الذابلة التي تزحم الطريق وتقف عائقا أمام “انطلاقات ” الشباب . صحيح أنني كتبت مرة ” قلبي يحدثني بقرب منيتي ” ولكني أعترف أنها كانت كلمات ملفقة عن هاجس لم أستشعره حقا وأنا في تلك السن التي كنت قد بلغت فيها السابعة عشرة . لكن “محمد أبو زيد ” جاد في مصاحبة ” الموت ” ومرافقته ومطاعمته وارتشاف القهوة معه وهو يسأله :

”  هل فنجان يتيم من القهوة السادة يكفي لرتق كل الهموم  ؟ ” ، ” محمد أبو زيد ” زاهد في الترف ، ولا يكترث كثيراً بفروق الطبقات فهو يحب أن يسير في البرد بقميص خفيف على البدن ، وسعيد بكونه من أحياء القاهرة العريقة ، نعم انه لا يعير ملاحم الحقد على المتخمين  بالثراء والدفء أي اهتمام ، هو فخور  بأنه غير متخم وغير متدثر ، لكن ثمة افتقاداً ميرا  ً يسحبه تجاه التكلم بـ ” الموت ” الذي هو لغته الأم ومفردات ” حياته ” اليومية التي يقول فيها : ” كل يوم ، أقف على ناصية جسدي ، أقزقز السحابات المارة ، وأرص البيوت المنشورة ، على أحبال الغسيل في جيبي ، وانتظرني لكنني دائماً لا أجيء ” . ثم يكمل في فقرة ثالثة  : ” عليك أن تموت جيداً ، في المرة القادمة ، فيما جامعة الدول العربية ، تفتح عينيها وتصرخ مرهقة ، ذا  دث  إز  وات دث  دز  ….. ” ، والسطر مكتوب في ديوانه بحروف اللغة الإنجليزية ويعني ” الموت هو ما يفعله الموت “! إنه يمضغ كلمة ” الموت “

بلذة من وجد في ذلك حريته : ” شارع عبد الخالق ثروت ، منحني اليوم هزيمة جديدة ، هزيمتين ، ثلاثا . المطر كان يرتعش من البرد ، والغيوم القديمة كالصحراء ، كانت تخلع منظارها الطبي ، وتحدق في ترقب ، وثمة هزيمة جديدة ، تتدحرج على الأرض ، تتسلق بنطلوني الأزرق . بلا أصدقاء كان الشارع ، وكنت أنا وحيداً ، فسرنا معاً ، إلى صحراء نائية ، وهناك سفك دمي ، العفاريت ضحكوا حتى أدموا الرمال ، والثعابين التي تزورني في كوابيسي ، وأخشى أن أحكي عنها ، مازالت تتسلل إليَ من تحت الوسادة آهٍ يا … ، يا من ؟ ، ؟؟؟؟ !! ثمة هزيمة جديدة قادمة إليَ ، لا داعي لأن أشد المعطف على صدري فهي الآن نائمة في نخاعي الشوكي ، المقاهي وحيدة ، ترتعش كحشرة مقلوبة ، الفناجين تبتسم في بلاهة ، النادل ….، معلق في ميدالية المفاتيح ، حتى أنا لا أعرف ،…. كيف أتم هذه القصيدة ؟! ”  كتبها وهو في العشرين هكذا يؤكد التاريخ عام 2000 ، كل جملة تنتهي بفاصلة من عندي هي عنده جملة في سطر ، هذا ما يسميه بعض النقاد

” قصيدة النثر ” وأرفض المصطلح بشدة لأن ” الشعر” لا يتم تعريفه بالنثر ، كما أن ” النثر ” لا ينتحل لنفسه لقب “الشعر ” . ما يكتبه محمد أبو زيد هو ” الشعر” . بلا أي تردد من جانبي . حين أعطاني ” ديوانه ” أو ” كتابه ” هذا قلت له ربما أجلت قراءته بعض الوقت ، وعندما حاولت أن أجسه قبل التأجيل وجدتني قد التهمته وقد رفَت على وجهي ابتسامة ، فقد نجح في أن يزيح عن “الموت” الجهامة والكآبة ويجعله صديقا وحتمية متلطفة تنقلت معها عبر 17 قصيدة بعناوين : ” أخطط لاغتيالي “، ” هل فنجان يتيم من القهوة السادة … “، ” إضاءة خافتة بعض الشيء “، ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” ، ” عائشة ” ، ” هل ثمة داع لأن يمر الهواء من هنا ” ، ” أين هاميس يا بابا نويل”، ” البعيدون “، ” المطر بمحاذاة البكاء “، ” هزائم تليق بي “، ” أكمام قصيرة لا تصلح لرداء منزلي “، ” ابتداء من اليوم الثالث عشر بعد انفجار الموسيقى “، ” ليس حتماً … لكن أحياناً “، ” حزن يلائم النعناع “، ” أُف … “، ” نصف تاريخ أزرق ” .

هذا الفتى الشاعر ، بهاجس الموت ،سري عني رغم صعوبة هذه الأيام ، حتى وهو في ” أُف … ” أذهب عني الغم وهو يقول : ” دائماً دائماً ،تسألني إشارات المرور ، وصحف المعارضة ، وكلية التجارة ، كيف حالك ؟ ، أرد ميتا لم أمت بعد “، وهو يقول : ” أتحسس حافظة نقودي ، عند مروري ، أمام البنك المركزي ، دائماً دائماً ، ….،….،….،يااااااه ، كل هذا الملل ؟ “، وهو يقول في ” حزن يلائم النعناع ” : ” هل كان يجب أن أرحل ، حتى أدمن الحبوب المنومة ، والموت ، وأم كلثوم المذابة في الشاي ، حتى أساوم الأرض عن جاذبيتها ، لأطير هكذا ، بلا جناحين ، في الضباب الملائم لموته رومانسية ؟ “

وهو يقول في ” نصف تاريخ أزرق ” : ” نهاية أخرى غير هذه النهاية ، أريد أن أبدأ بها القصيدة ، لكنهم ذهبوا ، ـ كعادتهم ـ في الصباح تركوا ملاءات السرير مبعثرة ، فناجين القهوة نصف ممتلئة ، البيض على النار قبل أن يسلق ، الخبز دون أن يمس نسوا مفتاح المنزل متعمدين ، وقالوا إنهم عائدون ، أنا   ــ الأحمق ــ  صدقتهم فلم أعبئ الهواء بأطيافهم ، لم اعلق أصواتهم على الجدار ، لم أشد على أرواحهم بحرارة ، وابكي ، فقط أهرول حتى الباب مندهشاً ، بجلباب أبيض …. فضفاض …………أفلت من عيون أصدقائي ، لأكتب نصف قصيدة ، وأظل هكذا إلى الأبد بنصف يد ، أختبئ من البيوت التي بلا سقف ، والأزواج الغائبين ، وعربات الاسعاف ، وقصر بطول ثلاث محطات مترو ، رحلوا في الصباح ، كان الموت يمر بكرش حكومي ، يترجرج أمامه كخضاضة ، وعينين حمراوين ، عصا سحرية ، خبط بها على الحناجر وصاح ، جلا …جلا ، فطار قلبي ، رحلوا في صباحهم في مسائي ، لأنتظرهم ــ بعد انتهاء القصيدة ــ أمام روحي ، بأردية خضراء زاهية ” .

ما اغرب الشعر الذي بإمكانه أن يصنع ــ حتى من ” الموت ” ــ جمالاً يغسل القلب بالعزاء .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر في جريدة صوت الأمة 2004

Advertisements
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: