RSS

هاجس الطيران في ديوان ثقب في الهواء بطول قامتي للشاعر محمد أبو زيد

07 ديسمبر

هاني عبد المريد

نسمع كلمة ” أبو زيد ” فيرد إلى أذهاننا دوماً صورة رجل كث الشارب ، طويل ، مفتول العضلات ، وعندما نرى الشاعر محمد أبو زيد ، نصدم في كل ما سبق ، فنرى شاباً مرهف الحس والجسد ، أحب أن أطلق عليه دوماً ـ دون مبالغة ـ مسيح العصر، لديه قدرة هائلة على التسامح والمحبة ـ المحبة الحقيقية ـ للبشر والحيوان والنبات ؛ المحبة التي تفيض فيوزعها على كل الأشياء ، فيحب الطقس أياً كان ، يسير ليلاً تحت المطر وحيداًَ مستمتعاً ، لا يستخدم المواصلات إلا في أضيق الحدود ، فيتجول بين أحياء القاهرة ـ على بعدها ـ سيرا ، متأملاً في وجوه الناس والأشياء ، وحبات الحصى.
هذا الحب الذي جعله يقول
” حضني يسع للكثيرين
أسير كالمتشردين
في أفلام خيري بشارة “

وجعله أيضاً يكون كراهية لعدوه الوحيد ، الذي يبعده عن الأحبة ” الموت “
وجدت كراهيتي
لليهود وللجنازات اللامعة
وللعربات المسرعة
وكلها دوال للموت الذي جعل الحزن هو الشعور الطبيعي والأثير لدى الشاعر فيحدث نفسه قائلاً :
أيها الأحمق كفى ..
كفى
فقط ابك
فشكلك ليس جميلا بالمرة
حين تضحك

ولكن سرعان ما تطغى طبيعة أبو زيد المحبة ، فلا يبقى على كراهية الموت بل يخلق بينه والموت ذلك الحد المسحور ، يقف في منطقة لا نعرف معها هل يواجهه أم يتمناه ..
هل يملك من المكر ما يداهن به الموت ، أم يتبع ما أتبعه أجداده القدماء عندما قدسوا كل
ما يخفيهم ؟
أبو زيد في ديوانه الأول ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” يغزل على وتر الموت .. وتر
وحيد ، لكنه استطاع أن يعزف عليه كل الألحان وهذا هو سر الفرادة في هذا الديوان ،
أنه استطاع أن يؤسس فعل الحياة من فعل الموت .
بعد هذا التقديم الذي يبد و طويلاً ، سننفذ إلى الديوان ، بل سنتوقف قليلاً أمام العنوان :
“ثقب في الهواء بطول قامتي ” .
هذا الثقب الذي حدث نتيجة لصعود جسد الشاعر ، مغادراً الأرض بكل ما فيها من نفاق
وفناء إلى رحابة السماء وصفائها ، وكأنه يود التأكيد على أنه المسيح الذي يرفع
مضحياً بنفسه من أجل سعادتنا ، وتعاطفاً مع :
” حزن القصائد اليتامى
والأطفال الرضع
وأبناء بائعي العرقسوس
وإن كان يبدو حزيناً لأنه منح عذاب وتصحيات المسيح دون أن ينا ل معجزاته فيقول
في قصيدة ( هزائم تليق به ) :
أنا حزين لأني
لا أبريء الأكمه ولا الأبرص
ولا أحيي الموتى
ليس لي جيوب أخبئ فيها المطر
ولا عيون أعيرها للعمى
ليس لي حبيبة
ولا أصدقاء
ولا قصائد راقصة
محمد يقبل على الموت بإرادة ووعي كاملين ، بل ويخطط لذلك ( أخطط لاغتيالي ) .
ومن مفردات الخطة اختياره للوقت المناسب للرحيل :

” ……. إن هذا الوقت
مناسب جداً لأن أحزن
مناسب جداً لأن أبكي
مناسب جداً لأن أموت
يفعل ذلك أيضاً بحب ، حتى أنه في لحظة صعوده ، سوف يلوح للملائكة ، ويعانق
النجوم ، والمارة .. غير ناقم .
ربما كان الموت أيضاً هو طريقة لتحقيق حلم الطيران الذي رواده على طول قصائد
الديوان ، حيث التحرر والانعتاق .
هل كان يجب أن أرحل
لأطير هكذا
بلا جناحين في الضباب الملائم
لموتة رومانسية
وفي قصيدة أخرى
” الآن وقد أصبحت طائراً “
وفي ثالثة
” ثم أصعد إلى أعلى “
هكذا ..
نعم هكذا ..
هكذا
يصعد / يموت ، دون أن يفقد الإرادة والقدرة على الفعل
“سأفك ذراعي المسيح “
وساقي يهودا
وفهم النجار
وعيني
أنصبني مصلوباً جديداً
لأتذكر أن محمود المليجي
في
آخر لقطة من فيلم الأرض
كان يجر أظافره على وجهي
ها هو / يصلب نفسه بكل ما يحمله الصلب من تضحيات مترسبة في أعماقنا وقد ربط بين
صلبه وفك عصابة عينيه أي أنه مع الصلب سيتحرر ويرى وينعتق ويفتح أمامه المدى .
ربما أيضاً يرحل من أجل وحدته ، وفقدانه للأحبة الذين ينتظرهم دوماً ولا يجيئون
فيقول بوضوح :
أن الهواتف الخرساء هي السبب
أن نوافذ البيوت القديمة المغلقة
هي السبب
وربما يصعد محمد لأن :
جامعة الدول العربية
تفتح عينيها وتصرخ مرهقة
.. Is what The death
death does

لأن كل شيء ـ كالعادة ـ ثابت ، ولا فعل حقيقي .
ومن خلال لعبة الترقيم التي مارسها الشاعر استطاع أن يقول الكثير ، ففي قصيدته ( أخطط
لاغتيالي ) كان ترقيم المقاطع ( 1 ،2 ،3 ،2 ،1 ،0 ) وكأنه يمثل الوضع الراهن بلا
منطقية ، وعدم استقراره ، من لقمة لقاع وفي القصيدة التي تليها كان الترقيم (1،0،0 ،ـ1 )
وكأنه أراد في هذه اللحظة أن يقاوم الفناء ، تبدأ برقم (1) ثم يثبت بتكرار (0 ،0 )
ولكن في النهاية يكون الفناء ب ( ـ أ ) .
استطاع أيضاً الشاعر محمد أبو زيد أن يمزج العام بالخاص دون أن يشعرنا بالإقحام بل وفي لحظة ما يقنعني أنه من المنطقي أن يقترن موت الجدة بموت عبد الناصر ومولد المسيح و. ……. يخلط أحزانه بأحزاننا فنبكي ونضحك معاً عندما يسأل عائشة ببراءة :
هل كان من الضروري أن
يكون اسمك عائشة ببراءة
لكي أظل وحيداً
ما أثارني بشدة في الديوان أنه رغم الموت الذي لا تخلو قصيدة من ذكره إلا أن الصور جاءت
تمتاز بالحياة بكل ما فيها من حركة وجموح وجنون :
” الشارع :
تابوت طويل يقطعه
بين الحين والآخر جواد
يهفهف فوق قميص يعرج
الموتى :
شجرة تساقطت أوراقها
فاتجهت إلى السماء لترقص
التانجو منفردة “
حركة وخيال صب ، تمتاز به القصائد التي تمتاز أحياناً بجماليات الصدق والبساطة .
آه ..
لو يعلم الذين فارقونا
كم نحبهم
وبالعمق والتأمل في كل الأحيان
الديوان مليء بالصور التي تخص أبو زيد وحده ، فيقول مثلاً :
عربات القطارات بريئة
كبنت لم تقبل
شفتاها أصبع الروج بعد
حزينة كجرائد المعارضة
صامتة كمومياء قمر
أو عندما يقول في قصيدة ” هل فنجان يتيم من القهوة السادة يكفي لرتق كل هذه الهموم : المطر كان يرتعش من البرد
والغيوم القديمة كصحراء
كانت تخلع منظارها الطبي
وتحدق في ترقب
إذا كان هذا هو الديوان الأول لمحمد أبو زيد فهو يحمل كل ما تحمله الأعمال الأولى من طزاجة
وإبداع حقيقي ، فيذكرنا بمدينة بلا قلب لحجازي ، وأرخص ليالي ليوسف إدريس ، والناس في
بلادي لصلاح عبد الصبور .
الديوان يحمل لواء النثر ، لكنه يعد من الدواوين النثرية القليلة التي استطاعت ألا تتوه بين
الأصوات الكثيرة ، ووجد لنفسه مكانه الخاص ، وصوته المنفرد ، ولم ينغمس في الغرابة والتغريب ، بل استطاع أن يقوم على الغموض الشفاف ، فكما قال الدكتور عبد القادر القط
” إن قدراً من الغموض ضروري للشعر الجيد ، على أن يكون غموضاً شفافاً ” .
الديوان عن عبد الناصر وجيفارا والاشتراكيين والحرية والعدل .. تحدث عن الكثير من الأشياء التي من الممكن أن يعلو الصوت فيها ، ولكن أبو زيد استطاع أن يقول كل شيء همساً ، في هذا الديوان قال وبكل قوة أيها العالم أنا موجود .. أنا هنا وحيد أحزن ، وأبكي ، وأكتب شعراً جميلاً ، فانتبهوا لي.

ــــــــــــــــــــــــــ

نشرت في مجلة الشعر 2004

Advertisements
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: