RSS

الأسماء في ثقب في الهواء بطول قامتي

07 ديسمبر

علاء الدين رمضان

من النقاط المهمة في ديوان ثقب في الهواء بطول قامتي للشاعر محمد أبو زيد،  ما نجده بسطوع ضاف في الشخصيات تيمتها التي يقدمها الشاعر ، ومن أبرز تلك الشخصيات : شخصية الذات / الشاعر ، وشخصية عائشة ..؛ وسأبدأ هنا بالحديث عن عائشة ..

1 – عائشة :

كنت منذ الوهلة الأولى عند مطلع التلقي ، منذ الإهداء أتوقع أن أجد شخصية إيمان من أكثر التكوينات الفاعلة في التجربة ، وأحفلها وجوداً في أجواء القصائد ومتونها ، فإيمان هي تلك الشخصية التي أهدى لها الشاعر نصف إهدائه ، مدخراً النصف الآخر لحالة من حالاتها ، فأهداها النصف الآخر أيضاً ، ولكن حين تبتسم ، فإيمان يشي الديوان مبشراً بها منذ الإهداء ، لكننا نفاجأ أن اسمها لم يتم طرحه ثانية ، بينما يطرح الشاعر اسماً آخر هو عائشة ، الاسم الذي جعله عنواناً لقصيدة قصيرة ، ثم جعل منه مفارقة بين الحياة والموت ، في القصيدة نفسها ، والحضور الآخر لعائشة كان في قصيدة المطر بمحاذاة البكاء ، في المقطع السابع من القصيدة ، يخبر الشاعر عائشة بأنه أحب ؛ في بنية بلاغية ولغوية مكثفة ودقيقة ، تبدأ بالزمن ( الآن ) ، ثم النداء باستخدام أداة لنداء البعيد ( يا ) ، ثم عائشة ( الشخصية التي توازي إيمان ولا تتقاطع معها )، أو بتعبير الشاعر نفسه ( بمحاذاة ) كما جاء في عنوان القصيدة : المطر ( المعادل الدلالي للرحمة أو الحب ) ، في محاذاة البكاء ( المعادل الدلالي للحزن والفقد أو الموت ) ؛ وكأن الشاعر يبشر عائشة بإيمان ، هذا إذا ما تصورنا أن عائشة هي الماضي تاريخياً ، وإيمان هي المستقبل تاريخياً ..

الآن يا عائشة

أنا أحب ..

ثم نلاحظ أن في تقديم عائشة على الحدث فرط اختصاص بعائشة وحصر للحديث عندها وقصر توجهه إليها في إشارة إلى أنه يقصد به عائشة وحدها ..، ثم يستخدم الضمير ( أنا ) ، وهنا تتجلى العلاقة الرابطة بين الشاعر وعائشة ، فعائشة إذن من المحتم أن يثير عندها هذا الأمر دهشة إيجابية لأن الأعنى لديها هو الشاعر لا ما أحدثه من فعل ، ثم يأتي الفعل في المرحلة الثانية ( أحب ) وكأن الشاعر يفاجئ عائشة بما تنتظره ويعلم أنها ستهش له وتسعد به ؛ أود أن أقول إن البنية اللغوية لهذه القصيدة جعلتني أعيد على مهل قراءة قصيدة عائشة ؛ ثم المقطع السابع من قصيدة المطر بمحاذاة البكاء :

هل كان من الضروري

أن يكون اسمك

عائشة  ..

لكي .. أظل وحيداً ؟!!

هاتان لحظتان في حياة شاعر ، لحظة حزن ، يبكي فيها وحدته ويستنبط مفارقة من اسم التي أدخلته الوحدة ، والتي عبر عنها تعبيراً لغوياً جديراً بالتناول والتأمل ( أظل وحيداً ) ، فهو هنا يعني الاستمرارية واتصال الحالة ..

أما اللحظة الثانية فهي لحظة الفرح العارم بأنه أحب ..، المفارقة في الأولى تكمن في أن التي جعلته وحيداً اسمها عائشة ووحدته لديها تشبه الموت ، فهي عائشة وهو ميت ، أما المفارقة الموضوعية ، هي أن الشاعر لجأ لعائشة نفسها ليخبرها أنه أحب ، فإذا أعدنا ترتيب أفكارنا تجاه تلك الشخصية في الديوان ، سنكتشف أن عائشة هي التي ماتت على الرغم من أنها لما تزل حية نابضة في وجدانه ، وأنه هو الذي فقد الحياة إثر موتها ، فدخل الوحدة التي تشبه الموت ..، الذي هو هدفه تجاه نفسه ، إذ وصل به للحد الذي يخطط معه لاغتيال نفسه .. ، أي السأم ..

هذه هي عائشة التي ذكرت صراحاً باسمها في الديوان ثلاث مرات ، مرتان في قصيدة عنواناً ومتناً ، ومرة في قصيدة أخرى ، لكنها احتلت في الديوان مساحة أكبر من هاتين القصيدتين القصيرتين ، لأن عائشة نفسها هي التي ثقبت الهواء بكائن يرى فراغه الشاعر في المرآة ، بينما نراه نحن في قلوبنا وقصائده جميلاً ، كأنه كوكب دري ..

سنكتشف إذن أن عائشة هي أمه التي ماتت دون أن تعلمه أبجدية الحياة ، وهي التي تركته وحيداً ( ص 32 – ص 36 ) ، وهي التي كتب من أجلها قصيدته ثقب في الهواء بطول قامتي ليرجوها ألا تموت الآن ، مضفراً في ثنيات قصيدته ( آناً ) تاريخياً ، زمناً مغايراً لأزماننا ، إنه زمن للفجيعة والفقد ، وكأن الزمن توقف عند موت أمه ، لكنه منذور للالتئام بعد أن أحب فإذا كان قد صاغ جملة الفجيعة على النحو الآتي :

لا تموتي الآن

والتي تكررت في قصيدة ( ثقب في الهواء بطول قامتي ) أربع مرات ، نجده يرتق تاريخه في المقطع السابع من قصيدته ( المطر بمحاذاة البكاء ) عندما يبدأ بشراه لأمه بهذا ( الآن ) التاريخي : الآن يا عائشة أنا أحب ؛ فإذا كان موت أمه وزعه صارخاً في كل الأنحاء ، ( إذ احتاج إلى تكرار جملة : ” لا تموتي الآن ” أربع مرات ) ؛ نراه في المرحلة الأخرى قد قرَّ وهدأت نفسه ، بعد أن أهداه الله مؤنساً يبدد وحدته التي دخلها بموت أمه ، لذا لم يحتج إلا جملة واحدة ، ( آناً ) واحداً ؛ ليعبر به عن دخوله للمرحلة أو التجربة التالية ..

وأود أن أشير إلى أن قصيدة ثقب في الهواء بطول قامتي ، بمفردها جديرة بدراسة مستقلة ، لأنها على الرغم من ضيق اللحظة الذاتية التي تقدمها إلا أن الصوغ جعلها أشد اتساعاً ، وبخاصة تلك التيمات التي حرص الشاعر على إضافتها في ثنيات القصائد ؛ أعود لأقول ربما حرص الشاعر على إضافتها ، نافياً القصدية ، لأنني لا أدري لماذا أظن دائماً ومنذ وقت مبكر جداً من فجر تجربة محمد أبو زيد الشعرية ، أظن أنه يملك فطرة هي التي تكتب القصائد دون أن يتدخل هو ، لأنه يصل إلى عقل القارئ وقلبه دون تمهل بعفوية بكر لم تلوثها اعتمالات الصياغة ..، ذاك هو الشرط الأول لنجاح الشاعر ، إنه الإبداع ..

Advertisements
 

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: