RSS

من جماليات قصيدة النثر، ثقب في الهواء بطول قامتي .. نموذجاً

07 ديسمبر

عبد الجواد خفاجي

محمد أبو زيد شاعر مصري شاب من مواليد سوهاج ، آثر أن ينحو بتجربته الشعرية صوب النثر ، وقد أصدرت له مؤخرا سلسلة ” إبداعات ” ديوانه الأول ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” في عددها ( 164 ) .

ومن الحقائق التي يجب أن تنطلق منها لدراسة قصيدة النثر أنها ليست تمثيلا للواقع ” وصفا أو سردا ” وأنها على العكس من ذلك إبداع وموضوع مستقل ، ما إن يستقى عناصره من الواقع الخارجي حتى ينفصل عنه ليبحث عن حقيقة العضوية الخاصة … هذه العضوية الخاصة ستكون إلى حد ما تركيبا لعالم غريب نستشعر فيه الغربة أيضا كما لو كنا مسافرين على كوكب آخر باستخدام المواد الاعتيادية جدا والحقائق اليومية ، وتعبيرات وكلمات المواقف العادية ، والألفاظ التي تدل على المبتذل من أشياء ، وعلى الشعر ها هنا ألا يتدفق من جمال التعبير ، أو رصانة العبارة ، أو إيقاعها بقدر ما يتدفق من صيغة الرؤية أ نحن إذن بإزاء تحطيم فكرة اللغة النبيلة ، وبإزاء بلاغة رفض لأية بلاغة ، ولكل صنعة لفظية ، أو كما يقال : جمالية الحد الأدنى التي هي في الواقع القاعدة في قصيدة النثر ، وربما في قصيدة الشعر ـ على حد تعبير سوزان برنار .

في ديوان ” ثقب في الهواء بطول قامتي ” تجميع لكثير من الأشياء المبتذلة والاعتيادية ، وكلمات التعاملاليومي والتعبيرات الشعبية ، بالتجاور مع المفردات الأجنبية ، والعربية الخالصة ، وغير ذلك منها ما هو مكتوب بالأحرف الأجنبية ، ومنها ما هو مكتوب بلهجته العامية حتى وإن استعار له أبجدية الفصحى .هذه التشكيلة المتنوعة تجمعها صور تعتمد أساسا على التقاء ما لا يلتقي من الناحية المنطقية بما يعد توسعافي استخدام المجاز ، أو التقاء ما لا يلتقي على المستوى اللغوي الواحد ، وإن كانت من خلال عملية الرصف والتوليف والانتقاء تشكل صورا بديعة مدهشة ، يبدو للذهن دوره في ترتيب عناصرها وفق منطق خاص جدا. ويجمل بنا أن نقول إنها صور تقوم على التقاء حقيقتين متباعدتين إلى حد كبير ، أدرك الذهن وحده علاقتهما ، وبالنتيجة فإن الصورة هي إبداع ذهني صرف ، هذا المفهوم لدور الصورة هو إحدى محصلات الشعر الجديد ، فالصورة والاستعارة لم تعودا زخارف إضافية مكرسة لتجميل النص الشعري ، بل هما وسيلتا خلق وإبداع ، ولنا أن نتأمل هذه الجماليات الخاصة بقصيدة النثر في نصوص محمد أبو زيد ، لتفجأنا هذه الصور البكر : “فالشمس مسدلة الغيوم اليوم / شارع عبد الخالق ثروت / منحنى اليوم هزيمة جديدة / هزيمتين / ثلاثا / المطر كان يرتعش من البرد / والغيوم القديمة كالصحراء / كانت تخلع منظارها الطبي ” . صـ 28 … ماتت جدتي .. / بعد يسوع بأقل من ألفي عام / وكانت تقول / إن صالة المغادرة تتأهب لتوديع أناس جدد / فأصرخ : جبار أنت أيها الموت / أريد أن أهزك / وأخنقك من ر بطة عنقك / الأنيقة / كمشنقة … ص 26 … كانت القطة أسفل المنضدة تموء / وجان دارك أمام طبق الفول / نصف صامتة تبصرني / أتوقف في الشارع أمام السيارات / أعجز عن الطيران في ميدان الأوبرا / أفلت من عيون أصدقائي / لأكتب نصف قصيدة / وأظل هكذا إلى الأبد / بنصف يد … ص 94 .

ثمة تجميع لمستويات تعبيرية متفاوتة الرصانة ، وثمة ميل إلى لغة الحياة اليومية والتقاء ما لا يلتقي كالجمع بين جان دارك وطبق الفول ، والقطة في مشهد يبدو حيا وآنيا يمارس اعتياد يته مع الذات الشاعرة ، هذه الاعتيادية التي تحاول الصورة أن تدخلها في عقولنا ليست إلا تجنيحا في أفق فوق اعتيادي ، ميتافيزيقي إلى حد كبير ، لأن جان دارك في عداد الموتى .وبما يعد توسعا في المجاز أيضا أن يرتعش المطر من البرد ،وأن تخلع الغيوم منظارها الطبي ، وأن يكون للموت ربطة عنق أنيقة ، ولا أظن أن هذه التشكيلات اعتباطية مطلقا فقد سبق أن قلت إنها وفق منطق خاص له رؤيته المخصوصة ،فمثلا عندما ننظر في التشكيل الصوري الأتي :

اتركيني، أرقص وحيدا أمام هيرودوت / فأخرج من التاريخ / وأدخل في فناجين القهوة / دعيني أفضفض /سأعلق مشنقة في رقبتي / وأدعوها ربطة عنق / أغرس سكينا في فمي / وأدعوه سيجارا / أعانق الكهرباء وأسميها الحبيبة / أخرج ذاكرتي بيناير ص 68 .

هذه مجموعة من الصور المترابطة في بعض المواضع والمتجاورة في مواضع أخرى تتحد بموجب منطق خاص جدا يبدأ بالرغبة في الخروج من التاريخ ، على عكس كل البشر إذ يحلمون بدخول التاريخ ، هذا التاريخ يبدو مرفوضا لقذارته ولا إنسانيته حسب وجهة نظر الذات الشاعرة ، وما الذي يجبر الذات على الحلم بدخول تاريخ آثم شرير ؟ !

ربما لهذا تحفل الصور بأشياء كثيرة مميتة ، أشياء يجفل منها البشر ، لأنها تجتث حياتهم مثل ” سكين ـ مشنقة ـ الكهرباء ” هذه الأشياء المهلكة للجسد يخشاها الواقع المادي ، لكنما قد لا تخشاها الأرواح الهائمة التي تخرج من التاريخ المادي غير آسفة عليه ، وربما لهذا تنتاب الشاعر رغبة غسل ذاكرته أولا بأول ، بداية كل عام ( يناير)..

يغسلها حتى يطهرها من فواصل ومحطات هذا التاريخ المرفوض .

يبقى أن يباكت راقصا هذا التاريخ أمام أبي التاريخ “هيرودوت ” … يباكته خارجا فيما يشبه الفرح والرقص ، خارجا من عواصف التاريخ إلى عواصف أخرى قد يسميها هذا التاريخ المرفوض ” زوابع في فناجين ” هذه الزوابع قد توسم بهذا الوسم ، لها ما يبررها ، وعلينا أن نطالع الأسباب في مجمل تجارب الديوان ، فمهما كان الشاعر متمردا إلا أن تمرده له ما يبرره ، ولو تتبعنا تشكيلة الصور السابقة لوجدنا تشكيلة أخرى تشف عن مبررات الرفض والتمرد ، نقرأ منها :

ذراعي التي كسرت من الكتابة إليك / لم يفعل أبي معه شيئا / فقط علقها كتمساح محنط ، في مقدمة البيت / الأصدقاء قلبوا البحر طحينة … ص 69 .

إنها صور تنم عن السلبية المحيطة تدعو إلى الرفض المقابل ، وتمتد الصور الشعرية التي تعكس تجربة الذات في هذا الواقع على نحو : ليس لي حبيبة ولا أصدقاء ولا قصائد راقصة ، أعبر بها ـ كبساط ريح ـ جثة الطغاة . / وأسرة الأمراء / والطحالب في أفواههم . ص 70

وفي تشكيل صوري آخر :

كل يوم / أقف على ناصية جسدي / أقزقز السحابات / المارة / وأرص البيوت المنشورة / على أحبال الغسيل

في جيبي / وأنتظر ني / لكنني دائما لا أجيء . ص 18

لم يعد له غير جسده الذي هو الكون الذي يدس فيه فضائح وأسرارا لم تعد سرا … يعيش كجسد يبحث عن مساحة للتعايش الروحي التي لم يعثر عليها ، ربما هو يلجأ إلى الأساطير عله يجد روحه المفقودة :

جدتي قالت / الذباب الأزرق / هو أرواح الموتى .. / وهكذا أسير / مفتشا عن روحي ص 53 .

وثمة صور أخرى تعكس لنا صورة السماء التي تترصد الذات التي لم تعد تملك من واقعها شيا سوى صورة المحبوبة ، وليس المحبوبة نفسها ، وكأن كل ما يربط الذات بواقعها جماليا وليس حسيا ، وإن كان مرئيا على نحو غير حقيقي ، بيد أن السماء استكثرت على الذات حتى صورة المحبوبة فخطفتها ، في الوقت الذي لم تعد الذات عابئة بهذه العوارض ، وهي التي تشتاق لبهجة أعظم خلف سجفه الفيزيقا ، أو هذا العالم المرئي :

لأنه كان يشتاق / لصفصافة زرقاء الروح / بصورة مبهجة / فلم يهتم برائحة الشواء / التي اغتالت الشارع

الحافي / ولا بطعم معجون الأسنان في فمه / ولا بالسماء التي / مدت يدها / وخطفت صورة / للحبيبة / فقط

بكى عندما غنى محمد منير / ( قابلت في الطريق عيون كتير بريئة / أعرف بشر عرفوني لأ لأ ما عرفونيش ،

قابلوني وقابلتهم ،بمد أيدي لك طب ليه ما تقابلنيش ) / فقط .. / أبكي كثيرا / حتى أضحك بلوزات بنات الكورنيش الضيقة / وبوابات الجريون ” ص 20 .

في كثير من الصور تتحول الحياة إلى قبر ، فيما تتعامل الذات مع هذه الحياة في الخارج كما لو كانت هي الحياة الآخرة ، وفي لحظات الضيق تتساءل إن كانت قد أخطأت اختيار القبر الملائم :

” فهل هذه المسافة / كافية للهرولة .. / أم أن عيني لم تستطع اختيار القبر الملائم / أيتها الخناجر / بإمكانك تمزيق الأفئدة والقصائد / ومناشر الغسيل / بإمكانم .. / فتح كل الأبواب / والإنصات جيدا للكلام الهامس بين مساحيق الغسيل / والقلوب .. ص 11 .

إن نداء الخناجر / أداة التمزيق والقتل يمثل قمة غضب الذات : إذ تستدعى هذه الأداة الحادة لتمزيق القلوب والقصائد معا .. إن الرابط بين القلوب والقصائد من شأنه أن يوضح العلاقة بين الشعر والعاطفة التي تحفل كثيرا بقيم الغناء في واقع ليس غنائيا ، بيد أن الطيور نفسها تستحق القتل أيضا لا لأنها شريرة ، بل لأن قتلها يمثل قمة الرحمة بها وقد أضحت بغير دوحتها ، وهكذا نجد دعوة الخناجر لها مبررها ، فيما أضحت ها هنا قيمة إيجابية ، ومن ثم تأخذ مفردة خناجر دلالتها في هذا اللون الجديد من القصائد التي تخلق عالما على نحو مخصوص يتفق ومنطق الذات .

ما يعنينا من وراء رصد هذه المجموعة من الصور السابقة أن نرى كيف اجتمع فيها المبتذل والعادي ، وكيف أنها بعدت عن الرصانة إذ حفلت بالاقتباسات العامية عندما ساق نص أغنية محمد منير ، كما حفلت بالتعبيرات الشعبية مثل : مناشر الغسيل ـ مساحيق الغسيل ـ علب الفازلين ـ أحبال الغسيل ـ فرشاة الأسنان ـ معجون الأسنان ـ براد الشاي ـ قماش الكنب ـ بلوزات البنات ـ كورنيش النيل .. إلخ ، بجانب ألفاظ أجنبية المنشأ مثل : بروفيل ـ تاكسي ـ بلوزات ـ الأوبرا ـ سجائر ـ الجريون .. إلخ ، وثمة احتفاء بتوافه الأشياء من عينة : طحينة ـ فازلين ـ معجون ـ طاولة ـ رابطة عنق ـ أحبال ـ مناشر ـ إلخ ، تتعاضد بلغة أكثر رصانة من عينة : الأفئدة ـ استرق السمع ـ يركلني الفلاحون ـ يهجوني الأطفال ـ عيون معلقة على البحر ـ بساط الريح ـ الشمس مسدلة الغيوم ..

إلخ ، وكثير من أسماء الأعلام والميادين والشوارع ، والحقيقة أن الديوان حافل بمثل هذه التشكيلة القاموسية والتعبيرات ذات المستوى المتباين ، والتي تمت إلى شرائح المجتمع ومستوياته الثقافية كافة ، حتى اللغة الاصطلاحية لم تخل النصوص منها ، فهناك حشد مباه بتواجده من عينة : جامعة الدول العربية ـ الماركسيين ـ رومانسي ـ متوالية هندسية ـ متوالية عددية ـ حمض الكبريتيك .. إلخ ” .

اللافت للنظر أن النصوص حفلت بكثير من أسماء الأعلام الموتى ، وتعاملت معهم في إطار التجربة كأشخاص لا يزالون يمارسون الحياة ، واللافت أيضا أن هؤلاء الأعلام يمتون إلى أزمنة مختلفة ومجتمعات متباينة ، ولعل ذلك له ما يبرره أيضا فالتجربة تسعى إلى استيعاب البعد الإنساني الذي يستوعب التجربة الإنسانية عامة وعلى مدى التاريخ الإنساني ، وربما أن ذلك كان واضحا من تنوع الأعلام ما بين مصري وأجنبي وعربي وفي حقب زمنية مختلفة ومتباعدة ، وفي الإطار نفسه استخدم عبارات بلغة أجنبية مثل ما هو وارد في قصيدة ” هل فنجان يتيم من القهوة السادة يكفي لرتق كل هذه الهموم ” إذ وردت عبارة :فhe death is what death does t ص 21 بجانب نصوص متضمنة من القرآن الكريم مثل : أصلها ثابت ، وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين ص 12 ، وإن كان الشاعر قد أخطأ في النقل وكتبها : جذرها ثابت ، يتواشج ذلك مع بعض التعبيرات الدارجة في الشارع مثل : تحاسب التاكسي ص 15 ، وقلبوا البحر طحينة ص 69 ، مع كثير من صور الرصانة التي وردت بشكل عارض ، هذه التشكيلة تحاول أن تكون شاملة ومستوعبة للبعد الإنساني والاجتماعي والتاريخي متمثلة التجربة الإنسانية في عموميتها .

أما بخصوص الأعلام الموتى وخلطهم بالأحياء فله ما يبرره أيضا على صعيد التجربة التي تعلن موت شاعرها إذ يبدأ في ممارسة حياته الاعتيادية ، وغير ذلك فإن له حياته فوق الواقعية التي تهجر هذا العالم الخرب الشرير الحي الميت ، أو لنقل الميت بالحياة حسب وجهة نظره ، أما الحياة الحقيقية بالنسبة للذات الشاعرة فهي هناك فوق هذه الحياة / الواقع ، مع الأرواح حيث الرحابة وحيث الحاضر الأزلي ، وحيث التسامح الحقيقي ، لنقل الخلق البديل الذي صنعته لتوها الذات الشاعرة ، حيث الاتصال الحر و الحوارات واللقاءات بكل الأعلام الذين رحلوا أو من هم على دربهم من الأحياء ،بعضهم حقيقي مثل : محمود المليجي ـ محمد منير ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ جان دارك ـ المسيح ـ النجار ـ يهوذا .. إلخ،

وبعضهم أسطوري مثل سانتا كروز وغيره ، الملاحظ أن أسماء الأعلام تنتمي إلى حقول إنسانية معرفية وفلسفية متنوعة ، وإن كانوا جميعا ساهموا في هندسة الحياة الروحية للبشر .

إنه عالم غريب يختبط فيه الأحياء بالأموات ، والأموات بالأحياء ، إذ ينهار فيه حاجز الزمن تماما بمعناه التقليدي ، ليصبح معبرا عن سرمدية اللحظة ،ومن ثم يسقط التسلسل الطبيعي للزمن وتتداخل فواصله لتشكل عجينة واحدة فوق واقعية ، ولعل الذات وهي تصنع عالمها هذا مجتازة الوعي ألحصري ، والتقنين والتسييس والاعتيادية ، تعي أنها تجتاز عالما له تسلسله الطبيعي ، من جهة أخرى تعي أنه عالم مسيج بالخيال المرضي ، وهذا يمثل بالنسبة للذات الشاعرة خضوعا للوهم إذ لا مكان أساسا لتواصل رومانتيكي حقيقة ، ولا فرصة لممارسة الغناء الحقيقي على نحو ما يفعل الرومانتيكيون ،لا فرصة في واقع كئيب مادي شرير ،والقول بغير هذا يعني خضوعا للوهم ، المرضي الهروبي ، ومن ثم إذ تتخلى الذات عن السقوط في دائرة الوهمي هذا تجتازه على ما هو حقيقي بالنسبة لها وهو العالم المتخلق لتوه فوق منطقها المخصوص .

في نص ” أكمام قصيرة لا تصلح لرداء منزلي ” صراع بين لحظتين ، إحداهما تشد الذات نحو اعتيادية الحياة والعلاقات ، والأخرى تشدها نحو لحظة متفلتة من إسار الاعتيادية ، قد تكون اللحظات الرومانسية أحيانا واقعة ـ رغم بعدها المحلق في الخيال ـ ضمن المشاعر الاعتيادية التي ألفها هذا الواقع الممجوج ، أحيانا تبدو الرومانسية تقليعة مضحكة تمارسها أفلام السينما على سبيل التمثيل لا الحقيقة في عالم كهذا تبدو الذات نافرة من الواقع بما يحويه من اعتيادية الحلم الرومانسي إلى أفق يسكنه الحلم الصوفي المتفلت من جبلة الواقع ومنطقيته وكوابيسه ، ورومانسيته المزعومة والمريضة ، هذا الحلم الصوفي وحده يجعلها إلى حد ما ملامسة للحقائق اللا زمانية :

يالله/ هذا المشهد لم أره من قبل/ لكن أصابع الوقت النحيلة كثعبان رضيع/ أحاطت بعنقي/ وأزعمتني على البكاء / ما يذكره الشعراء في هذه الحالة/ سيكون رومانسيا/ وأنا أحاول أن أبدو بقميص ينادم شجرة بلا نهود/ حسب التسلسل الطبيعي للأحداث ساترك خيالي/ ليرسم على السطح حمامتين/ وعلى السطح جثتين/ وفي الطريق عربتي إسعاف . ص 76

إذا كانت اللحظة الحاضرة سياجا يحيط بالعنق ، ويرغم على البكاء ، فإن الحالة مناسبة شعريا للتحليق في أفق رومانسي مرفوض هو الآخر، إذ ما جدوى البكاء في عالم فيه ” الشارع تابوت طويل ” ص 76، التساؤل الأكثر وجاهة : ما جدوى الغناء ؟! لماذا يغني العالم وقد أضحت حتى اللحظة الرومانسية التي يمكن أن تكون مجالا للتحليق الروحي … أضحت غباء مصطنعا تمارسه الأفلام على سبيل التمثيل لا الحقيقة :

” ألم يكن من الأنسب أن نعير ضحكاتنا بعضا من الاهتمام / أن أعيد تلوين وجهي وأنا أقول ط أحبك ” / فتنبت في كفي سنبلة وقصيدة عمودية / سنجر الشوارع خلفنا كقط أليف/ لتتأهب القطارات بأغنياتها / فكم الوقت الآن / العاشرة إلا خمس دقائق / هذا مناسب تماما لأن أرتل في حضرتك ” أحبك ” / أن تفر تفاحتان من وجنتك / في الأفلام عادة / سينتهي الفيلم بقبلة طويلة . ص 74

ولعلنا قد أدركنا أن تمرد الشاعر على الواقع والمحتوى التاريخي ، يحوي في زوبعته تمردا على المعطى الثقافي واللغوي والبلاغي أيضا ، ولعل ذلك ما جعله يرفض الأسلبة التقليدية ، فلم يكن ملتزما في رصف عالمه وهندسته إلا بمنطقه المخصوص ، ولم يكن معنيا إلا بالحرية التي تؤهله لأن يكون كالنحلة التي تقف أينما شاءت فوق كل ألوان وأنواع الزهور أيا كانت ، فوق زؤابات الجبال أم في السهول ، في البوادي أم في الوديان والمروج ، هكذا كانت تجربة الشاعر التي تبغي الوصول في النهاية إلى العسل ، وإلى هندسة عالم له مذاقه وطابعه المخصوص .

من اللافت للنظر في نصوص الديوان أيضا بجانب رفض البلاغة التقليدية ـ غياب اللوازم المرورية في الكتابة ، مثل علامات الترقيم ، فلم تعد كلمات الجملة أو أجزاء الفقرة مترابطة نحويا ، ولم تعد الروابط بينها مؤسسة على منطق السببية المعهود أو أي منطق خارجي ، إنها صورة تشكلها كلمات كل ما يجمع بينها أنها متحدة وفق منطق مخصوص ، أو خاص بقصيدة لها درجة من الكثافة التي تجعلها إلى حد كبير مكتنزة بالإيحاءات والدلالات 

Advertisements
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: